الثلاثاء, 09 أغسطس, 2022 10:39:00 مساءً

اليمني الجديد - عبدالإله الطاهش
أحمد الحورش هو صاحب مشروع تهريب ألف كتاب إلى اليمن، فقد عاش "الحورش" طفولته البائسة في "مدرسة الأيتام بصنعاء" التي اتسعت له ولأمثاله من أبناء الفقراء غير الايتام، وتخرج منها ليتسلم أول عمل له مدرساً في الحديدة.
أما مولده فقد كان عام 1920م، في شارع ضيق وفقير من شوارع صنعاء القديمة اسمه "شارع عقيل" ومن أسرة عريقة في الفقر والبؤس.
كان يمكن "للحورش" أن يمكث في مهنة التدريس، كالعشرات من خريجي مدرسة الأيتام لولا أن حدث مالم يكن في الحسبان.
وصل إلى صنعاء تاجر حضرمي مستنير اسمه حسين الحبشي مفضلا، عاصمة اليمن على المكلا أو عدن الخاضعتين للاحتلال البريطاني. ولكنه تفاجأ بغيب كل مظاهر التعليم الحديث فيها، مما سوف يعرض مستقبل ابنه وابن شقيقه للخطر والضياع التام.
فبعث برسالة إلى نائب رئيس مجلس الأعيان العراقي يطلبه أن يساعده في الحصول على منح دراسية في بغداد لأربعة من أبنائه وأبناء شقيقة، وجاءت الموافقة من الحكومة العراقية بقبول عشرة طلاب يمنيين وليس أربعة، فبادر بالاتصال بالإمام يحي لكي تتم الموافقة على اختيار بقية الطلاب، وقد استطاع الحبشي بذكائه أن يوهم الإمام بأن رفض المنحة سوف يعكر صفو العلاقات بين البلدين الشقيقين.
وهكذا تمت أول موافقة على ارسال أول بعثة تعليمية إلى خارج اليمن، وقد تبعتها بعثة ثانية وأخيرة تمت بإلحاح من المسؤولين العراقيين الذين اكتشفوا تدهور وتخلف مستوى التعليم في اليمن.
حكاية المصباح والصدمة الأولى
كان أحمد الحورش واحداً من أفراد البعثة الثانية والأخيرة إلى العراق، هبط الليل الأول على الحورش وهو في السفينة، وفجأة امتدت يد البحار إلى زر في الجدار، فأضاء نور ملأ الغرفة.
لم يكن هناك غاز ولا زيت ولا أي شيء مما يستخدم في الإضاءة في منازل صنعاء. كان نور ذلك المصباح الصغير أول نور يتسلل إلى عقل الشاب اليمني، وعلى ضوء الشعاع المنبعث بدأ يسترجع واقع بلاده المظلم.
وبدأ يتساءل بمرارة وقلق متى تلمع مثل هذه المصابيح في، منازل صنعاء وشوارعها تحت ظلام القرون؟!
وصل الحورش بغداد، ومعا أنها لم تعد كما كانت في عصورها الذهبية، ولكنها كانت أحدث من صنعاء، وكان بين المدينتين مسافة لا تقل عن أربعمائة عام في حساب ذلك الطالب.
لعب المصباح الدور الأول في خلق الوعي الجديد في ذهن الطالب الشاب، ثم لعبت بغداد، والمظاهر النسبية للتطور فيها الدور الثاني، وتولت القراءة أو بالأصح الكتاب الدور الثالث والاهم، وهو الانتقال بالوعي الى درجة اليقين ومن ثم الى درجة الثورة.
الكتاب طوق النجاة
كان العام الأول للحورش في بغداد كافياً لإثبات ملامح التحول في نفس الشاب اليمني القادم من جنوب الجزيرة العربية.
ولعل دار المعلمين لم تشده اليها بمقدار ما شدته إليها مكتبتها الحافلة بالكتابات المتنوعة في مختلف فروع المعرفة.
ولأنه كان قد أدرك تأثير الكتاب في نفسه فقد أدرك كذلك تأثيره في الآخرين، وأنه سيكون لبلاده طوق النجاة من التخلف، والنافذة التي سوف، يدخل منها النور الى الناس.
وهكذا وجد نفسه مطالباً بتوفير كل قرش صغير لشراء كتاب، فيكتفي بما يقدم إليه من غذا في المقر الرسمي للبعثة، ويمشي المسافات الطويلة بقدميه ليفد من أجر المواصلات ويشتري بالقروش القليلة كتابا أو طوق نجاة لبلاده يكون ضمن ما سيعود به من بغداد، حين ينتهي من دراسته.
وطوال السنوات التي قضاها الحورش في بغداد، استطاع أن يجمع ألف كتاب كما يؤكد ذلك العديد من زملائه.
وقد حمل من بعض الكتب أكثر من نسخة، فعلى سبيل المثال يقول أحد زملائه أنه قد حمل - عشرين نسخة من كتاب" طبائع الاستبداد" للكواكبي وعشر نسخ من "العقد الاجتماعي "جان جاك روسو وثلاثين نسخة من "الانقلاب العثماني "لجرجي زيدان وعشر نسخ من كتاب "النواة في حقول الحياة" لحبيب العبيدي.
برنامج لدور الكتاب
كان الكتاب هو الشكل المناسب للنضال قبل الانتقال إلى أشكال جديدة، ويبدو أن الحورش كان قد وضع برنامج لأساليب التوعية والتثقيف في تلك المرحلة في النقاط:
التالية:
أولاً: إلزام كل أفراد البعثة العائدين من بغداد، بالمشاركة في تكوين مكتبة في المدرسة، حيث سيعمل الحورش ومن معه في التدريس لاستدراج الطلاب النابهين وغيرهم من محبي الاستطلاع الى التعلق بالكتاب.
ثانياً: تكوين مكتبة صغيرة في المنزل تضم الكتب "المحرمة" ليرتادها من يأنس اليهم من الطلاب، وفي هذه المكتبة يستطيع أن يتنافس معهم في قضايا الثقافة والوطن.
ثالثاً: الدفع بهؤلاء الطلاب -كلما أمكن -الى ثكنات الجنود المجاورة للمدينة، والذهاب الى السماسرة "الفنادق" والى القرى المجاورة لقراءة بعض القصص والروايات الوطنية والكتب الدينية المستثيرة.
رابعاً: توزيع بعض الكتب كهدايا لبعض الأمراء ولبعض الشخصيات البارزة، ولكبار الموظفين في دولة الإمام يحي. وقد أشار الأستاذ زيد عنان في حديثه عن مكتبة الحورش إلى أن عدداً من زملائه قد وجهوا اليه اللوم بسبب توزيع بعض كتبه -التي اقتطع ثمنها من لقمة العيش_ على بعض الأمراء والمستأثرين بالنفوذ. وقد رد عليهم ضاحكاً :(لقد اشتريت هذه الكتب لهذا السبب بالذات، وما أرجوه هو أن يقرأها هؤلاء الاشخاص. وفي هذه الحالة سيكون كل سأخص فيهم أحد اثنين: الذي يقرأ ويستنير فيكون قوة لنا، والذي يكون عقله مصفحاً ضد الاستنارة لكنه لا بد أن يعرف على الاقل شيئاً واحد عن المصير الذي ينتظر أعداء الشعب ويترصد حياتهم).
وقد نجح الحورش في تنفيذ البرنامج التثقيفي الذي خطط له من قبل العودة نجاحاً باهراً، وذلك ما سوف نعرضه في منشورات قادمة.
المصادر: أحمد الحورش الشهيد المربي، دكتور عبدالعزيز المقالح.
زيد عنان: مذكراتي
 





قضايا وآراء
مأرب