السبت, 19 فبراير, 2022 07:01:00 مساءً

اليمني الجديد - د. ألفت الدبعي

الدكتورة الفت الدبعي 
استاذه علم الاجتماع جامعة تعز.
عضو فريق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في مؤتمر الحوار الوطني.
مقدمة 
 مثلت ثورة ال11من فبراير في 2011م اعظم عمل سلمي قاده الشباب والتحقت به كافة مكونات وشرائح المجتمع في مشهد حشد جماهيري كبير ومتنوع يحدث لأول مرة في تاريخ اليمن وبتلك الصورة الفريدة التي اجبرت حتى  القبيلة اليمنية بترك سلاحها قبل الدخول للساحات احتراما لسلميتها ومدنيتها وهو الأمر الذي عكس من جانب أخر حجم وكثافة الرفض لنمط الاستبداد الذي ـهان كرامة اليمنين وأجبرهم على الالتحاق بركب الثوار. 
 
في خضم هذا الزخم كانت ترفع آنذاك العديد من الشعارات والأهداف المتنوعة في مختلف الساحات الممتدة في مختلف محافظات اليمن، وبالرغم من تنوعها وتعددها إلا أنها تكاد تختزل جميعا في مجموعة من الأهداف تمثلت بمطالب إسقاط النظام وإنهاء الحكم الاستبدادي للفرد وضرورة قيام دولة مدنية حديثة لا مركزية الحكم فيها ومكافحة الفساد واستقلالية القضاء، وضمان جيش وطني وتعليم عالي الجودة. 
 
وضمن هذه المطالب رفعت القضية الجنوبية واسترداد الأموال المنهوبة وكافة المظالم التي تسببت بها سياسات النظام الفاسدة وخاصة السياسات القمعية التي تم بها مواجهة التظاهرات السلمية التي خرج بها شباب الثورة، وضمن هذا السياق برز مفهوم العدالة الانتقالية، وارتبط أول حضور للمفهوم في المشهد اليمني بالثورة الشبابية الشعبية والمطالبة بها عبر ساحات الحرية والتغيير. 
ثم ضمنت المبادرة الخليجية الموقعة في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 على آلية تستجيب للمطالب الشعبية بتضمين العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في ترتيبات عملية انتقال السلطة لتدخل اليمن بذلك لأول مرة في تاريخها الحديث نطاق الدول التي عرفت العدالة الانتقالية.
#أولا: - مفهوم العدالة الانتقالية 
 
يعد مفهوم العدالة الانتقالية من المفاهيم الحديثة التي تم التعاطي معها منذ سبعينيات القرن العشرين كنهج يضمن المصالحة ويعالج جذور الصراع والإرث السلطوي، وهي إجراءات انتقالية وتدابير خاصة بالمراحل الانتقالية وخاصة  ما بعد الصراعات والحروب وما خلفته من انتهاكات حقوق الإنسان؛ بهدف الانتصاف للمظلومين وعدم الإفلات من المساءلة، ومن هذه الآليات  كشف حقيقة جذور الصراع وكل ما يضمن عدم عودة الانتهاكات مرة أخرى عبر اتخاذ تدابير عديدة، كالإصلاح المؤسسي، والاعتذار وجبر ضرر الضحايا، ورد اعتبارهم، وكل ما يفضي إلى مصالحة وطنية شاملة، كونها تمثل مدخلا مهما لصناعة الاستقرار .(١)
 
فهي مقاربة خاصة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال كما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة وتعريفه للعدالة الانتقالية باعتبارها (تشمل كامل نطاق العمليات والاليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركته من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المساءلة وإقامة العدل وتحقيق المصالحة) (٢)
كما أن هناك آليات قضائية وأخرى غير قضائية أثناء تطبيق العدالة الانتقالية وما يحكم استخدام أحدهما دون الآخر هو سياق البلد الذي تطبق فيه وما يتناسب في احداث التحول الديمقراطي فيها وقد أثبتت تجارب أربعين دولة من دول العالم خاضت تجربة العدالة الانتقالية أن هناك سياقات متعددة لتنفيذها يختلف من دولة لأخرى ولا يوجد نموذج واحد لتنفيذها وأنها آليه تحكمها العملية السياسية لكل بلد وما تخرج به من توافقات حول هذه المسألة (٣)
 
ثانيا: - مراحل التعاطي مع العدالة الانتقالية والمصالحة في السياق اليمني.
 تعد اليمن من الدول التي تمتلك إرث وثقافة كبيرة في ثقافة المصالحة بعد الصراعات أو الحروب، ولكن هذه الثقافة لم تكن تتعدى الإطار التفاوضي التقليدي على مر التاريخ كما أنها لم تدمج الشعب في أي مرحلة من مراحل المصالحة في أعقاب أي من هذه الصراعات، أو بالأحرى الضحايا ممن طالتهم الحرب أو الصراعات بمضارها، وممن عانوا جراء الانتهاكات. لقد ظلت مجرد مصالحات وتسويات شكلية تقر سلاما يدوم لفترات زمنية محدودة،  ولعل تكرار دورة الصراعات في المشهد اليمني اكبر دليل على عدم ملامسة ذلك النوع من المصالحات لجذور وطبيعة الانتهاكات بما يضمن عدم تكرارها كما هو لدى مفهوم العدالة الانتقالية الحديث المنطلق من كشف الحقيقة والمساءلة والاعتذار ورد الاعتبار وجبر الضرر  والإصلاح المؤسسي والتي في مجموعها ضامن رئيسي لنجاح المصالحة الحقيقية الضامنة لعدم تكرار دورة الصراعات وتحقيق مصالحة حقيقة تجعل جميع أفراد الشعب يتوجهون لعملية البناء وهم متحررين من إرث الصراعات وتداعياتها وهو المفهوم الذي أقرته المبادرة الخليجية آنذاك التي شملت تحصينا للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ومن عمل معه، وذلك في مقابل نقل السلطة إلى نائبة كرئيس توافقي حظي بالموافقة الشعبية في استفتاء عام. كذلك نصت المبادرة على تشكيل حكومية توافقية بالمناصفة بين الطرفين الموقعين على المبادرة الخليجية، وهما حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي يترأسه صالح وأحزاب اللقاء المشترك وفي ضوء المحدودية التي فرضها هذا الإطار الاتفاقي، برزت العدالة الانتقالية كمسار يضمن إحداث القطيعة مع ماضي انتهاكات حقوق الإنسان. 
 
وقد رأت فيه أحزاب اللقاء المشترك، وهي الحامل السياسي للثورة الشبابية آنذاك، موازنا للحصانة الممنوحة لرموز النظام السابق، والتي مثلت بابا لإفلاتهم ومعاونيهم من العقاب. فعلى الأقل باعتماد العدالة الانتقالية سيبرز مجال لضمان حق الضحايا في الانصاف، فضلا عن تعزيز التحولات السياسية، بعدم السماح باستمرار ممارسات الانتهاك وتحكم النظام السابق في المؤسسات المسؤولة عنها.
 
بدايات التعاطي العملي مع المفهوم 
اتخذت حكومة الوفاق بعد تشكيلها خطوات عملية تجاه بناء مسار للعدالة الانتقالية  مثل انشاء لجنة التحقيق بانتهاكات حقوق  الإنسان على خلفية ثورة الشباب ولكن لم يتم تسمية أعضاءها آنذاك  كما تم تشكيل لجنة لمعالجة قضايا الأراضي المنهوبة في الجنوب ولجنة لمتابعة الموظفين المبعدين من وظائفهم في المجال العسكري والامني وتم تشكيل لجنة للتحقيق في جريمة جمعة الكرامة وكانت هناك توجيهات بشأن اعداد قانون خاص بالمخفيين قسريا ولكن الملاحظ أن كل تلك اللجان والإجراءات لم تحقق أي اهداف عملية لها سوى  إعادة بعض المسرحين قسريا  من وظائفهم  دون حصولهم على أي امتيازات..  
 
بعد مضي ثلاثة أشهر من انتقال السلطة من الرئيس السابق علي صالح إلى  الرئيس عبد ربه منصور هادي وفقا للمبادرة الخليجية قام وزير الشؤون القانونية برفع اول مسودة لقانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في اليمن إلى حكومة الوفاق وحدث جدل كبير آنذاك حول هذا القانون وخلافات داخل مكونات حكومة الوفاق ما بين من كان يرفض مبدأ كشف الحقيقة  وما بين الخلافات التي أثيرت حول المدة الزمنية التي ينبغي أن تبدأ منها العدالة وغيرها من الملاحظات حول القانون ،ونظرا  لنصوص المبادرة الخليجية التي توجب  أن يكون قرار الحكومة توافقيا  لم يمر مشروع القانون في مجلس الوزراء آنذاك وتم  إحالته وفقا لنص الفقرة ١٢ من الآلية التنفيذية للمبادرة إلى رئيس الجمهورية والذي استوعب التعديلات التي اعترض عليها ممثلي حزب المؤتمر داخل حكومة الوفاق  وهو ما أثار رفضا شعبيا كبيرا من قبل قوى الثورة وأدى لاعتراض مكونات اللقاء المشترك على التعديلات التي تقدم بها الرئيس وسعت لعرقلة التصويت على مشروع القانون المعدل وفي ضوء هذا التعثر الكبير أحيل موضوع العدالة الانتقالية إلى مؤتمر الحوار الوطني حتى يحصل على توافق أعلى ضمن آليات التوافق التي اعتمدها مؤتمر الحوار .(٤)
 
داخل مؤتمر الحوار مثل فريق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية أحد أهم الفرق الأساسية التي تضمنها المؤتمر حيث تشكل الفريق من (٨٠) عضوا يمثلوا كافة المكونات السياسية والحراك الجنوبي وجماعة الحوثي والنساء والشباب.
 
تناول الفريق قضية كشف الحقيقة والخلافات التي تم إثارتها في حكومة الوفاق وشهد الفريق نقاشات حادة حول القضية مراوحة بين توجه رافض لاعتماد كشف الحقيقة والمساءلة، خصوصا المنتمين إلى المؤتمر الشعبي العام وحلفائهم، وممثلين من حزب الإصلاح. وقد طرح هؤلاء ضرورة الحذر من أن تؤدي المساعي المقترحة لكشف الحقيقة إلى إحداث اضطرابات وإحياء ثارات. و فضلوا الاكتفاء بجبر الضرر عبر تقديم التعويضات للمضرين دون مساءلة المنتهكين. ووصل الأمر بأحد القيادات المشيخية من المؤتمر الشعبي العام إلى التلميح بالتهديد بأن إقرار كشف الحقيقة سوف "يجعل الدماء تسير للركب".
 
 كان لوجود خبراء في العدالة الانتقالية أثره الإيجابي، إذ شرحوا للأعضاء مضامين برامج العدالة الانتقالية استنادا لخبرات وتجارب الدول المختلفة وأن الهدف منها الوصول لمصالحة حقيقية وليس عملية انتقامات وثارات وقد ساعد دورهم كثيرا في تقريب وجهات النظر بين أعضاء الفريق. هذا بالإضافة إلى الآليات التي اعتمدها مؤتمر الحوار الوطني لحسم القضايا الخلافية كمرحلة نهائية.
 
وقد خرج الفريق (٥) بمجموعة من الموجهات القانونية والدستورية حولها تركز على :- 
١- أن العدالة الانتقالية في اليمن هي عدالة غير قضائية وأن المصالحة الوطنية عملية وفاق سياسي واجتماعي مبنية على آليات غير قضائية.
٢- اعتبار الصراعات السياسية السابقة جزء من تاريخ اليمن، تتحمل مسؤوليتها الأطراف التي اشتركت فيها جميعا. 
٣- اليات العدالة الانتقالية مجردة من أي نوازع انتقامية، وتديرها هيئة مستقلة، يُمثل فيها أسر الضحايا، وتعتمد كشف الحقيقة، والمساءلة، والاعتذار، وجبر الضرر، ورد الاعتبار، وإصلاح مؤسسات الدولة، بما يعيد تأهيلها وإزاحة الفاسدين منها.
 
أسهمت هذه الموجهات في حسم القضايا الخلافية التي درات في حكومة الوفاق، وانتصرت لمبادئ وأسس العدالة الانتقالية. 
وبلورت مرتكزها في إشراك الضحايا في هيئة العدالة الانتقالية، واعتماد كشف الحقيقة، كأهم مبادي العدالة الانتقالية ولكن ظل الاعتراض من قبل ممثلي المؤتمر الشعبي العام   وتصاعدت ضغوطهم على الرئيس لمنع صدور القانون، رغم سبق سحب المشروع السابق الذي احتجوا عليه ،وفي نفس السياق كانت مسودة الدستور اليمني الجديد التي تم صياغتها وفقا لمخرجات الحوار الوطني  قد ضمنت مواد خاصة بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وتشكيل هيئة مستقلة خاصة باسترداد الأموال المنهوبة وهي المسودة التي تم الانقلاب عليها تحت مبرر رفض الأقاليم من قبل جماعة الحوثي بالتحالف مع الرئيس السابق علي صالح  أثناء تسليمها للهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني  والتي يرى بعض السياسيين أن مواد العدالة الانتقالية مثلت أساس لهذا الانقلاب من قبل صالح ،وهو ما يعني أن السياق السياسي لم يستطع فرز بناء أرضية مشتركة بين فرقاء السياسة وهو ما كان مجسدا بأزمة الثقة المتبادلة آنذاك ومخاوف استغلال مفهوم العدالة الانتقالية سياسيا  بالإضافة إلى بروز  النوازع  الانتقامية للرئيس السابق علي صالح وتحالفه مع جماعة الحوثي وصولا إلى اندلاع الحرب القائمة حاليا والتي شهدت اكبر موجة من انتهاكات حقوق الإنسان اشترك فيها جميع أطراف الحرب محليا وإقليميا والتي دفعت صوب تدهور حاد، لتمر اليمن بأسوأ موجة في تاريخها لانتهاكات حقوق الإنسان على كافة الأصعدة. وزادت مستويات العنف لحد غير مسبوق، وانتعشت مظاهر التعصب الديني والسياسي والاجتماعي، وتقلصت الآمال في بلوغ التوافق الوطني، بل وصارت الهوية الوطنية مهددة، فيما ضاقت مساحة التسامح والحوار. 
 
وهنا يظل السؤال المهم الذي ينبغي الوقوف. أمامه وهو: - 
 كيف يمكن ضمان وصول اليمنيون إلى  إجراءات عدالة انتقالية ومصالحة وطنية تمثل مدخل لبناء الدولة دون مواجهة تحديات تعمل على عرقلة هذا المسار وتفضي إلى مصالحة حقيقية تضمن عدم تكرار الانتهاكات والصراعات 
 
ثالثا: - تحديات تنفيذ مصالحة وعدالة انتقالية في اليمن وإمكانية تلافيها.
مما سبق عرضه نستطيع الخروج بخلاصة لأبرز التحديات التي ممكن تعيق عدالة انتقالية ومصالحة وطنية في اليمن كالتالي؛- 
١- استمرار الحرب الحالية وخاصة في صيغتها المنقلبة على توافقات اليمنين الممثلة بوثيقة مؤتمر الحوار الوطني والتي تمثل تنفيذها الضامن الرئيس لتحقيق عدالة انتقالية ومصالحة وسلام عادل وشامل متضمنا حسم قضية شكل الدولة أولا في اليمن، ووجود دولة قوية لديها القدرة على التحكم بالمجال العام وإدارة مؤسسات الدولة بكفاءة. وأن تعمل الدولة الجديدة على إزالة آثار الحرب وما رافقها من عصبيات وتهديد للسلم الاجتماعي. من شأن هذا أن ييسر تطبيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية خاصة في ظل ضعف الدولة اليمنية وتفشي العصبيات المناطقية والجهوية والطائفية والتي تمثل تحدي اخر   أمام تحقيق عدالة انتقالية.
 
٢ تحدي أزمة الثقة بين المكونات السياسية اليمنية، وآثار فترات الصراع التي خاضتها ضد بعضها البعض، والتي تدفع صوب التخوف من توظيف العدالة الانتقالية في تحقيق مكاسب سياسية قصيرة النظر. أو استخدامها كسلاح لتصفية الحسابات ضد اتجاهات سياسية معينة أو انتماءات قبلية أو مناطقية  وبما يشير لضرورة التوافق بين المكونات السياسية على آليات ضامنه لتنفيذها وفقا لمرجعية مخرجات الحوار بشرط  أن لا  تنحدر إلى مسار الاستغلال  السياسي وهو ما يتطلب العمل على تكييف مبادئ العدالة الانتقالية بما يناسب البيئية اليمنية بحيث تصبح داعمه لعملية التنفيذ وليست معيقه ، وعملية التكيف هنا ينبغي أن لا تفهم أنها تخلي عن مبادئ العدالة بقدر ما هي الاستفادة من الثقافة اليمنية والقيم الاجتماعية في تسهيل عملية التنفيذ وضمان عدم تجاوزها .
 
٣- ضعف الوعي بمفهوم العدالة الانتقالية ومنظورها الشامل وهو ما يحتاج إلى  تهيئة أجواء الاطمئنان للعدالة الانتقالية، بعيدا عن تصورها كأداة انتقامية. ويتم ذلك بإشاعة روح التسامح، وتعزيز ثقافة الاعتراف بالذنب بين جميع الأطراف، والمبادرة إلى جبر الضرر وانصاف الضحايا، من خلال وضع برامج توعية مكثفة، تستهدف عموم المجتمع وكذلك نخبته السياسية. ويسهم في بناء الوعي في تقبل الناس مبادئ العدالة الانتقالية، واستيعابهم لمضامينها، والاقتناع بمعاييرها. إن وجود توجه من الدولة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع لنشر هذه الثقافة الداعمة لقيم العدالة الانتقالية سيمثل عاملا مساعدا في التهيئة لعدالة انتقالية ناجحة، بمنأى عن الصراعات واستيعاب أهميتها كمدخل للاستقرار وبناء السلام المستدام .
 
٤- تحدي تورط جميع أطراف الصراع في الحرب الحالية محليا وإقليميا  في انتهاكات حقوق الإنسان  تعد من أبرز التحديات التي قد توفر مساحة للإفلات من استحقاقات العدالة الانتقالية ورفضها أو التحايل عليها خاصة في ظل تبعية ادوات الصراع لأطراف خارجية  وبغير وجود توجه إقليمي ودولي حقيقي داعم لمسار عدالة ومصالحة في اليمن سيكون التحدي اكبر وهو ما يتطلب من قوى التغيير الحقيقية أن يظل صوتها ومواقفها حاضرة في مطالبها من أهمية الالتزام بمرجعية مخرجات الحوار الوطني  كإطار مرجعي ملتزمة بدعمه دول الإقليم والمجتمع الدولي وفقا للقرار الدولي  2216 وهي المخرجات التي ضمنت تنفيذ عدالة انتقالية ومصالحة وطنية تضمن قطيعة مع ماضي الانتهاكات وبما يعني أهمية أن تدرج العدالة الانتقالية في أي اتفاق سلام قادم  ولذا من المهم لتسهيل هذه المهمة أن تكون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية  محصلة توافقات سياسية ودستورية وقانونية وإدارية بين جميع أطراف العملية السياسية  وكيف يمكن الانطلاق من السياق اليمني في بعده الشمولي في تناول محطات الصراع وعدم الاجتزاء من سياقه العام في كل محطة من محطات الصراع حسب المراحل الزمنية ،خاصة وان  واقع اليمن يقول بأنه ليس هناك  ثمة سلطة قوية بمقدورها فرض نموذج للعدالة الانتقالية والمصالحة قسرا بغير رضى وموافقة جميع الأطراف.
 
٥- تحدي الفساد الموجود في مؤسسات الدولة بشكل عام وخاصة الأمنية والعدلية من أبرز التحديات المعيقة لتنفيذ عدالة انتقالية ومصالحة حقيقية، وهو ما يتطلب  أن يكون على رأس الأولويات البدء بعملية الإصلاح المؤسسي كضمان.
 
٦- تحدي ندرة  الشبكات والمنظمات العاملة في مجال العدالة الانتقالية ، فضلا عن الضعف المعرفي لدى المنظمات العاملة في مجال المساءلة المجتمعية  يضاف لهذا ما هو مرصود من ضعف المجتمع المدني بشكل عام  كجزء من ظاهرة أعم هي ضعف القوى المدنية في اليمن.(٦) وذلك يمثل عائقا أمام تنفيذ العدالة الانتقالية، وهناك أيضا ضعف الوعي وغياب التنظيم بين المتضررين والضحايا بشكل منظم.
 
7- استخدام العفو عن الانتهاكات كمدخل للمصالحة دون وجود ضمانات مثل عدم تقلد المدانين أي مناصب سياسية أو إدارية لمدة معينة يتم من خلالها إعادة تأهيلهم وتدريبهم وبما يضمن حق الضحايا في كشف الحقيقة والاعتذار لهم وجبر ضررها وضمان عدم تكرار انتهاكات حقوق الإنسان كون مشكلة هذه الرؤية أنها تغض  الطرف عن حقوق الضحايا وضرورة إنصافهم وجبر ضررهم. وتبدو وكأنها تكافي المنتهكين. خاصة أن تجربة اليمن مع آلية العفو والحصانة التي أعطيت لعلي عبد الله صالح في 2011 ومن عمل معه لم تحقق الاستقرار، بل إنها أدت إلى أتاحه الفرصة له لينتقم مرة أخرى من الشعب وينقلب على توافقاته  مع جماعة الحوثي ، كما أن العفو في التجربة الإسلامية، والذي يُستشهد به في العادة لدى الدعوة إلى التصالح والتسامح، وتمَّثُل موقف الرسول محمد أثناء دخول مكة وإعلانه عفوا عاما عن أهل قريش يخالف حقيقة أنه ما طرحه النبي لم يكن عفوا مطلقا، إذ استثنى منه بضعة عشر رجلا، أمر بقتلهم، حتى وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة. فهؤلاء عظمت جرائمهم وخيف منه أن يثيروا الفتنة بين الناس بعد الفتح. كما الحق الرسول بعفوه العام سلوكا عمليا، يجسد الحق في الحقيقة والانصاف وجبر الضرر، ذلك حين قام بتعرية ظهره في المسجد وقال من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليقتص منه. أسس الرسول بهذا للتسامح والعفو عبر طرح نموذج عملي مفاده أن التسامح والعفو لا يعنيان التفريط بحقوق الآخرين وإهدار جبر ضررهم وحقهم في معرفة الحقيقة. (٧)
خاتمة 
 
من المهم الإشارة هنا أنه مهما كان حجم العوائق التي يمكن أن تقف أمام تحقيق عدالة انتقالية ومصالحة وطنية حقيقية الا أن العمل على التوافق على تطوير آلية  للتعاطي مع هذه العوائق بما يضمن تنفيذ عدالة انتقالية ومصالحة وطنية يتعاطى معها جميع الفاعلين السياسيين بإيجابية تنطلق من أهمية مدخل العدالة لبناء الدولة  وإعادة صياغة العمل السياسي بما يخلصه من  الجريمة السياسية لصالح احياء السياسة كعمل سلمي ومدني  هو الرهان الحقيقي الذي سيخدم عملية الانتقال والتحول الديمقراطي  في اليمن وسيكون من الجميل والرائع والتفكير الاستراتيجي بتأسيس المستقبل أن تعمل  النخب السياسية والمجتمع المدني معا البدء من الآن التفكير بضرورة التوافق على تقديم نموذج للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ولو في محافظات محددة تكون مكوناتها متوافقة على ضرورة انصاف الضحايا وكشف حقيقة جذور الانتهاكات فيها   بحيث تمثل نموذجا ممكن بعد ذلك أن يعمم على اليمن بشكل عام ولعل محافظة تعز يمكن أن تعد كنموذج لتنفيذ ذلك متى ما توفرت الإرادة السياسية ولو أن تبدأ في إطار المكونات التي تمثل الشرعية كنقطة انطلاق لإنصاف الضحايا  إذا توفرت الإرادة السياسية مدعومة بتفاعل من السلطة المحلية والمجتمع المدني .
 
المراجع والإشارات 
(١) احمد شوقي بنيوب، العدالة الانتقالية بتونس: أسس نظرية تطبيقات عملية وتصورات مستقبلية، (مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية (2011/2012)ص٧ 
(٢) مجلس الامن، سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع (الأمم المتحدة، نيويورك (2004) ص 6
(٣) مروه نظير، العدالة الانتقالية، الاشكاليات النظرية وتحديات التطبيق (مجلة فاصلة (24/7/2016) 
(٤) محمد المخلافي، تقرير عن مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، (المؤتمر الإقليمي للعدالة الانتقالية في اليمن، صنعاء، 2012م) ص7
(٥) راجع وثيقة مؤتمر الحوار الوطني، صنعاء ،2013من ص 69 الى ص 75.
(٦) حميد اللهبي دور وقدرات منظمات المجتمع المدني في تطبيق العدالة الانتقالية في اليمن، (مكتب الأمم المتحدة الإنمائي، صنعاء، (2015) ص25
(٧)( علي الصلابي، العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية (اسطنبول دار الروضة ، 2014) ص 78
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء