الجمعة, 17 يونيو, 2022 09:03:00 صباحاً

اليمني الجديد - بلقيسtv

منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، وما ترتب عليها من أزمات معيشية واقتصادية، برزت العديد من الظواهر غير المألوفة في أوساط المجتمع، مثل قتل الأقارب وغيرهم، والعنف الأسري، والتقطع للمسافرين ونهب ممتلكاتهم وقتل البعض منهم، ونهب ممتلكات المواطنين، وإنشاء السجون السرية وممارسة التعذيب فيها بحق المعتقلين حتى وفاة بعضهم وإصابة البعض الآخر بأمراض نفسية وعاهات جسدية مستدامة تصل أحيانا إلى الإصابة بالشلل أو العمى، فضلا عن اختطاف النساء وتعذيبهن واتهامهن بتهم باطلة وابتزاز أهاليهن، وغير ذلك من الممارسات غير الأخلاقية وجرائم القتل والعنف الأسري.
 
ومن نماذج ذلك، أنه قبل أيام أقدم شخص في العاصمة صنعاء على قتل عدد من أفراد أسرته بسبب خلافات أسرية، وقبل ذلك اختطف شيخ قبلي ومعاونوه أحد الجنود وقتلوه بطريقة بشعة ودفنوه في مطبخ البيت، بحسب مصادر إعلامية. وفي حاجز تفتيش بمحافظة لحج، أطلق المسلحون في الحاجز الرصاص الحي على عائلة في سيارة وقتلوا فتاة وجرحوا آخرين، وفي نفس حاجز التفتيش قُتِل مواطن يمني عائد من الولايات المتحدة (يحمل الجنسية الأمريكية).
 
وفي مدينة تعز، تعرضت أسرة لما يشبه الإبادة الجماعية بسبب خلافات مع أسرة أخرى حول قطعة أرض، وفتاة تقتل والدها لأسباب غامضة، وشاب يقتل والدته طمعا في ذهبها ونقودها، وحوادث قتل أخرى كثيرة مشابهة، فضلا عن تكرار حالات قتل الوالدين أو أحدهما وأقارب آخرين من قِبَل مسلحين حوثيين عائدين من جبهات الحرب.
 
ويتساءل مواطنون كثر حول هذه الظاهرة ومسبباتها، وهل يُعقل أنه كان يتواجد في أوساطهم قتلة ومجرمون وسجانون عنيفون بهذه الدرجة من الوحشية وقساوة القلوب؟ ويفسر مواطنون تنامي تلك الظواهر خلال السنوات الأخيرة باستمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والمعيشية والنفسية، فهل فعلا للحرب دور كبير في بروز ظواهر القتل والعنف الأسري؟ وما هو تفسير علم الإجرام لتلك الظواهر ومسبباتها؟
- العوامل الكاشفة للسلوك الإجرامي
 
لا توجد في اليمن أساليب علمية في البحث عن أسباب السلوك الإجرامي ودوافعه، كون الظواهر المذكورة لم تكن مألوفة قبل الحرب ونادرة الحدوث، لذلك لم يكن هناك حاجة لدراسة مثل تلك الظواهر، وبما أنها برزت بعد نشوب الحرب وما ترتب عليها من أزمات اقتصادية ومعيشية، فإن الظروف ليست مهيأة للقيام بدراسات عن أسباب جرائم القتل والعنف الأسري، وعند محاولة تفسير هذه الظواهر بالعودة إلى علم الإجرام، نجد أن هناك الكثير من النظريات التي تفسر السلوك الإجرامي، وجميع تلك النظريات طالها النقد، بسبب اختلاف بيئة الباحثين واختلاف التشريعات والقوانين من بلد إلى آخر، حتى ظهر ما يسمى "الاتجاه التكاملي" في تفسير أسباب الظواهر الإجرامية.
 
وبالاطلاع على عدد من الكتب والدراسات والنظريات المتعلقة بتفسير الظاهرة الإجرامية، فقد اخترنا منها ما يبدو الأقرب لتفسير ظواهر القتل والعنف التي تفشت في المجتمع بعد اندلاع الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، والملاحظ أن جميع النظريات وآراء الباحثين في علم الإجرام فسرت تفشي الظاهرة الإجرامية، من قتل وسرقة وعنف أسري واغتصاب وخطف وتعذيب وغير ذلك، بأنها تخضع للعديد من العوامل النفسية والعقلية والبيئية والعضوية والاجتماعية والأسرية وغيرها، بداية من سوء الصياغة الأخلاقية والخلل في التربية، مرورا بالخلل في النفس والنقص في العقل، وانتهاء بالربط بين السلوك الإجرامي والأوضاع الاقتصادية السائدة.
 
ونادرا ما يكون السبب في ارتكاب الجريمة نتيجة لعامل واحد، لأن دوافع السلوك الإجرامي -غالبا- تكون مجموعة من العوامل التي تمثل عدة حلقات أو مراحل في التسلسل السببي، ثم ترتبط هذه العوامل بالسلوك الإجرامي بالرابطة السببية. ولو تأملنا في الظاهرة الإجرامية في أي مجتمع، سنجد أن المجرمين ولدوا على الفطرة مثل غيرهم من البشر الأسوياء، ثم أحاطت بهم مجموعة من العوامل الشعورية واللاشعورية تفاعلت مع بعضها حتى تمخضت عن عامل قد يكون واضح البيان، وقد يكون مجهولا يتجلى تأثيره في الجانب اللاشعوري للمجرم.
 
والمجرم المعني بالقانون هو الشخص الذي يرتكب فعلا مخالفا للقانون الجنائي ويُدان أمام القضاء عن ارتكابه لهذا الفعل بحكم بات، أي غير قابل لأي وجه من وجوه الطعن، ووفقا لقواعد القانون الجنائي فإن الشخص بريء حتى تثبت إدانته.
 
وتفيد بعض الدراسات بأن الأميين أكثر الناس ارتكابا للجريمة، لأن التعليم له أثر على الظاهرة الإجرامية من حيث أثره المانع للإجرام، ذلك أن التعليم يوسع مدارك الإنسان ويجعله أكثر قدرة على اختيار سلوكه، وتقديرا لعواقب تصرفاته، وميلا إلى الأساليب المشروعة في تحقيق أهدافه، واكتساب الخبرة التي تعينه على مواجهة مشاكل الحياة ووضع ما يناسبها من حلول، وهذه القدرة يفتقدها الشخص الأمي.
ومن حيث العوامل النفسية، تؤكد الدراسات أنه كلما ضعف ذكاء الشخص ضعف تحكّمه في حياته الغريزية وقلّ إدراكه لعواقب أفعاله، ولذلك فإنه يسعى بسهولة ويسر دونما كوابح تمنعه من الاندفاع وراء تحقيق شهواته لنداء غرائزه، فاستجابة لنداء غريزة التملك يرتكب جرائم الاعتداء على المال، واستجابة لنداء غريزة الجنس يتجه إلى ارتكاب جرائم الاعتداء على العرض، كما أن ضعيف العقل يعجز عن مواجهة الظروف الجديدة بمواقف مناسبة وتنقصه القدرة على التكيف معها.
 
- العوامل الاجتماعية
وفيما يتعلق بدور العوامل الاجتماعية في بروز ظاهرة الإجرام، يقول الدكتور محمد رمضان، في كتابه "مبادئ علم الإجرام"، إن الأسرة هي من أقوى العوامل البيئية تأثيرا في تكوين شخصية الإنسان وتوجيه سلوكه، ويعود ذلك إلى أن الأسرة تعتبر أول مجتمع يصادف الإنسان ويمارس فيه تجارب حياته الأولى، فالأسرة هي أول مجتمع تنفتح فيه عيناه، وتكون شخصيته في مراحل حياته الأولى قابلة للصقل والتشكيل، فيعرف معنى الصواب والخطأ، ويستمد منها خبراته وعاداته وتقاليده، ولذلك فإن للأسرة دورا كبيرا في التزام الفرد بالسير وفق القانون أو مخالفته، ويتوقف ذلك على كون الأسرة سوية أو غير سوية.
 
والأسرة السوية -وفق الدكتور محمد رمضان- هي التي تجتمع لها مقومات معينة أبرزها اجتماع الوالدين معا على رأسها واستقامتهما والتزامهما بأصول التربية السليمة، وأن تكون معتدلة الحجم ولها دخل اقتصادي يكفي احتياجاتها، فإذا كانت الأسرة سوية متماسكة تسودها علاقات الود والعطف والحنان ويتمتع أفرادها بصحة عضوية ونفسية جيدة، ويتحقق لها الدخل الكافي لعيشها حياة كريمة، فإن ذلك على الأرجح يدفع الأبناء إلى اتخاذ المسلك القويم، أما إذا كانت الأسرة مفككة متصدعة يسودها الخلاف والشجار أو كان أحد مؤسسيها يعاني من آثار مرض عضوي أو نفسي أو عقلي عضال، أو أن دخلها الاقتصادي غير كاف لسد احتياجاتها الضرورية، كان الغالب أن هذا الاختلال في كيان الأسرة يؤثر على الأبناء وقد يدفع بهم إلى الانحراف وسلوك طريق الجريمة.
- العوامل الاقتصادية
 
هناك دراسات في علم الإجرام تعطي العوامل الاقتصادية لتفشي الجريمة والعنف دورا محدودا، فهي ترى أن هذه العوامل هي مجرد عوامل مهيئة أو مساعدة للإجرام لا يكون لها من أثر في ارتكاب السلوك الإجرامي إلا إذا كان الفرد نفسه لديه استعداد إجرامي كامن، حيث يتفاعل هذا الاستعداد مع الظروف الاقتصادية ويرتكب الجريمة، ويستند هذا الرأي إلى أن كثيرا من الأشخاص يواجهون ظروفا اقتصادية سيئة ومع ذلك لا يُقدمون على ارتكاب جريمة، في حين أن بعض الموسرين لا يتورعون عن ارتكاب جرائم. ويبدو أن أنصار هذا الرأي متأثرون بالمدرسة الوضعية التي ترى في الجريمة أنها محض عوامل عضوية ونفسية.
لكن عددا كبيرا من الدراسات تولي العوامل الاقتصادية دورا كبيرا في تفشي العنف والجريمة، وترى أن ذلك حقيقة لا سبيل إلى إنكارها، وفهم هذه الظاهرة لا يمكن إذا أُسقِط هذا العامل من الحسبان، وهو ما يقتضي الاهتمام بمعالجة العوامل الاقتصادية الدافعة إلى الجريمة ومكافحتها.
 
وترجح كثير من الدراسات أن أصوب الآراء هو أن للعامل الاقتصادي أثره على ظاهرة الإجرام، ولكنه ليس بالعامل الوحيد الذي له أثره، وإنما توجد مجموعة عوامل أخرى تؤدي إلى ذلك، مثل الاستعداد الفطري وتأثير الأسرة والبيئة والمجتمع والمدرسة وغير ذلك، وهو ما يمكن معه القول إن تحسن الظروف الاقتصادية ليس من شأنه اختفاء ظاهرة الجريمة، كما أن سوء هذه الظروف ليس بالضرورة أن يدفع إلى ارتكاب الجريمة.
- نظرية دي توليو (الاستعداد الإجرامي)
عندما تجتمع عوامل عدة مهيئة لارتكاب الجريمة أو العنف، فلا يرتكب جميع الناس الجريمة، ولكن ترتكبها فئة محدودة جدا من الناس، وهي الفئة التي لديها الاستعداد لذلك، وهو ما تفسره نظرية دي توليو، أو نظرية "الاستعداد الإجرامي"، التي ترى أن الظروف الخارجية تكون بالنسبة للأشخاص الذين لديهم نزعة إجرامية بمنزلة عوامل كاشفة لنزعتهم الإجرامية التي ترتبط لديهم بتكوين خاص جسمي ونفسي يميزهم عن غيرهم من الأشخاص العاديين.
 
عمل صاحب النظرية، دي توليو، أستاذا لعلم طبائع المجرم بجامعة روما، وقد استعان في دراساته بعلم الطب التكويني وعلم النماذج الإنسانية، وانطلق في دراساته من نظريات التكوين العضوي السابقة التي تميز المجرمين عن غيرهم من الأشخاص الأسوياء، وتوصل إلى نظرية مؤداها أن سبب اتجاه الفرد إلى الإجرام يكمن في تكوين شخصية المجرم. وقد عبر عن هذه النظرية في كتاب نشره عام 1929 بعنوان "التكوين الإجرامي"، وعرض فكرته قائلا إن الاستعداد الموجود في تكوين بعض الأشخاص يمكن اعتباره جوهريا في اتجاههم إلى السلوك الإجرامي.
 
وكما للإنسان تكوين نفسي وتكوين عقلي وتكوين عصبي بل وتكوين يجعله قابلا للإصابة بأمراض معينة كالسل والتهابات المسالك البولية وغيرها، فإنه له أيضا تكوين إجرامي، وهذا التكوين الإجرامي هو نفسه الشخصية الإجرامية، ومن يرتكب الجريمة إنما يرتكبها بسبب التكوين الخاص لشخصيته، فهذه الشخصية لها صفات عضوية ونفسية خاصة قد تكون وراثية أو مكتسبة تميز صاحبها عن غيره من الناس الأسوياء وتدفعه إلى السلوك الإجرامي، وهو ما يتطلب دراسة هذه الشخصية بجميع جوانبها العضوية والنفسية وتاريخ حياتها والعوامل الاجتماعية المحيطة بها للوقوف على ذلك.
 
ويرى دي توليو أن الجريمة حصيلة تفاعل بين هذا التكوين أو الاستعداد الإجرامي الداخلي وبين مؤثرات بيئية اجتماعية، حيث تثور الدوافع الغريزية الفردية وتتغلب النزعات الأنانية الشريرة بالنظر لعدم قدرة القوة الرادعة المستمدة من البيئة والقيم الاجتماعية للسيطرة عليها، وهو بذلك يرى أن التكوين الإجرامي لا يوجد لدى جميع الأشخاص، بدليل أن العوامل الاجتماعية التي تثير النزعة إلى الإجرام لا تُحدِث نفس الأثر بالنسبة لجميع الأفراد الذين يخضعون لتأثيرها، وإنما يخضع لتأثيرها بعض الأفراد دون البعض الآخر، إذ إنها لا تُحدِث نفس الأثر بالنسبة للأشخاص العاديين.
المادة أعدها الصحفي عبدالسلام قائد 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء