الجمعة, 18 نوفمبر, 2022 08:38:00 صباحاً

اليمني الجديد - د. أحمد محمد الدغشي
                                           (1)
مع أن السنوات الثمان التي حكم فيها الحوثيون- ولا يزالون-  أثبتت أنهم سلكوا مسلك  الإقصاء للوظيفة العامة،  لكل من لم يسر في ركبهم، ويتماشى مع سياساتهم، لكنهم تمادوا في ذلك أكثر، وراحوا يبحثون عن ما يحسبونه مسوّغات قانونية  للتخلّص النهائي من كل من لم يدن لهم بالولاء ظاهراً وباطناً، فعمدوا في مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2022م إلى إصدار  ما يسمّى بـ" مدونة السلوك الوظيفي،  وأخلاقيات العمل  في وحدات الخدمة العامة"، عبر " المجلس السياسي الأعلى"،  مصدّرة لها  بآية قرآنية كريمة، ثمّ عبارة لعبد الملك الحوثي،  ثم ستة فصول، تقع في 36  صفحة،  شملت التسمية والمبادئ والقيم والمسؤوليات والواجبات، والتعامل مع البيانات وتكنولوجيا المعلومات  والإعلام، وتعزيز النزاهة، ومكافحة الفساد، ثم أحكام وخاتمة.
منطلقات المدوّنة: الهويّة الإيمانية برؤية هلامية طائفية
تنطلق المدونة مما تصفه بالهويّة الإيمانية. وهو الشعار الذي ترفعه، في كل مقام، وكأنه عملية فيزيقية قابلة للقياس، ولئن تمّ قياسه- جدلاً- فمعيار ذلك مطابقة الأيديولوجيا الخاصة بالحوثيين، وهي معتقدات طائفية خالصة، لو لم يكن فيها سوى التركيز على عقيدة الولاية بمفهومها " الشيعي" الخاص- كما سيرد لاحقاً-. 
 ومع أن المدونة  تمتنهن- في نظر كثير من المراقبين-   ما تبقى من كرامة الموظف العام، الذي هو محروم  حتى من الراتب منذ شهر  سبتمبر/ يوليو2016م ؛ إلا أنها زعمت أن أحد أهدافها لأساسية  " حفــظ الكرامــة الإنســانية للموظــف العــام، والمواطنـيـن، والمســتفيدين مــن خدمــات وحــدات الخدمـــة العامـــة المختلفـــة، مـــن خـــلال تعزيـــز المبـــادئ والقيـــم الأخلاقية المهنية  لدى الموظف  العــام والالتــزام بها،" ثم لا تتورع عن أن تورد الآية الكريمة:{ ولقد كرّمنا بني آدم } [الإسراء: من الآية 70وقوله – تعالى- :{ وقولوا للناس حسناً [ البقرة من الآية 83] ( )، وهو ما يرى فيه الموظفون الذين  يقعون تحت نطاق الجغرافية التي يسيطر فيها الحوثي، خاصة ممن لا يؤمن بأيديولوجيته، ولا يقبل المساومة على كرامته،  امتهاناً للكرامة الإنسانية للموظف غير مسبوق، واستخفافاً بقدسية القرآن الكريم والآيات التي تحث على كرامة الإنسان، على حين أن مسلك الحوثيين مجافٍ لذلك تماماً، حيث تجاوزوا نظام السخرة، التي يعمل المرء فيها مقابل غذائه وحاجاته إلى مجرّد القيام بمهامه، لخدمة  من يعدّونهم أسياد البلاد، من غير السماح له حتى بطلب حاجاته الأساسية! الضربة الطائفية  القاضية على الوظيفة العامة
                                               (2)
خطب الحوثي وأخيه إطار مرجعي حاكمة على الدستور اليمني:
تحدد المدونة الحوثية لما تصفه بالسلوك الوظيفي  الإطار المرجعي لها في : القرآن الكريم والهدي النبوي، وعهد الإمام علي بن أبي طالب لمالك الأشتر، ودروس حسين الحوثي ومحاضراته،  وخطابات عبد الملك الحوثي، وما تصفه المدونة بـ" الهويّة الإيمانية"، والآداب والأخلاق الإسلامية ( ).كما ميّزت المدوّنة بين الإطار الرجعي والمراجع؛ حيث حددت الأولى بما قد رأيت أما المراجع فحدّدتها بالدستور اليمني والقوانين والأنظمة ذات العلاقة، ووثيقة الرؤية  الوطنية لبناء الدولة، واللوائح والعُرف الإداري،  والعادات والتقاليد الحميدة، ومدونات بعض الدول العربية( ). ويبدو أنه في عرف القائمين على صياغة المدونة فإن الإطار المرجعي حاكم على المراجع، وعلى ذلك فإن خطب حسين الحوثي ودروسه، وخطب أخيه الشعبوية " الطائفية" حاكمة على الدستور اليمني، الذي لم يرد تصنيفه في الإطار المرجعي، بل في المراجع!
وإذا كان  من  غير المفهوم لدى كل من يعرف أبجديات في علم الإدارة كيف تصبح ملازم حسين الحوثي  ودروسه وخطب أخيه عبد الملك  إطاراً مرجعياً  لمدونة تزعم أنها معنية بشؤون الوظيفة العامة، على حين أن تلك الخطب والأحاديث مجرّد مواعظ طائفية مسيّسة، لا تمتلك الحدّ الأدنى من المعرفة الإدارية، ولا أنها في حسبان حسين وعبد الملك ابتداء ؛ فإن من الإمعان في الاستخفاف بالمقدسات العظمى  كالقرآن الكريم والسنة المطهرة، وضعهما  بجانب مواعظ طائفية خاصة، ألقاها حسين وعبد الملك، علاوة  على أن   الزعم بأن ما يقوم به الحوثيون من سحق لكرامة الموظف وتجويع  له وأسرته السنة بعد الأخرى،  يجد له مستنداً في القرآن الكريم أو السنة المطهرة أو مسيرة الخليفة الراشد  علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- إساءة ما بعدها إساءة  إلى قدسية القرآن السنّة ومكانة علي – رضي الله عنه-. أما الحديث عن الهوية الإيمانية فحديث عبث محض، يراد به الاستهلاك ليس إلا، وكذا فإن الحديث عن الآداب والأخلاق الإسلامية، لا يجوز أن يوضع أمام الموظف؛ حتى تكون كل حقوقه الأساسية- على الأقل- وبما يتناسب مع الوضع المعيشي من النواحي كلّها قد استجيب لها وتحققت ولو في الحدود المعقولة-، وصدق من قال:" كيف تذلون الناس، ثم تأمرونهم بالجهاد؟"                                                              (3)
جناية الاستعارة العمياء: والحكومة الناطقة باسم السماء:
 يتم الإيغال في الاستخفاف بالعناوين والمفردات وتجاهل الحقائق على الأرض،  حين يتم استعارتها من أيّة مدونة أخرى، في بلد مستقر، يلبّي فيه النظام الوظيفي القائم حاجات الموظفين ومطالبهم الطبيعية، فتظهر  المؤشرات بتلقائية، على حين تنعدم تلك الحاجات والمطالب في ظل الحوثيين وسلطتهم، فتأتي النتائج سلبية تلقائياً ، من غير حاجة للحديث عن مؤشر، ومع ذلك  يأبى القائمون على المدونة  إلا أن يمعنوا في الاستخفاف بالموظفين والرأي العام ومبادئ علم الإدارة ومختصيها، حين يأبون إلا أن  تنص مدونتهم  على عنوان" مؤشرات القياس"،  ثم تضع أول مؤشر " نسبة رضى  الموظفين، وإظهار مودتهم وارتياحهم  من الأداء العملي  لوحدات الخدمة العامة"( ) ثم تورد بقية المؤشرات وهي( ):
- سهولة وسرعة تقديم الخدمات
- نسبة الشكاوى المبلّغ عنها من قبل المواطنين/الموظفين/ الجهات
- نسبة الانحرافات في السلوك الوظيفي
- نسبة إنتاجية الموظف
- نسبة الهدر في موارد جهة العمل
- العلاقات القوية والثقة المتبادلة بين وحدات الخدمة العامة والموظفين والمجتمع
وللمرء أن يتساءل بعد ذلك، مادام ثمة إصرار على وضع المؤشرات من غير التفاتة إلى المجتمع الذي توضع فيه، ومدى إمكان هذا القياس وتطبيقه:
كم يمكن أن تكون نسبة الرضا الوظيفي والارتياح لدى الموظفين؟ ثم كم نسبة السهولة؟ والسرعة في تقديم الخدمات؟  وكم نسبة الشكاوى؟  والانحرافات؟ والإنتاج؟ والهدر؟  والعلاقات؟!  وكل ذلك في ظل سلطة الحوثيين.
إن وضع المؤشرات وقياس  النسب لا يمكن أن يكون في ظل وضع شاذ عن كل الأنظمة الوظيفية في العالم، ومقلوب بالكامل، حيث  قاعدته الفساد، ورأس هرمه الإفساد، ومنهج مسؤوليه الكبار احتقار الموظف وتسخيره لخدمة رؤوس الفساد،  وتصوير كل من يختلف مع هوامير الفساد بانه ينازع سلطة الله في الأرض، " المنتجبة" من الله ،  وليس " المنتخبة" من الشعب،  ويحن إلى عهود الولاء لأمريكاـ ويناصر العدوان، ويتعامل مع المرتزقة...إلخ، ولا يظنن  أحد أن هذا  افتيات على الحوثيين، أو  مجازفة في القول، أو تعدٍّ  في الخلاف، بل  إن  هذا  قول   ضيف الله الشامي- على سبيل المثال-   وهو وزير إعلامهم وناطقهم الرسمي باسم حكومتهم، وعضو المكتب السياسي  لجماعتهم، حيث  يقول في تغريدة له على حسابه في تويتر في 12/تشرين الثاني/ نوفمبر2022م :" لمن  يشنّون هجومهم على مدونة السلوك الوظيفي: " مشكلتكم مع الله وتوجيهاته وليست مع أنصار الله، ولهذا نتفهم انزعاجكم"( )،  ولغة بابوية كهنوتية مغالية كهذه، هدفها إرعاب كل من يعترض على  المدونة،  إذ إن خلافه تجاوز  الخلاف مع البشر،  وانتقل إلى دائرة الخلاف مع الله ذاته!  مع أن هذه المدونة العجيبة، تنص في موطن آخر -سنأتي عليه على الفور- على حق الموظف في التظلم والشكوى، وما ذلك إلا لكي يستمر ذلك الوضع الشاذ المقلوب لسلطتهم " الكهنوتية" إلى الأبد – كما يتخيّلون-!

أ.د أحمد محمد الدغشي- أستاذ الفكر التربوي الإسلامي- جامعة صنعاء





قضايا وآراء
مأرب