ما حقيقة التوجه لتحييد خيار الانفصال جنوب اليمن؟     استهداف جديد بإيعاز إيراني لقاعدة عسكرية بأبوظبي والإمارات توضح     استهداف الحوثيين لأبوظبي يعكس الهشاشة في الدفاعات الجوية لدى دول التحالف     ضربات جوية للتحالف على صنعاء هي الأعنف منذ سنوات     عصابة مسلحة تقتل منير النوفاني وجماعة الحوثي تماطل بالقبض على القتلة     صراع الحوثية والأقيال بين التحدي والاستجابة     تشديد الخناق على الحوثيين في مأرب بعد تحول سير المعركة من الدفاع للهجوم     هل كتب عبدالله عبدالعالم مذكراته؟     شرطة تعز تضبط متهم بانتشال حقائب نساء     كيف خدع الغشمي عبدالله عبدالعالم     أحداث 13 يناير.. إرهاب حزبي مناطقي بلباس ماركسي     إيران تبادر لعودة التواصل مع السعودية والأخيرة تواصل وقف التصعيد الإعلامي     انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان في اليمن والأمم المتحدة تواصل إخفاء الفاعلين     بعد تعطيله لـ 7 سنوات.. هبوط أول طائرة في مطار عتق     جماعة الحوثي تُمنح 6 ساعات لمغادرة آخر منطقة بشبوة    

الخميس, 08 يناير, 2015 01:14:00 صباحاً

اليمني الجديد - ثابت الاحمدي
في طيافة موجزة يحلق بنا المفكر البحاثة والسياسي اليمني الكبير الدكتور أحمد محمد الأصبحي في رحاب المجد والتاريخ اليمني الأصيل الذي سطره الآباء والأجداد، مشيرا إلى أهمية أن يستذكر اليمنيون ماضيهم ليكون جسور عبور للمستقبل ورافعة وطنية للبناء، فمن هنا انطلقت أولى الحضارات الإنسانية، ومن هنا ملك اليمنيون زمام المبادرة..

  •  اليمن قصة حضارة ومجد وتاريخ.. تحكي مآثرَها بطونُ الكتب وصفحاتُ الزمن. على كل شبر من أراضيها أثرٌ يُروى، سيرة تُحكى.. مهد حضارة الشرق، وأصل حضارة الإنسانية قاطبة؛ ولكن.. لن أكمل.. أدع لك التعليق قبل أن أختم بالسؤال؛ لاعتقادي أن الفكرة وصلت..؟
على كل حال، نتحدث عن الحضارة ومفهومها كمدخل عام، وأقول أولا: اليمن بلد حضارة، وما من حضارة إلا ولها بُعدان أساسيان، البعد الأول: يتعلق بالثقافة، والبعد الثاني: يتعلق بالمدنية. فاقتران الثقافة بالمدنية فيما بينهما يشكلان الحضارة، وكل حضارة من حضارات الأمم، ماضيها أو حاضرها أو مستقبلها، عادة تستطيع أن تقيمها من ثقافتها، ومن مدنيتها التي تعيشها، وبالنسبة للحضارة اليمنية، وبالنظر إلى ظرف الزمان والمكان، وخاصة في الفترة القديمة، كان للمكان عبقريته، وكان أن فطن أهل اليمن لهذه العبقرية فاستغلوها، ومن ثم اكتسبوا احترام الآخرين لهم. وللأسف فلا يزال المكان نفس المكان، وربما ازدادت أهميته إلا أن يمنيي اليوم لم يفطنوا لأهميته كما فطن آباؤهم وأجدادهم له بالأمس، فنجد الآخرين يتسابقون على هذا المكان في الوقت الذي نتفرج عليهم، وكأن الأمر لا يعنينا! لم نستطع الاستفادة منه على الرغم من تزايد أهميته اليوم، وما يمثله من ثورة قومية في حد ذاته. اليوم كل العالم وخاصة الدول العظمى منه، ملأت مياهنا الإقليمية وخليج عدن بأساطيلهم في تسابق محموم فيما بينهم عليه، وبدون شراكة دولية معهم بالنسبة لنا، كما يدعون. الشراكة الدولية تقتضي الحصول على مغانم أو مكاسب، إلا أننا مغيبون تماما.
  •  برأيك لما ذا استفاد منه آباؤنا وأجدادنا بالأمس ولم نستفد منه نحن اليوم؟
هذا راجع إلى القوة، والقوة التي امتلكناها بالأمس وكانت حضارة مشهودة اكتسبت قبل ذلك ثقافة ومدنية كنا نعيشها لا توجد في كل المناطق أو البلدان التي عاشت تلك الفترة. من الناحية الثقافية أهم ما تميزنا به أن حضارتنا قامت على الديمقراطية الملئية إن جاز التعبير. أيضا احترام الإنسان واحترام آدميته والتعامل معه برقي، كان العدل بين الناس سائدا وقائما، وهو أساس الحضارة وأساس الحكم، تأسست مجالس للحكم قائمة على الديمقراطية، تأسس دار الندوة في أكثر من مكان في اليمن.
  •  هل هو على غرار دار الندوة الذي عرفت به قريش في العصر الوسيط مثلا؟
دار الندوة كان قائما في كل قرية على مستوى اليمن، وهذا من الزمن القديم، وقد قال بذلك المؤرخون والمستشرقون والآثاريون وغيرهم. هذا الكلام لم أقله أنا. مع أن الدراسات التي قامت حول اليمن من حفرية وآثارية وتاريخية غير كافية لاستكناه واستغوار عظمة اليمن في الماضي، غير أنه يكفينا القرآن الكريم شهادة حين قال عرش بلقيس الملكة (ولها عرش عظيم) ولك أن تستحضر كل معاني العظمة من جميع جوانبها، ثم إن الوصف أيضا قد جاء من عظيم! بل من أعظم العظماء وهو الله عز وجل. من ناحية ثانية، القرآن الكريم أيضا وصف المنطقة كلها بقوله: (بلدة طيبة ورب غفور) بلدة طيبة تعني لم يكن فيها إقطاع، لم تكن فيها سيطرة أو استغلال فئة لأخرى، كما هو الشأن في بقية البلدان التي عانت من هذا السوء. كانت الأرض طيبة للجميع يسقي هذه الأرض السد المنيع. كانت هناك قيم حضارية راقية ميزت حضارة اليمن عن غيره.

جانب آخر أيضا مهم، وعلى قدر كبير من الأهمية، وهو المرأة ومكانتها الاجتماعية لم توجد في تلك الفترة منذ ثلاثة آلاف سنة فما دونها، حضارة كرمت المرأة كالحضارة اليمنية، بما في ذلك الحضارة الصينية وهي حضارة عريقة وعظيمة، وكذا اليونان، ومن بعدهم الرومان. لم يكن في ذلك الوقت امرأة تحكم أو تملك أبدا، إلا في اليمن، ولها عرش عظيم. هذه خصوصية يمنية، ثانيا: كانت النظرة العامة المجتمعية للمرأة في اليونان نظرة احتقار وازدراء، وكان محرما عليها أن تملك أو تحكم، وهذا في أوربا بشكل عام إلى قريب، كانت كالعبيد مجردة من كل الحقوق، لا يحق لها الاقتراع أو المشاركة السياسية أو حتى التملك.

مسألة أخرى. كان العالم كله تقريبا معتمدا على الصعيد الاقتصادي فيما يأتي إليهم من اليمن، أو ما تنقله اليمن عبر رحلاتها إليهم من الهند أو الصين، من الأفاويه والبخور والحرير وغير ذلك. وقد عرفت طرق التجارة اليمنية بطريق البخور وطريق اللبان، وطريق اللبان هذه كانت تلتقي مع طريق الحضارة القديمة القادمة من الصين فيما يسمى بطريق الحرير البري عبر فارس وهضبة الأناضول إلى أن يصل إلى منطقة أوجاريت "رأس المثلث" على البحر الأبيض المتوسط شمال اللاذقية في سوريا، وكانت تأتي من عندنا قوافل التجارة محملة باللبان والبخور وغيرهما إلى أن يصل إلى شمال سوريا، فيذهب جزء منه إلى العراق ويذهب جزء آخر إلى سيناء، ومن ثم إلى أوربا القديمة. وقد تكلم السفير الصيني السابق عن هذا الموضوع وعن طريق الحرير البري الذي ربط الصين باليمن من قديم الزمن.

على صعيد الحرف، أو القلم، الباحث محمد عزة دروزة يميل إلى أن هذه الحروف التي استخدمها الفينيقيون وعن طريقهم انتقلت إلى أوربا هي في الأصل عربية انتقلت من جزيرة العرب، فنحن أصحاب الحرف، وهذه قمة الحضارة. أيضا لأن اليمنيين قد برعوا في التجارة فقد برعوا في اختراع واستخدام الأرقام، وما يعرف اليوم بالأرقام الرومانية القديمة، هي من أصل عربي، بل يمني، وقد استخدمت خلال تلك الفترة، وهي مسجلة في نقوش مسندية. أيضا أن يكون لك تقويم زمني شهري خاص بك فأنت صاحب مجد وحضارة، كان لدينا التقويم الحميري، وكان مرتبطا بالزراعة ومعالمها. مسألة أخرى، أذكر وأنا في وزارة التربية والتعليم أن أتوا لنا ذات مرة بأكياس داخلها مومياوات من شبام الغراس، في بني حشيش، وقد أخذناها إلى كلية العلوم بجامعة صنعاء، وأعطتنا مؤشرات لعملية اكتشاف مومياوات أخرى في وعلان، في المحويت، وفي مناطق عديدة من اليمن..
  •  ما حقيقة المومياوات هذه من الناحية العلمية؟
المومياوات هي التحنيط والاحتفاظ بالجثة بمادة علمية لا تتعفن، وتستطيع مقاومة الزمن، بمعنى أنهم استخدموا مواد علمية لا نعرف عنها شيئا حتى الآن. والعجيب أننا كنا نعتقد أن المومياوات هذه مصرية في منشئها وتاريخها، لا بأس أن تكون أيضا مصرية، لكنها يمنية في الأصل، وأنا أعزوها إلى اليمن لأن استخدامها كان شعبيا وبيسر، أما في مصر فلم يكن يقدر على استخدامها إلا الطبقة الراقية من الملوك والحكام. الحصول على هذه المادة مكلفة، وطبيعة البحث عنها أيضا مكلف.
  •  دكتور يدور الحديث الآن عن فترة ما قبل ثلاثة آلاف سنة فقط، لكن القرآن الكريم تحدث بصراحة عن حضارات عتيدة وغابرة كثمود وعاد وهود وإرم، وهي حضارات يمنية بادت.. ألا تستحق هذه الوقوف عندها والحديث عنها، وللأسف فلم يتحدث عنها الآثاريون ولا الحفريون ولا غيرهم تقريبا؟
عفوا. الحفريات تحدثت عنها، ولكنها غير يمنية طبعا، وأقول لك: مثلا بني ظبيان، ولاحظ بني ظبيان في التاريخ وبني ظبيان اليوم للأسف الشديد.. تم اكتشاف مقبرة هناك من قبل الإيطاليين عمرها سبعة ألف سنة، وهي من العصور القديمة، وفي هذه الفترة عاش في اليمن العمالقة الذين ذكرهم القرآن الكريم في مرحلة ما قبل التاريخ، وفي يافع اكتشفوا أيام الإنجليز وجود أدوات مستخدمة من العصر الحجري، يا أخي اليمن متحف للتاريخ، متحف للحضارة، متحف آثار، تمشي على أرض كلها آثار وكنوز. وأتذكر ما قاله المعري:
                    صاح هذه قبورنا تملأ الرحب .. فأين القبور من عهد عاد؟!

وعاد هي اليمن طبعا، ولا نريد أن نتوسع في الحديث عن قوم عاد، فقد خاطبهم القرآن بقوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ وهذا دليل قاطع على حضارة عملاقة تأسست ثم تجددت أيضا، وطبعا هناك فارق زمني بينها وبين الحضارة السبئية، وقد ساد هذه الحضارة القديمة الأساطير كثيرا، أما حضارة سبأ فقد شهد لها القرآن الكريم وكفى به خير شاهد. الحضارة السبئية كانت حضارة إنسانية تحترم الإنسان وتحترم وجودة وكينونته لا حضارة تستعبده كما هو الشأن لدى بعض الحضارات الأخرى.
  •  دكتور يبقى السؤال، كيف يمكن لنا أن نستفيد من هذا المجد العظيم والموروث الهائل لما يخدم اليمن؟
يفترض أولا أن ينتشر هذا الوعي في وسط الناس، وخاصة في المناهج المدرسية ليعتزوا بتاريخهم وبالانتماء إليه، التاريخ يمكن أن يخلق فيهم كبرياء الانتماء، وهذا ما يولد فيهم الرغبة لأن يعملوا بلغة العصر ما يمكن أن يؤهلهم لاستعادة دورهم الحضاري، وألا ننطلق من فراغ. وهذا فيما يتعلق بالجيل والتنشئة، فيما يتعلق بالشعب بشكل عام يفترض أن أجهزة الإعلام والثقافة والمؤسسات ذات العلاقة تحدث ثورة علمية فكرية انتمائية إلى تاريخ أصيل متجاوزة فترات الانحطاط التي مر بها شعبنا. يجب أن نُلفت نظر القبائل التي تتحارب وتتقاتل اليوم إلى كنوز عظيمة مدفونة ومطمورة تحت الأرض وبإمكانها أن تغنينا وتوقف الحروب التي يعيشها هؤلاء.
  •  على ذكر القبيلة.. القبيلة كما يراها البعض عاملا من عوامل التخلف بكل معانيه، وحين تُذكر يتبادر السوء إلى الذهن مباشرة عند البعض، في الوقت الذي هي عند آخرين غير ذلك، ما الذي تراه أنت؟
أولا مفهوم الدولة قديما غير مفهوم الدولة اليوم، الحدود الضيقة المصطنعة أدت إلى الحرب والاحتراب بين هذه الدول. جاءنا في منصف العشرينيات من القرن الماضي الرحالة والمفكر التونسي المعروف عبد العزيز الثعالبي رحمه الله، وقال للإمام: الأمة العربية في وضع غير طبيعي وستكون متمزقة بسبب سايكس بيكو والحرب مع الأتراك وسقوط الدولة العثمانية ونريد أن نلملم أطراف هذه الأمة، وليس فيها من هو مؤهل لقيادتها إلا أنت. لكن الإمام يحي كان تفكيره ضيقا للغاية لم يستطع الحفاظ على ما هو تحت حكمه في اليمن، ناهيك عن أن يتصدر قيادة المنطقة كاملة.

القبيلة اليمنية في اليمن هي غير القبيلة العربية في الجزيرة، وذلك لأن القبيلة اليمنية مستقرة، ساكنة في المدن وفي القرى، ولهذا صنعت حضارة، وأنت تعرف أن الحضارة لا تُصنع بأفراد إنما بجماعات، مثلا في الزراعة وهذه المدرجات الزراعية لا يصنعها أفراد، كانوا يصنعون المدرجات الزراعية بطريقة جماعية. الشيء الثاني، جعلوا من الصحراء أرض الجنتين، مروجا خضرا وواحات، السد، أعظم ما فيه ليس حجمه بل فلسفة بنائه، وتأمل معي الحضارات تقوم على الأنهار أو البحيرات أو الشطآن، أما في الصحارة فلم تقم لأي جماعة أو أمة عبر التاريخ، اليمنيون استطاعوا أن يخلقوا من الصحارى بحيرات ومروجا خضراء وواحات، وهذا هو الإبداع في حد ذاته، هذه خصوصية يمنية، انتشرت بعد ذلك، آباؤنا الأوائل كانوا من القبائل كانوا يصدرون جميع أنواع الحبوب إلى العالم. الصناعة في اليمن كانت صناعة استخراجية كبيرة، استخراج الحديد، استخراج الذهب والفضة والنحاس، قوافل الفضة اليمنية مشهورة جدا وبقيت حتى إلى العصر العباسي، وهناك مناجم للفضة لا تزال آثارها باقية إلى اليوم.

هذه المناجم موجودة في أرض القبائل إلى يومنا هذا، وهذه الحضارة قامت في بلاد القبائل، وذلك الإبداع كله قام في أرض القبائل، منجم الرضراض في منطقة نهم منجم للفضة صار أثرا بعد عين وهو من المناجم الشهيرة من قبل الإسلام. كانت قوافل الفضة تصل إلى بغداد، في العهد السبئي كان الذهب موجودا، العرش العظيم الذي ذكره القرآن الكريم كان مرصعا بالذهب، والتماثيل التي اكتشفت مرصعة بالذهب، أجود أنواع الرخام موجود في اليمن وموجود اليوم في الصحراء تطمره الرمال. تصحرت الأخلاق والقيم فضافت علينا كل الفرص.. إلى اليوم توجد بيوت اسمها القشلة، مبنية على تل من خبث الحديد. وكانت مدينة صناعية، لم يبق من آثارها الصناعية إلا "الحرض" للأسف الشديد! قد لا يعلم الكثير أن الخنجر اليماني هو رمز الصناعة والتصنيع من الأساس، كانت لدينا العديد من مناجم الحديد المستخدم في الزراعة وفي الآلات الحربية وغير ذلك.. للأسف الأخرون يعرفون تاريخنا أكثر مما نعرفه نحن. قوانين سوق شمر المكتشفة على المسلة المشهورة معروفة في منطقة تمنع  في شبوة، التي ترجمها الغربيون إلى "تمنه لعدم وجود حرف العين عندهم"، وهي قوانين أو لوائح تنظم عملية التجارة وقانون شمر تعكس عظمة شعب وعظمة أمة.

بشكل عام نستطيع القول أن من أهم مفردات حضارات سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وأوسان وحمير الإيمان بحرية الإنسان وكرامته والنزوع إلى المساواة والعدالة الاجتماعية والمشاركة في صنع القرار، وقد شكلت في مجملها تربة خصبة ومناخا ملائما لتنامي فكر الخلق والإبداع والابتكار، والذي تجلى بصورة أساسية في اختراع قلم المسند والأرقام وعلم الفلك والزراع والتقويم الحميري وفن التحنيط واستخراج معادن الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والأحجار الكريمة والرخام، وتطويعها في الصناعات المختلفة كالحلي والأدوات المنزلية، وأدوات الفلاحة والبناء وصناعة الأسلحة، وأشهرها السيوف والخناجر والرماح، وكذا البراعة في هندسة السدود، ومد قنوات الري وبناء المدرجات الزراعية الجبلية وتشييد القلاع والحصون والموانئ البحرية والمراكز التجارية الممتدة إلى كل من "جرها ومعان وأيلة وغزة" وسن القوانين والتشريعات والنظم الإدارية والتجارية..
  •  ما الذي أصاب اليمن حتى أصبح بهذا السوء للأسف؟
ما أصاب اليمن هو جزء مما أصاب الأمة العربية والإسلامية بشكل عام، إذا ما استقرأت مراحل الحضارة العربية الإسلامية تجد أننا مرينا بعدة مراحل، أولها مرحلة العصر الإسلامي الأول الذي وحد الأمة، ووحد القيم والأخلاق وبنى الحضارة على أساس المبادئ والقيم والأخلاق، ثم المرحلة التالية لها، حين بدأت عملية الترجمة وعملية التأثر والتأثير في الحضارات الأخرى، فتوسع مفهوم الحضارة، ثم جاءت مرحلة العطاء الحضاري المبدع، وليس شرطا أن تأتي في هذا الإبداع بجديد ولكن لتبرز شيئا لك فيه بصماتك الخاصة، وهويتك. ثم مرحلة الانتشار الحضاري، لأن الامتزاج الأممي داخل البلدان الإسلامية أفضى إلى التمازج الحضاري واتسعت آفاق المعرفة والثقافة، حتى بلغ بنا الحال إلى أن يتم تدريس إبداعاتنا في أوربا إلى القرن الثامن عشر في مختلف جامعاتها، في الطب والكيمياء والهندسة والجبر والرياضيات.. ثم جاءت مرحلة الركود، وقد ابتدأت من دخول التتار إلى بغداد وإلى فتر متأخرة لا زلنا نعيش تداعيات الانحطاط الفكري إلى اليوم.
  •  الهوية اليمنية.. الذات الحضارية اليمنية غائبة إلى حد كبير إذا ما قسناها إلى الذات المصرية أو الشامية ربما وهذا ما يلحظه الجميع.. ما السر؟
مصر القاهرة، سوريا دمشق، العراق بغداد، التواصل الحضاري ظل موجودا في هذه البلدان بكل تراكماته لكن اليمن حصل لها قطيعة تاريخية للأسف الشديد لفترة طويلة من الزمن، انحسرت حضارتنا للأسف الشديد ولم نستطع المواصلة وورثنا عن القبيلة أسوأ ما فيها! مصر مثلا ذات زخم مكان وذات امتزاج حضاري وأممي كبير، دخلها الفاطميون واستقروا فيها، وخلها الأيوبيون واستقروا فيها، المماليك كذلك، وما بعدهم، حصل تراكم حضاري وأممي ولم يعد هناك من يعرف أكثر من عشرة جدود له هناك، على العكس مما عليه الأمر عندنا. نحن تمزقنا وساهمت الجغرافيا في ذلك إلى حد ما..
  •  أختم بسؤال... ما الحل لليمنيين ونحن بهذه الصورة المزرية للأسف؟
أخي العزيز علينا أن نتشبع بالتاريخ المشرق، وأن نقرأ التاريخ المؤلم لنتجنبه ولا نعيش عليه، اليوم نحن ننمي للماضي المزري، لا الماضي المشرق للأسف. أعجبني ما كتبه زكي نجيب محمود في مقال بعنوان نافذة على فلسفة العصر، يقول: إيماني لا يحد بضورة أن ينسكب ماضينا في حاضرنا انسكابا لا يُعرقل سيرنا، بل يجيء قوة محركة دافعة، لأن من تراث الماضي ما يعرقل، ومنه ما يحرك ويدفع، وأغبى الغباء أن نغمض العين عن هذه الحقيقة الصارخة، ليس للحاضر الحي غنى عن ماض يمده بغذاء الحياة, مثلما تمد الأم جنينها... إلخ. الحضارة الأندلسية حضارة يمنية بدرجة أساسية، آخر ما قرأته عن الأندلس لنيتشه نفسه، يقول: لقد حرمتنا المسيحية من حصاد الثقافة القديمة وبعد ذلك حرمتنا من حصاد الثقافة الإسلامية. إن حضارة اسبانيا العربية القريبة منا حقا المتحدثة إلى حواسنا وذائقتنا أكثر من روما واليونان قد كانت عرضة لدوس الأقدام، وأؤثر ألا أنظر في أي أقدام، لأن تلك الحضارة استمدت نورها من غرائز ارستوقراطية ولأنها تقول نعم للحياة، إضافة إلى طرائق الرقة العذبة للحياة. العالم يشهد لنا ونحن نهرب من حضارتنا للأسف الشديد.
  •  ألم تؤثر الثقافة العنصرية التي وفدت علينا منذ قرون كثيرة في هذا الجانب؟
والله أثرت كثيرا جدا، هذا الأفق الضيق أمر وارد، وفي مفهوم العولمة المهيمنة على مقدرات الشعوب أيضا كذلك، حاولت أن تفقدنا هويتنا، خاصة حين تتدفق الثورة المعلوماتية وهي تأتي على حساب ما عندنا من رصيد تاريخي. حصل تكامل بين الثقافة العنصرية الموروثة وبين الغزو الخارجي..
...............
الدكتور أحمد محمد الأصبحي
ــ من مواليد 1947م بشعبة جعفر، الأصابح، مديرية الشمايتين. تعز
ــ التحق بالكتاب صغيرا، فمدارس عدن، ثم قطر، وحصل على الدكتوراة من جامعة بغداد
 
المناصب التي تقلدها
 
ـ رئيسا لتحرير مجلة الصحة ومديراً للصحة المدرسية .
 
ـ محاضر في كلية التربية ـ جامعة صنعاء ـ مجال الصحة المدرسية.
 
ـ وزيراً للصحة العامة.
 
ـ وزيراً للتربية والتعليم .
 
ـ رئيساً لجامعة صنعاء .
 
ـ وزيراً للخارجية عضواً للمجلس الاستشاري.
 
ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل.
 
ـ أمين سر اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام 1982 ـ 1993م.
 
ـ الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية للمؤتمر الشعبي العام 2003 ـ 2005م.
 
ـ عضو لجنة التنظيم السياسي الموحد التي أنيط بها مهمة الإعداد لمستقبل العمل السياسي لدولة الوحدة.
 
ـ عضو الأمانة العامة لملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي.
 
ـ عضو المؤتمر القومي العربي.
 
ـ عضو مؤتمر الأحزاب العربية.
 
ـ عضو الأمانة العامة لمؤسسة القدس.
 
ـ رئيساً للمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب.
 
ـ عضو مجلس الشورى حالياً.
 
مؤلفاته
 
له العديد من الكتب والابحاث منها:
 
ـ تطور الفكر السياسي.. (رواده ـ اتجاهاته ـ اشكالياته) 2008م ـ (تداعيات رحالة في زمن الانكسار) 1996م.
 
ـ اطلالة على البحر الأحمر ـ النزاع اليمني الارتيري 1996م.
 
ـ ماذا عن سبتة ومليلة؟
 
ـ اشكالية الصراع في القرن الافريقي ودور اليمن في بناء السلام.
 
ـ واقع مستقبل العلاقات الأمنية بين الجمهورية اليمنية ودول مجلس التعاون الخليجي (2006م).
 
ـ أوراق في المشروع العربي.
 
ـ بحث في أصول البربر.
 
ـ له عدد كبير من المحاضرات (فكرية وسياسية وتاريخية).
 
ـ شارك في الكثير من المؤتمرات والندوات واللقاءات المحلية والإقليمية والدولية.
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء