الأحد, 24 أبريل, 2022 11:52:00 مساءً

اليمني الجديد - عبدالناصر المودع
 عبدالناصر المودع
خلال الحكم الشمولي للجبهة القومية/الحزب الاشتراكي للجنوب مارس ذلك النظام أشد أنواع القمع والإذلال. فتم القتل بأبشع الوسائل، كالسحل في الشوارع، وتم زج الناس في السجون لمجرد الشك بعدم الإخلاص والولاء لذلك النظام القمعي. وأجبر الناس على أن يعبروا عن تأييدهم لأفكار وسلوكيات النظام مهما كانت سخيفة كالتظاهر من أجل تخفيض الراتب.
 
وكان أحد مظاهر الاستبداد والإذلال منع النساء من ارتداء النقاب أو غطاء الرأس، وخاصة في المدن الكبيرة، ووصل الحال في أيام الهستيريا "الثورية" أن وضعت محارق في الشوارع لحرق "الشيادر" (جمع شادور باللغة الفارسية) حيث كانت "الرفيقات" يقمن بسحبه من فوق النساء ويحرقنه أمامهن، ومن ثم إجبارهن العودة إلى منازلهن كاشفات الشعر وأجزاء من الجسم. وتلك الممارسات كانت قمة المهانة في مجتمع محافظ.
 
ومع ذلك؛ لم يكن بمقدور أي شخص أن يعارض تلك القرارات المهينة وغيرها، فكل من كان يبدي أي شكل من المعارضة كان مصيره العقاب والتنكيل، والذي قد يصل حد القتل. ويحمل من عاش في تلك المرحلة الكثير من القصص المرعبة لكل من فكر بمعارضة ذلك النظام، أو لم يبد التأييد الكافي له.
 
ولهذا لم يشهد الجنوب خلال الحكم الشمولي إي حركات احتجاج أو تمرد فردية أو جماعية، حيث خضع الجميع لسلطة النظام المتوحش وتماهى البعض معه.
 
ونتيجة للقمع والإذلال وسياسة الإفقار الجماعي الذي مارسه النظام الشمولي في الجنوب فر معظم الذكور من الدولة التي حولها إلى سجن كبير؛ ففي عشية الوحدة كان أكثر من 60% ممن هم أكبر من 18 عاما قد نفذوا بجلودهم من الجنوب. وكان الشمال هو المكان الذي فرو إليه للاستقرار أو الحصول على جواز سفر شمالي والذهاب لدول أخرى.
 
وخلال تلك الفترة لم أسمع شمالي "يعاير" هؤلاء بأنهم فروا من الجنوب وتركوا نسائهم لرجال الحزب، وما حدث أن أبناء الشمال قاموا بواجبهم واحتضنوا اخوانهم الجنوبيين وتعاطفوا معهم، وهو ما ينبغي أن يقوم به البشر تجاه بعضهم البعض. فهروب الرجال من الجنوب أو خضوعهم للنظام الشمولي لا يعد فعل معيب أو جبن وتخاذل فلو كنت أنا في ذلك الوضع لتصرفت كما تصرفوا. فليس من الشجاعة أو الحكمة أو الفائدة مقاومة نظام قمعي لا يردعه قانون أو قيم، كالنظام الشمولي في الجنوب أو منظومة القمع الحوثية.
 
والهروب من قمع واستبداد هكذا نظم، مارسه الأنبياء، كموسى ومحمد، والمفكرين والعلماء كفرويد وإينشتاين وغيرهم، وقادة سياسيين كبار مثل ديجول ولينين وتروتسكي وآلاف غيرهم.
وبعد حرب 94 فر قادة الانفصال والكثير من العسكريين بما فيهم عيدروس الزبيدي إلى خارج اليمن، ولم يقال لهم بأنهم هربوا وتركوا غرف نومهم لقوات الشرعية، فذلك الفرار ليس بدعة أو عار كما هي الهزيمة، فالنصر والهزيمة سمة عامة لكل الجماعات؛ فليس هناك جماعة لا تعرف الهزيمة، كما أن الفرار بعد الهزيمة سلوك طبيعي شمل كل المهزومين في الحروب من كل الأجناس والأديان والمذاهب.
 
ومن بعد أن سيطرت القوات الإماراتية على عدن ضمن صفقة عقدتها مع أحمد علي عبدالله صالح المتواجد في أراضيها، والذي تم بموجبها سحب قوات الحرس الجمهوري من عدن ومعظم مناطق الجنوب؛ ادعى الانفصاليون بأن تلك الصفقة كانت عبارة عن نصر عظيم قاموا به، ولم يكتفوا بذلك الأمر بل ارفقوها بعملية تحقير وشتم للشماليين الذين لم يقوموا بما أدعوا أنهم قاموا به. وكانت العبارة التي لاكوها ولا زالوا هي (حرروا غرف نومكم). وأصبحت هذه العبارة الوقحة تردد من جاهلهم وعالمهم، وصغيرهم وكبيرهم دون حياء أو خجل، ولم يستنكرها أحد من عقالهم، إن صح بأن لديهم عقال، ولم يقتصر الأمر على الانفصاليين في ترديد هذه السفاهة؛ فقد راح سفها بعض الدول الداعمة لهم يرددونها أيضاً.
 
هذه العبارة القبيحة كانت إضافة إلى قاموس الشتم والتحقير الذي يحفل به الخطاب الانفصالي منذ انطلاقه قبل حرب 94، فمنذ ذلك التاريخ يتم وصف الشماليين بأنهم متخلفين ولصوص وغدارين وفاسدين وغيرها من الصفات العنصرية الفجة، التي لا يتورع أن يطلقها الانفصاليون على الشماليين.
 
والأمر الملفت أن هذا الخطاب العنصري القمي لم يثر ردات فعل غاضبة من قبل النخب الفكرية والسياسية اليمنية، ويرجع السبب في ذلك إلى تبني الكثير من "المثقفين" اليساريين، للمشروع الانفصالي، ومن ثم فهم متوافقين مع محتوى هذا الخطاب أو متساهلين معه في أحسن الأحوال.
 
أن من المفروض التصدي لخطاب الانفصاليين العنصري لخطورته وقبحه، وفي أسوأ الأحوال يتطلب من الدارسين إخضاعه للتحليل والدراسة كي يتم فهمه والتعامل معه؛ فترك هذا الخطاب دون نقد أو مواجهة يجعله يتفاقم ويصل حد تحوله إلى عقيدة جامدة لدى الانفصاليين أو العوام من أبناء المحافظات الجنوبية، فالاستمرار في ترديد الأفكار الخاطئة تتحول إلى أفكار دوغمائية لدى معتنقيها.
 
يؤكد علم النفس الاجتماعي أن مصدر السلوك والفكر العنصري، للأفراد أو الجماعات، ناتج عن مشاعر الخوف من الآخر. كما أنه سلوك تعويضي في الغالب ناتج من نفسيات مريضة تحس في داخلها بدونية شديدة تجاه الأخر. وتعوض ذلك الإحساس بتبني خطاب استعلائي، تجاه الطرف الذي تشعر بالخوف منه. وهو ما يمنحها إحساس زائف بالتفوق والأمان.
 
كما أن الفكر، والسلوك العنصري، وسيلة للتحشيد، والاصطفاف. فعبر العنصرية يتم استحضار غريزة التعصب للأنا الجمعية، وتحويل مشاعر الإحباط إلى طاقة عنف فعلية أو لفظية للأخر، مصدر التهديد الفعلي أو المتخيل.
وكلما كان الإحساس بالخوف والدونية كبيرا كلما ارتفعت نبرة الخطاب والممارسة العنصرية.
 
العنصرية مرض وسلوك إجرامي أيضا، ولهذا نجد أن من الصعب الحوار والنقاش العقلاني مع العنصريين. لأنهم ممتلئين بنرجسية عالية ترفض النقاش والإصغاء للعقل والمنطق. فالنرجسية الجمعية تخلق سلوك عدواني جامح يستسهل العنف الفعلي أو اللفظي ضد الآخر، بل أنه يعتبره حق، ويبرره بأنه رد اعتبار لمظلومية غالباً ما تكون مختلقة أو مبالغ فيها.
 
فالمظلومية الجنوبية، هي في الغالب، قصة مختلقة أو تم تضخيمها من بقايا النظام الدموي الذي ذاق أهلنا في المحافظات الجنوبية أعتى صنوف الذل والمهانة والفقر. والحقيقة الذي تم طمسها هي أن سكان المحافظات الجنوبية لم يتنفسوا حرية ولم يخرجوا من العزلة والفقر إلا بعد الوحدة وتحديدا بعد استئصال النظام الدموي للحزب الاشتراكي في حرب 94، والذي هو أفضل عمل قام به علي عبدالله صالح في تاريخه. فلولا ذلك؛ لاستمرت معاناة أهلنا في المحافظات الجنوبية من ذلك النظام المتوحش.
 
أن التصدي للفكر والسلوك العنصري لا يعني الدخول مع العنصريين في مهاترات عنصرية مماثلة، من قبيل معايرتهم بما يعايروا به خصومهم، أو خلق فكر وسلوك استعلائي مقابل. فهذه الوسائل صيغة للانتحار الجماعي كما حدث بين الجماعات التي تحاربت خلال التاريخ، كان آخرها ما حدث في رواندا.
 
وأفضل وسائل إضعاف العنصرية وهزيمتها تتم عبر رفضها واحتقارها من قبل النخب الفكرية وبالذات مثقفي الطرف العنصري. وضخ جرعات عالية من التثقيف والتأهيل الفكري، المترافق مع ردع مادي يطال القادة السياسيين والفكريين للجماعات العنصرية. أما التساهل مع الفكر والسلوك العنصري فإنه يخلق كائنات مدمرة في حال أصبحت قادرة على ممارسة العنف كما فعل النازيون.





قضايا وآراء
مأرب