الثلاثاء, 10 مايو, 2022 12:48:00 صباحاً

اليمني الجديد - نيكولاي سوروكوف / ترجمة يوسف مرعي
أدت الأزمة الأوكرانية إلى توترات جديدة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد فشلت الأخيرة حتى الآن في دفع الرياض إلى زيادة الإنتاج من أجل إخراج النفط الروسي من السوق، كما تسببت الموجة الجديدة من الانتقادات في رد فعلٍ حادٍ من المملكة العربية السعودية، وبدأ المراقبون يتحدثون عن مشاكلٍ خطيرةٍ في العلاقات السعودية الأمريكية  ومع ذلك إلا أن حقيقة الأمر تتضح لمن  يتابعون الأحداث لفترة طويلة؛ سيجدون أن الأحداث الجارية ليست  إلا  جزءاً  من عمليةٍ طويلةٍ  استمرتْ لأكثر من عقدٍ من الزمان.

كانت الشراكة السعودية الأمريكية في البداية تقوم على عنصرين أساسيين وهما  النفط والأمن ،وبشكل أكثر وضوحاً وبثنائية المنفعة والمقابل نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية قدمت للسعودية ضمانات أمنية  و بالمقابل حصلت على سيطرةٍ  فعليةٍ على النفط وقد  كان هذا مفيداً  لكلا الطرفين  ،و خلال الحرب الباردة استطاعت الولايات المتحددة استخدام سلاح النفط  ضد الاتحاد السوفيتي؛ مما أدى إلى انخفاض الأسعار وبالمقابل بدورها  المملكة العربية السعودية أنفقت الأموال على تطوير قواتها المسلحة، واستثمرت في تطوير اقتصادها، بالإضافة إلى ذلك  أظهرت أزمة الكويت في 1990-1991 ، أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت مستعدة لإرسال وحدة قوية من القوات المدربة والمجهزة تجهيزًا جيدًا لمساعدة المملكة العربية السعودية  ،وفي  كلِ ما سبق لا يعني أن العلاقات السعودية الأمريكية كانت وردية دائماً  فقد ظهرت أسباب الاحتكاك من قبل بشكل واضح  على سبيل المثال  في عام 1973 ، شاركت المملكة العربية السعودية في الحظر النفطي الذي فرضه العرب على الدول التي ساعدت إسرائيل في أواخر السبعينيات من القرن الماضي ،وعلى الرغم من ضغوط واشنطن  إلا أن الرياض انضمت إلى المقاطعة العربية لجمهورية مصر العربية  التي أبرمت سلامًا منفصلاً مع إسرائيل  ، وأخيرًا  في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين  وخاصةً بعد غزو العراق عام 2003  بدأ ممثلو المملكة العربية السعودية  في التعبير بشكل متزايد عن فكرة زعزعة استقرار المنطقة من قبل السياسة الأمريكية ، في تلك الأثناء   كانت المشاعر المعادية للسعودية تختمر في الولايات المتحدة نفسها: فكان هناك من يذكر أن العديد من السعوديين كانوا من بين الإرهابيين في  هجمات 11 سبتمبر 2001 ، وشخصٌ ما يتحدث عن الفساد وانتهاك حقوق المرأة في المملكة العربية السعودية .

 وبالنظر إلى الأحداث نظرة ً دلالية أعمق لقد كان للحروبِ المطولةِ والعقيمةِ في العراق وأفغانستان تأثيرٌ كبيرٌ على الرأي العام والمؤسسة السياسية الأمريكية ، وتزامن كلُ هذا مع التحول الناشئ في مجال الطاقة  ومكافحة تغيرات المناخ  والدعوات لإزالة الكربون من اقتصادات البلدان المتقدمة  ، وبعد الأزمة المالية العالمية في فترة ( 2007-2009 ) تقريبًا بدأت الولايات المتحدة تفقد اهتمامها تدريجياً بالنفط العربي والشرق الأوسط ككل ونتيجة ًلهذا حدد باراك أوباما مساراً للانسحاب من العراق وأفغانستان ، وبالتوازي مع ذلك  بدأ مفاوضات مع إيران وأبرمَ معها اتفاقًا نوويًا - سمي بخطة العمل الشاملة المشتركة  وقد انسحب دونالد ترامب  من خطة العمل الشاملة المشتركة  لكنه واصل بشكل عام سياسة تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط ، أما  في عهد  بايدن  فقد  برز جدول أعمال المناخ في المقدمة  وأصبح من الواضح أن عصر النفط  قد انتهى  وعلى الرغم من أن الانتقال إلى مصادر طاقة جديدة سيستغرق عدة عقود أخرى  فإن الاعتماد على الهيدروكربونات سينخفض تدريجياً ، و في الوقت نفسه  عادت واشنطن إلى الحوار مع طهران   الذي اعتبرته الرياض خيانة تقريبًا من قبل حليف حصل على مبالغ كبيرة في شكل عقود أسلحة للحماية  وبالتالي  فإن الاتجاه طويل الامد بات واضحاً في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية  ، فالولايات المتحدة تقلص نشاطها  في الشرق الأوسط  للانخفاض المتزايد  في أهميته الاقتصادية والجيوسياسية لديها  ؛ لذلك  أوصى العرب بإصرار بالاتفاق مع إيران على تقسيم مناطق النفوذ وإنشاء كتلة عسكرية إقليمية لضمان الأمن  وهذا الذي حدث بالفعل - وإن كان بشكل غير رسمي -  ويشمل ما يسمى بـ "محور الاعتدال" المملكة العربية السعودية ،الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل ، كما بذلت المملكة العربية السعودية  محاولات للتفاوض مع إيران لكنها لم تسفر بعد عن أي نتائج محددة وعطفاً على ما سبق يمكننا القول أن الاتجاهات طويلة المدى في العلاقات السعودية الأمريكية  واضحةٌ بشكلٍ عام، فسيظل السؤال مطروحًا حول التوترات السعودية الأمريكية الحالية ،و يمكن الافتراض أن سياسة المملكة العربية السعودية تتأثرُ حالياً -إلى حدٍ كبيرٍ- بالاستياء الشخصي  إن لم يكن الاستياء من الحاكم الفعلي للبلاد  ولي العهد ووزير الدفاع  الأمير محمد بن سلمان فهو  منذُ  وصوله إلى السلطة  بذل  جهودًا كبيرةً لخلق صورة مُصلح ترقى إلى درجة ليبرالي  في (الواقع السعودي) ؛ ومع ذلك فإن بايدن لم يبدي الرغبة  في استقباله في البيت الأبيض ؛ وبالنسبة لشخص شاب نسبيًا ، قوي الإرادة  ، طموح  ونشأ في التقاليد القبلية فإن هذه ضربة حساسة للفخر ، و بالإضافة إلى الدوافع الشخصية (الذاتية) لعدم الرضا  هناك أيضًا دوافع موضوعية تمامًا وهي :-
 أولاً : إن القيادة السعودية غاضبة من الانتقادات الأمريكية للحرب في اليمن.

ثانيًا : لا يمكن للسعودية أن تستسلم للمطالب الأمريكية بمزيد من إنتاج النفط لتحل محل روسيا ؛ لأن هذا سيؤدي إلى انهيار السوق ، ويحتاج  ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى أموال لتنفيذ برنامج رؤية 2030 الطموح والمكلف للغاية لتحديث الاقتصاد والمجتمع السعودي .
واستجابةً للضغط الأمريكي  - كردة فعل -  يختبر السعوديون المياه لمحاولة تنويع مجموعة الضامنين الأمنيين من خلال تطوير التعاون مع روسيا والصين ومن هنا تنشأ الصعوبات  فمن جهة نجد أن  موسكو وبكين على استعداد للتعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة ، ومن جهة أخرى  ولأسباب مختلفة فإنهما غير مستعدين بعد لتولي الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة ؛ وبالتالي  في الوقت الحاضر  ليس لدى المملكة العربية السعودية بديل استراتيجي  كما أن واشنطن - على ما يبدو - تتفهم  ذلك  ولا تبدي  الكثير من القلق بشأن المناورات السعودية مؤخراً .
 لا تملك المملكة العربية السعودية الفرصة لاستخدام الورقة النفطية الرابحة وفي المقابل  تتفاوض الولايات المتحدة الامريكية  علنًا مع موردين بديلين - إيران وفنزويلا -  مما يدل على أن أمن الطاقة والقدرة على ممارسة الضغط على روسيا أكثر أهمية بالنسبة لها من مصالح المملكة العربية السعودية وجيرانها في شبه الجزيرة العربية ،و في الوضع الحالي  يقول الممثلون للمؤسسة السعودية ويكتبون أن الولايات المتحدة تقوم بحملة دعائية واسعة النطاق لتشويه صورة المملكة العربية السعودية في نظر الجمهور الأمريكي والمجتمع الدولي  وعلاوة على ذلك  فإن هذه الحملة طويلة الأمد ، وقد بدأتْ في عهد الرئيس أوباما وهناك عدة اتهامات رئيسية منها انتقاد السياسة الداخلية لمحمد بن سلمان ودعم المملكة للأصوليين الإسلاميين إلا أن  الرياض  تصر على أنه مع وصول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى السلطة ؛ تغير الوضع في المملكة بشكل كبير ، فتمت السيطرة على جميع المؤسسات الخيرية الإسلامية وتم إيقاف التوزيع العشوائي للمال وبدأت معركة مكافحة الفساد  وهناك تحرير غير مسبوق للحياة العامة كما أن النساء حصلنّ على حقوق غير مسبوقة وهكذا ، وبالتالي  يبدو أن المزاعم الأمريكية لا يمكن الدفاع عنها  إلا أن  موقف إدارة  بايدن لم يتغير و يرتبط عدم الرضا في سياسة بايدن - بشكل خاص- بانتقاد سياسة الرياض تجاه اليمن  بينما تعتقد المملكة العربية السعودية أن الولايات المتحدة ببساطة لا تلاحظ الجهود السعودية لحل هذا الصراع ، كما أنها لا تسمح للمملكة بحماية أمنها من التعديات الإيرانية وبحسب ممثلي المؤسسة السعودية  فإن جماعة أنصار الله (الحوثيين)  التي تحاربها المملكة  ترفض كل مبادرات السلام التي تطرحها الرياض وتتجاهل جهود الأمم المتحدة ومع ذلك نجد أن  في الولايات المتحدة الأمريكية  يتم تقديم كل ما يحدث بطريقة مختلفة تمامًا حسبما يوكده المتحدثون السعوديون.

وفيما يتعلق بالنفط ، يعترض السعوديون بشكل معقول تماماً على أن الزيادة الحادة في الإنتاج وزيادة العرض لا يصب في مصلحة المملكة العربية السعودية على المدى الطويل  كما أن نجاح المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران  سيجعلها الأخيرة تحصل على أموال لتنفيذ برامجها النووية والصاروخية  وكذلك لمواصلة توسعها الإقليمي و سيكون في الزيادة الحادة لإنتاج النفط   زعزعةً لاستقرار الأسواق العالمية ، وسيتعطل عمل الأشكال الرئيسية للتعاون بين مصدري النفط  أوبك وأوبك+ (التي تشمل روسيا ) ، وكل هذا من شأنه أن يثير التساؤلات حول خطط تحديث المملكة العربية السعودية  وربما يشكل تهديداً على الأسرة الحاكمة ، و على نحو متزايد في وسائل الإعلام السعودية  يمكن للمرء أن يرى الرأي القائل بأن وراء الهجمات على المملكة العربية السعودية هي الولايات المتحدة والنخبة السياسية الليبرالية اليسارية الجديدة  ؛ التي جعلت السياسة الخارجية الأمريكية أيديولوجية للغاية على حساب المصالح الاستراتيجية و يتم تنفيذ العمل لتقويض الشراكة الأمريكية السعودية ليس فقط في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية ، ولكن حتى في الكونجرس  ومع ذلك ، لا يزال من الممكن إنقاذ الموقف إذا تم اتخاذ عدد من الإجراءات الصارمة.

في الرياض أوضحوا أنهم مستعدون لمناقشة المشاكل التي نشأت بشكل مباشر ، لكنهم يريدون أولاً أن تعود واشنطن إلى سياسة عقلانية تقوم على احترام السيادة الوطنية. وتجدر الإشارة إلى أن كلمة "احترام" تُستخدم أكثر فأكثر في الخطاب السعودي فيما يتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة كرسالة وفي جميع البيانات هي شيء من هذا القبيل :لقد بُنيت الصداقة والشراكة بين البلدين على الاحترام ، فمن خلال تدخل  الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية ، فإن الامريكيين لا يظهرون عدم الاحترام فحسب ، بل يلقون في الواقع بظلال من الشك على شرعية النظام الحاكم في المملكة العربية السعودية وهذه الأخيرة خطيرة للغاية ؛لأن المملكة العربية السعودية  رغم قوتها الظاهرة إلا أنها تواجه العديد من التهديدات الخارجية والداخلية لاستقرارها  فالاحترام الواجب ،سيؤكده تقليص حملة العلاقات العامة المناهضة للسعودية وسيكون من الممكن مناقشة إعادة ضبط العلاقات (السعودية – الأمريكية) ويجب أن يكون المحتوى الرئيسي لإعادة الضبط هو إبرام اتفاقيات رسمية وملزمة بشأن التعاون في جميع المجالات الرئيسية : العسكرية والسياسية والاقتصادية وهذا تحول كبير في تفكير السياسة الخارجية السعودية ؛ فإذا أظهرت الرياض استقلالها قبل ذلك واعتمدت على اتفاقيات مرنة وغير رسمية مع واشنطن  فهي الآن مستعدة للتخلي عن هذه السياسة وتريد المملكة العربية السعودية ارتباطًا وثيقًا بالتزامات محددة بوضوح للأطراف وبشكل أكثر وضوحاً  اتفاقية مماثلة لتلك التي أبرمتها الولايات المتحدة مع دول الناتو ، ومع اليابان وكوريا الجنوبية وهذا النهج يعكس فهماً رصيناً وواقعيًا للوضع الحالي من قبل المؤسسة السعودية  فالرياض  تدرك أن العالم يتغير ولا توجد بدائل استراتيجية للشراكة مع الولايات المتحدة حتى الآن  تمامًا ، كما لا توجد وسائل ضغط على واشنطن  لذلك  فهم مستعدون للتعاون مقابل عدم التدخل في الشؤون الداخلية وضمانات أمنية محددة بوضوح و يجب أن تأخذ روسيا ذلك في الاعتبار  نظرًا لأن "بطاقة النفط" لا تزال مطروحة على الطاولة وفي المنشورات السعودية يمكن للمرء أن يجد تلميحات شفافة تمامًا أنه في مقابل الموقف "العقلاني" للولايات المتحدة ، يمكن للرياض دعم واشنطن في المواجهة مع موسكو.
 





قضايا وآراء
مأرب