السبت, 04 يونيو, 2022 11:14:00 مساءً

اليمني الجديد - منذر علي

منذ البداية كان التدخل السعودي والخليجي والإيراني في اليمن استثمارًا ماهرًا وماكرًا لغباء القِوَى السياسية اليمنية، ولا سِيَّما لحماقة أنصار الله (جماعة الحوثي)، والسلطة الشرعية، وأتباعها، ومعارضيها. وقد كانتِ الحرب هي الذروة التي بلغها التدخل الخارجي في الشأن اليمني.
وعلى الرغم من أنَّ التدخل الخارجي، بشقيه السياسي والعسكري، تلحَّفَ بالبراءة والرغبة المُعلنة في مساعدة اليمنيين، إلاَّ أنّ الهدف الحقيقي من التدخل كان وما زال هو إخضاع اليمن والتحكم به من الخارج. 
 
لقد أنطلت الخدعة على اليمنيين، وبالنتيجة غدتِ الأوضاع السياسية، المتصلة بالحرب والسلام والاستقرار في اليمن، تُقرر خارج اليمن، وبما يتوافق مع مصالح القِوَى الإقليمية والدولية. وضمن هذا السياق يجب النظر إلى الهدنة الأولى والثانية التي تم إقرارهما في عمان.
هل تختلف الهدنة الثانية عن الهدنة الأولى؟ الجواب لا. الهدنة الثانية مثل الهدنة الأولى، تشبهها في مضمونها ومداها.  الهدنة الثانية مثل الأولى، ليست غايتها فتح الطرقات، وإنْ كان ذلك ضمن برنامجها الدعائي المُعلن. 
 
والهدنة الثانية، كالأولى، ليست غايتها السلام، ولكنها نوع من المناورة السياسية لتحقيق أهداف الحرب بوسائل مختلفة، أي بوسائل هادئة!
هناك بالطبع من سيعترض بأن الهدنة ليست مناورة كما تزعم، ولكنها تعبير عن صحوة ضمير المجتمع الدُّوَليّ. 
لنتجنب التسرع، ودعونا نتساءل: ترى ما الذي ستربحه السُّعُودية والإمارات وأمريكا والمجتمع الدُّوَليّ من فتح الطريق بين منطقتين في تعز أو غيرها من المدن والقرى اليمنية؟  والجواب لا شيء. 
مع الأسف مازال هناك من يُصدِّق أنَّ العالم الغربي تُحرِّكه القيم الإنسانية النبيلة، وليست المصالح الاقتصادية والسياسية. وهناك، من أبناء جلدتنا، من يعتقد، وإنْ بدرجة أقل، بنوايا السُّعُودية وحلفائها، ويرفعون صور الزعماء الخليجيين، ويشيدون بفضائل "سلمان الخير وزايد الخير" في بعض المدن اليمنية والغربية. 
 
بالطبع، هناك أناسٌ خيِّرون في العالم، يدافعون عن الحق ويناضلون من أجل القيم الإنسانية، وهؤلاء، مع الأسف، هامشيون وتأثيرهم محدود، ولكن العالم الرأسمالي المُهيْمِن سياسيًا واقتصاديًا لا يتصرف، بالأساس، وفقًا لما تمليه قيم الحق والعدل والسلام. العالم الرأسمالي المُهَيْمِن تحركه مصالحه، يكفي أن ننظر إلى ما يجري في فلسطين وغيرها من المناطق الملتهبة في العالم. 
السُّعُودية والإمارات تقتلان الشعب اليمني، ثم تقدمان سلال غذائية للموتى وتدعوان للسلام. أمريكا وبريطانيا تبيعان السلاح لقوى الحرب وتتوسطان لوقف الحرب. الأمر مضحك، أليس كذلك؟ ولو كانت القيم الإنسانية هي التي تحرك العالم لما كانت هناك حروب ظالمة مناهضة للإنسانية، وحروب عادلة مناصرة للإنسانية في العالم.
 
إذن، لماذا نجحت الهدنة في فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، وأخفقت في فتح الطرقات داخل بعض المدن وبين المدن اليمنية؟ والجواب هو أنَّ فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، كان ثمنه وقف قصف أنصار الله للسعودية وأبو ظبي والمصالح الغربية في هاتين الدولتين. وبذلك فانَّ الدول الخليجية وحلفاءها، الضالعة في قتل اليمنيين ضمنت سلامة مواقعها العسكرية ومطاراتها وموانئها ومؤسساتها الاقتصادية وأمَّنَتْ سلامة حلفائها الأوفياء في عدن، أما تعز ومأرب والحديدة والبيضاء فهي ليست ضمن المصالح السُّعُودية والإماراتية والأمريكية والبريطانية ما دامت تقع خارج سيطرتهم المباشرة في الظرف الراهن. وعلى هذا فأنَّ الأوضاع البائسة في هذه المُدن لا تشغل بال التحالف العربي والغربي كثيرًا على الرغم من الضجة المدوية بشأن عدم فتح الطرقات ومخالفة أنصار الله للاتفاقيات وغير ذلك من الثرثرة الإعلامية الغبية. 
 
الأغلبية الساحقة من المواطنين في المحافظات اليمنية الشِّمالية يدركون، بعد التجربة المريرة التي مروا بها، أنَّ دول التحالف معنية بمصالحها وليست بمصالحهم، والأغلبية الساحقة من المواطنين في المحافظات اليمنية الجنوبية، يدركون، بعد تجرِبة قاسية، بأنهم خُدعوا، وأنَّ الغايات الحقيقية لقوى التحالف هي السيطرة وليس إنقاذهم من البؤس والشقاء ومكر السياسيين التافهين المتاجرين بموتهم.  كما أنَّ أنصار الله يعلمون أنَّ الأمريكيين والبريطانيين والغربيين بصفة عامة لا يولون بالاً للناس في المدن اليمنية المحاصرة سواء في مأرب أو في تعز، أو البيضاء، أو المناطق الوسطى، أو المناطق اليمنية الجنوبية المحتلة، وبذلك، فانَّهم وخلفهم إيران، يلعبون، بمهارة، وفقًا لهذه المعطيات السياسية المعقدة. 
لذلك يمكننا القول بثقة أنَّ الهدنة التي تمت في عُمان، كانت بضغط أمريكي، وكان هدفها بالأساس، حماية حلفاء أمريكا ومصالحها في المنطقة، وضمان تطبيع الأوضاع في المناطق الواقعة تحت النفوذ السعودي والإماراتي في عدن وميون وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، لتمكين المجلس الرئاسي من تعزيز مكانته السياسية وأداء الدور المنوط به.
 
 هذه هي الأهداف الحقيقية للهدنة، وليست من أهداف الهدنة تسهيل حركة اليمنيين داخل مدنهم وبين مدنهم، وخلق ظروف مواتية تفضي إلى هدنة شاملة وسلام دائم في اليمن.
لقد جاءت الهدنة، بعد ثماني سنوات من الحرب وبعد أنّ فشلت الحرب في تحقيق كل أهداف التحالف العدواني، الرَجعي الإمبريالي على اليمن، و لذلك فالهدنة ليست مؤشرًا  على السعي صوب  السلام، ولكنها تكتيك مختلف، أو بتعبير أو ضح  وجه  آخر من الحرب،  العسكرية والسياسية، غايتها  حلق ظروف جديدة تفضي إلى بسط سيطرة  التحالف على المناطق اليمنية  الجنوبية، مقابل سيطرة أنصار الله وإيران على المناطق الشِّمالية، وتأجيل المناطق المُتنازع عليها في الشمال، مثل تعز ومأرب والساحل الغربي، وانتظار ما يمكن أنْ تسفر عنه المفاوضات الإيرانية  الأمريكية من نتائج، وما يمكن أن يترتب على التوترات القائمة بين الدولة الإيرانية   والدولة الإسرائيلية، وما يمكن أن يترتب على الحرب الأوكرانية الأطلسية و الروسية  من أوضاع عالمية جديدة، تفضي إلى تعدد الأقطاب وإلى إعادة تقسيم العالم. 
 
السلام يجب أن يتحقق في اليمن، لكن في ظل هذه الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية المتشابكة والمعقدة، يجب على اليمنيين ألّا يأملوا بنيل السلام  من أعداء السلام، وعليهم أن ينتزعوا السلام، و عليهم  ألّا ينتظروا ما يمكن أن تسفر عنه الأوضاع خارج وطنهم، وعليهم أن يتحرروا من التبعية والاتكالية على الخارج، ويوحدوا طاقاتهم الوطنية، بعيدًا عن النزعات الطائفية والجهوية والقبلية القاتلة، ويستعيدوا قرراهم السياسي لكي يستعيدوا وطنهم ويتمكنوا من إقامة هدنة دائمة بين المكونات الوطنية، تتيح لهم الحِوار وإصلاح ذات البين، وتحقيق السلام، والعدالة، والتقدم.
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء