السبت, 11 ديسمبر, 2021 04:51:00 مساءً

اليمني الجديد - عبدالسلام قائد

عبد السلام قائد
عندما اندلعت المعركة بين الحوثيين وحليفهم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في نهاية نوفمبر وبداية ديسمبر 2017، إثر تصاعد الخلافات بينهم، بدا لمن يشاهد سير الأحداث من قرب أن هناك مشاهد سينمائية وخيالية لتلك الأحداث عبر وسائل الإعلام تصورها على غير حقيقتها، وللأسف ما زال ذلك التضليل هو السائد حتى اليوم كحقيقة لا تقبل النقاش. والمتأمل بدقة في سير الأحداث على الواقع كان هناك أيضا ما يشبه تعمد ممارسة الخديعة والتضليل، أي أن التضليل كان يحدث مرتين، الأولى على أرض الواقع، والثانية عبر وسائل الإعلام، خصوصا التابعة لعلي صالح وحزب المؤتمر، وبعض وسائل الإعلام الخليجية.
 
عندما اندلعت تلك الأحداث كنت في صنعاء أسكن في مكان يتوسط جولة عصر وبداية شارع الجزائر، وعائلتي كانت في القرية، وكنت أدرس دورات لغة إنجليزية في معهد لغات يتوسط شارع الجزائر، وكنت أراقب الوضع الميداني بدقة خشية اندلاع مواجهات، وأراقب ما إذا كان الوضع يستدعي مني مغادرة صنعاء قبل اندلاع المواجهات أم لا. وعندما بدأ التوتر بقوة بين الطرفين، منذ الحشد الكبير لعلي عبدالله صالح للاحتفال بذكرى تأسيس حزب المؤتمر، في 24 أغسطس، أيقنت أن المعركة بين الطرفين قادمة لا محالة، وأن علي صالح في حالة من الضعف والخذلان، وأنه غير مؤهل للصمود أمام الحوثيين ولو لساعات محدودة في حال اندلعت معركة فاصلة بينه وبينهم.
وقبل الحديث عن تفاصيل المواجهات الميدانية بين الطرفين وحقيقة الذي جرى، سأبدأ بوصف الحالة العامة للوضع قبل اندلاع تلك الأحداث، لكي تتضح الصورة كاملة، وتبدو الأحداث مترابطة مع بعضها، لأن اجتزاءها من لحظة محددة يجعل الحقيقة تبدو مجتزأة أو غير واقعية. وفي الحقيقة فقد كانت تلك المرحلة عصيبة بالنسبة لجميع سكان صنعاء، وكانت المشاعر تختلط بين المخاوف والأماني، وكان الانقسام الذي حدث بين علي صالح والحوثيين قد وصل إلى عامة المواطنين، وكانت المهاترات بدأت تشتد، بل فقد كنت ألاحظ الانقسام حتى بين رجال المرور والمسلحين القبليين الذين يجوبون الشوارع، ففي مرات عدة لاحظت مهاترات بين رجال المرور بين مؤيد لعلي صالح ومؤيد للحوثيين، وحصل ذات مرة انتشار لمسلحين مدنيين في شارع حدة بالقرب من معسكر الأمن المركزي، وكانت لحظة مرعبة بالنسبة لي، حيث انتشر مسلحون فجأة وقد فتحوا أسلحتهم على مسلحين آخرين يطلبون منهم تسليم أسلحتهم وأنا أتوسط الجميع، ونجوت بنفسي بأن دخلت بسرعة إلى شارع فرعي باتجاه الحي السياسي، وهناك أيضا كان ينتشر مسلحون مدنيون ولكنهم قليل، وبعد دقائق سمعت إطلاق نار محدود، ولم أعرف ماذا حدث بعد ذلك.
 
بدأ الانقسام الكبير عندما رفع الحوثيون شعار "مواجهة التصعيد بالتصعيد"، خلال استعدادات علي صالح وأنصاره للاحتفال بذكرى تأسيس حزب المؤتمر في 24 أغسطس، وكانت تلك المناسبة فرصة كبيرة لمعظم سكان مدينة صنعاء للتعبير عن احتجاجهم ضد الحوثيين أكثر مما هي للتعبير عن الولاء لعلي صالح، وبدت صنعاء حينها مدينة مؤتمرية بامتياز، ورُفِعَت شعارات حزب المؤتمر وصور علي عبد الله صالح على سيارات تجوب شوارع صنعاء وبمكبرات صوت تصدح منها الأغاني والأناشيد الوطنية، كما أُلصِقت صور علي صالح وشعارات حزب المؤتمر على الجدران والسيارات وفي واجهات بعض المحال التجارية، في مشهد ذكرني بزمن الانتخابات والمهرجانات الانتخابية للمرشحين، واختفت زوامل الحوثيين بل واختفى الحوثيون تماما، ولم يكن هناك أي أثر لوجود الحوثيين سوى اللافتات التي نصحو صباحا ونراها معلقة في الشوارع وعليها عبارات "سنواجه التصعيد بالتصعيد" أو "سنواجه التحدي بالتحدي".
 
وفي لحظة الحماس الجماهيري بميدان السبعين في ذكرى تأسيس حزب المؤتمر، عندما كانت الجماهير الساخطة على الحوثيين تنتظر خطابا ثوريا من علي صالح، غير آبهة بحشود الحوثيين العسكرية التي تطوق المكان من الخلف ومن جهات عدة، ظهر علي صالح مرتبكا وخائفا، وألقى كلمة قصيرة جدا أمام أنصاره الساخطين على الحوثيين دعاهم فيها إلى الالتحاق بالجبهات، فبدا وكأنه مجرد "مشرف" حوثي يحشد المواطنين إلى الجبهات، وعاد المواطنون ساخطين، وقد أغرى ذلك الخطاب الضعيف الحوثيين بأن يواصلوا التضييق والملاحقة لعلي صالح حتى قتله أو إلقاء القبض عليه.
 
كان التحول الأهم بعد ذلك، كما لاحظت، انتشار الحوثيين بكثافة حول ميدان السبعين والحي السياسي وشارع صخر، فبالإضافة إلى الدوريات التي كانت تطوف الشوارع والأطقم العسكرية المنتشرة في الجولات ومداخل الشوارع الفرعية لبعض الحارات، فقد انتشرت الشرطة السرية للحوثيين بكثافة، وانتشر أيضا المخبرون الحوثيون، وبرزت الرقابة المشددة على تحركات المواطنين، وهذا ما لاحظته بنفسي، ففي أحد الأماكن التي كنت أذهب إليها بعد العصر وآخذ شاي سفري وأشربه هناك، جاء إلىّ شخصان بزي مدني ولا يحملان السلاح، وطلبا مني بطاقتي الشخصية، سألتهما: من أنتما ولماذا البطاقة؟ قال أحدهما: "نحن من أنصار الله ولاحظناك تجلس هنا يوميا منذ ثلاثة أيام وأي شخص يتكرر جلوسه في مكان محدد ثلاثة أيام نحقق معه"، ثم وجها لي بعض الأسئلة وتفحصا البطاقة الشخصية وذهبا بعد أن عرفا كل ما يريدانه، والعجيب أنه عندما سآلاني عن عملي، وقلت لهما إنني عاطل عن العمل وكنت أعمل من قبل في شركة، لأنه من الخطورة أن أخبرهم بأنني صحفي، ثم سآلاني مرة أخرى: ما اسم الشركة؟ ارتبكت وابتكرت اسم شركة لا وجود لها، فقالا لي إنهما يعرفان تلك الشركة وذهبا.
 
بعدها توقفت عن تكرار الجلوس أو تكرار المشي في مكان محدد، وكنت بعد ذلك أمشي "رياضة" بعد العصر كل يوم من شارع مختلف ثم أعود إلى سكني، وكانت معظم تحركاتي في إطار شارع الجزائر وشارع حدة والحي السياسي الذي كنت أذهب إليه دائما لتناول بعض الوجبات في أحد المطاعم هناك، ومن المشاهد التي لاحظتها، أنه بالقرب من الحي السياسي في شارع الستين توقف صاحب موتور في جوار سور بناية كبيرة، فانطلق فورا نحوه جندي كان في الجهة المقابلة وطلب منه بطاقته الشخصية وبدأ يحقق معه، وأنا واصلت المشي ومتجاهلا للأمر. 
وفي يوم آخر، صادفت شخصا أعرفه في شارع حدة، وبدأ يتحدث عن علي عبد الله صالح وأنه سيقضي على الحوثيين إذا واصلوا التصعيد ضده، وفجأة جلس بالقرب منا شخص رث الثياب يشبه المجانين ليستمع لما نقول، فمن المؤكد أنه من المخبرين الحوثيين، لكننا غيّرنا مسار الحديث وبدأ صاحبي ينتقد السعودية وقصفها الذي يطال البنية التحتية ومنازل المدنيين وغير ذلك، وظل ذلك الشخص يستمع لنا، وعندما مشينا باتجاه آخر قام يمشي بعدنا، وللتمويه عليه ركبنا كل واحد باص نقل إلى وجهة مختلفة.
وبعد أيام قليلة، كنت أمشي في شارع الستين بدءا من جولة المصباحي باتجاه جولة عصر، وبينما أنا بمحاذاة الحي السياسي، فوجئت بأن ثلاث سيارات توقفت حولي وعلى متنها مسلحون مدنيون، توقفت إحداها أمامي، والثانية بجانبي الأيسر، والثالثة خلفي، ربما ظنا منهم أنني جندي استطلاع أتبع أحد الطرفين، وذكّرني ذلك بمشاهد ملاحقة المجرمين في الأفلام البوليسية، وتصرفت بأن تجاهلت السيارات ومضيت أمشي بشكل طبيعي، ولو ارتبكت أو حاولت الهروب سيكون مصيري الاعتقال والسجن والتحقيق، ذلك أنه بمجرد توقف السيارات حولي عرفت فورا بعد أن لمحت المسلحين أنهم من منتسبي المخابرات التي كانت تابعة لعلي صالح، ولا أدري هل ما زالوا تابعين لعلي صالح أم غيروا ولاءهم للحوثي، لأنه لم يكن على السيارات أي شعارات توضح من الطرف الذي يوالونه، وللعلم فقد كنت على معرفة بأن أتباع جهازي الأمن القومي والسياسي أو أي جهاز مخابرات يتحركون على متن سيارات مدنية جديدة وملابسهم مدنية جديدة، للإيحاء بأنهم مجرد مدنيين يحملون السلاح.
 
توقفت بعد ذلك عن رياضة المشي في الشوارع الطويلة، بعد أن تبين لي أن الحوثيين أصبحوا يرصدون كل تحركات المدنيين في المربع السكني الذي يتواجد فيه علي صالح وعائلته، وكنت أكتفي بالخروج من سكني بالقرب من جولة عصر إلى معهد اللغة الإنجليزية في وسط شارع الجزائر والعودة من نفس المكان، وتناول وجبات الطعام في المطاعم والبوافي القريبة بنفس الشارع أو في أحد المطاعم في الحي السياسي، ومن ذلك المكان كنت شاهدا من قرب على أهم مجريات أحداث ديسمبر منذ اندلاعها وحتى لحظة إعلان مقتل علي صالح على يد حلفائه الحوثيين بعد انتهاء التحالف بينهم.
هذه المقدمة ضرورية لمعرفة الجانب الأهم الذي استندت عليه الأحداث التالية، وهو أن الحوثيين كانوا قد أحكموا سيطرتهم تماما على المربع السكني الذي يتواجد فيه علي عبد الله صالح وعائلته والمقربين منه، خصوصا بعد أن ظهر علي عبد الله صالح في خطابه المرتبك أمام الحشد الجماهيري بميدان السبعين، وطوقوا تماما كل الشوارع والحارات المحيطة بمنطقة السبعين، وانتشر المخبرون والجواسيس والشرطة السرية بكثافة لدرجة مراقبة تحركات المواطنين البسطاء، بالإضافة إلى تفتيش وتفحص السيارات الفخمة للتأكد مما إذا كان علي صالح قد تنكر ويحاول الهروب، وهو ما يعني أيضا استحالة قدرة علي صالح على التحرك والعودة إلى بيته بالقرب من شارع صخر، وبالتالي نفي مزاعم قتله في بيته أو في الطريق وهو هارب إلى مسقط رأسه في سنحان، فكيف إذن عرف الحوثيون مكانه وكيف وأين قتلوه؟
 
لقد كان المؤكد هو أن تحرك علي عبد الله صالح صعب جدا منذ أن طوق الحوثيون منطقة السبعين بكثافة، وطوقوا المربع السكني الذي يتواجد فيه هو وأفراد عائلته، كما أنهم طوقوا ذات المكان من مسافات بعيدة بشكل حلقات دائرية متتابعة، وكانت تحركاتهم مريبة، وأجروا مسحا شاملا لجميع الأماكن التي يشتبه أن يكون يوجد فيها فتحات الأنفاق السرية التي من المحتمل أن يهرب علي صالح من خلالها، علما بأنه عندما ظهر علي صالح في خطاب مرتبك وقصير أمام الجماهير الكبيرة في ميدان السبعين، كان الحوثيون قد قطعوا كل الشوارع التي تربط بين ميدان السبعين وبين منزله بالقرب من شارع صخر، وهذا يعني أن علي صالح ظل منذ أغسطس وحتى ديسمبر (حوالي ثلاثة أشهر)، وهو محاصر في الأنفاق السرية أسفل ميدان السبعين ومسجد الصالح، ولا يمكن أن يغامر ويذهب إلى بيته بالقرب من شارع صخر إذا افترضنا أنه توجد أنفاق تربط بين بيته ومكان تواجده تحت ميدان السبعين وجامع الصالح، لأن تواجده في بيته يعني أنه صار هدفا سهلا للحوثيين، ولا يمكن أن يترك الأنفاق السرية التي جهزها أساسا لمثل تلك اللحظات الحرجة.
 
ولذا، فإن مدة ثلاثة أشهر من حصار الحوثيين لعلي صالح داخل الأنفاق السرية تحت مدينة صنعاء كانت كافية لنفاد معظم المواد الغذائية الرئيسية أو تلفها، كما أن المولدات الكهربائية الخاصة بجامع الصالح كانت قد أُتلفت وخرجت من الخدمة بعد أن قصفها الحوثيون، وسبق ذلك أن قصفت السعودية مخازن رئيسية للوقود بالقرب من ميدان السبعين، واختفت الأنوار من جامع الصالح، ويعني كل ذلك أن علي صالح قضى تقريبا ثلاثة أشهر وهو محاصر في أنفاقه السرية ربما بلا كهرباء وربما لا يوجد ما يكفي من المواد الغذائية لمدة زمنية طويلة، وبسبب انقطاع الكهرباء ستتوقف الثلاجات عن العمل وستتلف كثير من المواد الغذائية بسبب شدة الحرارة تحت الأرض، بل وسيعاني علي صالح ومرافقوه بشدة جراء ذلك.
 
وحتى الخطابات التي كانت تبثها قناة "اليمن اليوم" لعلي صالح، كان يظهر فيها أنه داخل أنفاق، وكانت بعض الخطابات تبدو وكأنها سُجلت قبل أيام وتأخر وصولها إلى القناة وبثت بعد حدوث مستجدات لم ترد في الخطابات، وهو ما يعكس صعوبات إيصالها للقناة، ولعل القناة أيضا كانت تبث من مكان سري وليس من مقرها المعروف لدى الحوثيين، لأنهم كانوا سيغلقونها فورا لو كانت تبث من مقرها المعروف لديهم.
 
نأتي إلى أحداث ديسمبر وقتل علي صالح، لقد تعرضت تلك الأحداث للتزييف والتضليل، وكان الحوثيون هم الطرف الأكثر براعة في تزييف وقائعها، وقد نجحوا في ذلك، كما أن الإعلام المحلي والعربي المؤيد لعلي صالح وقع أيضا في فخ تزييف الوقائع الميدانية للمعركة، عندما كان يتحدث عن سيطرة قوات علي صالح على معظم صنعاء، وهو بذلك أدى الدور المكمل لتزييف الحوثيين لتلك الأحداث، وكانت حينها تردني اتصالات ورسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي من كثير من الأصدقاء والزملاء يسألونني عن حقيقة الوضع الميداني، وكان بعضهم يستاؤون من ردي عليهم بأن الحوثيين يسيطرون على صنعاء تماما، لدرجة أن بعضهم اتهموني بأنني حوثي، وبعضهم أظهروا العداوة وقطعوا التواصل معي تماما.
 
شخصيا، كانت قد داهمتني فكرة جهنمية وهي أن أعرض على بعض القنوات الفضائية فكرة تغطية وقائع المعركة التي على وشك النشوب، وأستغرب حاليا من لحظات الجنون تلك والمخاطرة بنفسي، خصوصا أنني بدأت بالتحرك ميدانيا منذ أول اشتباك بين الطرفين في ميدان السبعين بين الحوثيين وحراسة علي صالح، عندما بدأ الحوثيون بالاستعداد للاحتفال بما يسمونه المولد النبوي، يوم الأربعاء، الموافق 29 نوفمبر، وهي كانت مناسبة الهدف منها اقتحام ميدان السبعين الذي ظل خطا أحمر في وجوههم منذ دخولهم صنعاء، فخرجت من البيت الذي أسكن فيه ومشيت في شارع الجزائر باتجاه ميدان السبعين، ولن أتحدث عن الإجراءات التي اتخذتها لضمان سلامتي، وكيفية التمويه، وأول ما لفت نظري هو قدوم سيارات من جهة ميدان السبعين عليها مسلحون حوثيون تمشي باتجاه جولة عصر، وكانت هناك سيارات عدة عليها مسلحون حوثيون شوهدت وهي تغادر صنعاء من أماكن عدة بحسب ما روى لي أشخاص أعرفهم يسكنون في أماكن متفرقة بصنعاء، وقد أعطى ذلك انطباعا أوليا بأن الحوثيين فروا من أول لحظة مواجهة، وأن علي صالح سيفتك بهم قريبا.
 
عندما وصلت إلى منتصف شارع الجزائر فوجئت بأطقم حوثية قطعت الشارع ومنعوا مرور السيارات والمدنيين، عدت لأمشي باتجاه ميدان السبعين عبر الحي السياسي فوجدت نقاطا حوثية منعتني من العبور، وفشلت محاولتي لإقناعهم بأنني من سكان الحي، ثم عدت إلى شارع الجزائر ومشيت حتى شارع الستين وكان المغرب قد اقترب، وإطلاق النار توقف، وركبت باص نقل باتجاه جولة المصباحي، لكن كان هناك أطقم حوثية قد قطعت شارع حدة وشارع الستين من جولة المصباحي، فعدنا إلى جولة عصر، وتجددت الاشتباكات في ميدان السبعين ليلا، كما حصلت اشتباكات محدودة في شارع الجزائر وشارع الستين بالقرب من جولة عصر، ثم هدأت الأوضاع.
 
في صباح الخميس، بدا كل شيء طبيعيا، ركبت باص أجرة من جولة عصر إلى بداية شارع حدة من جهة شارع الزبيري، ومن هناك مشيت ودخلت شارع صخر الذي تقع بيت علي صالح بالقرب منه، بدا الشارع شبه خالٍ من الحركة، وكانت هناك قليل من المحال التجارية فاتحة أبوابها، ثم عدت ومشيت من أمام مركز الكميم التجاري، وهناك وجدت أفرادا من حراسة بيت علي صالح يحمل بعضهم أسلحة كلاشنكوف، والبعض الآخر يحملون قذائف آربيجي على أكتافهم، وكانوا جميعا يرتدون أقنعة سوداء على وجوههم، ويتحركون يمنة ويسرة باستمرار، لكن عددهم كان قليلا جدا، ربما لا يتجاوز 15 شخصا، ومن المؤكد أن هناك أضعافهم في الجهات الأخرى المؤدية إلى بيت علي صالح.
 
كانت حركة الناس والسيارات في شارع حدة شبه طبيعية، وحتى في المكان المقابل لبيت علي صالح ومركز الكميم التجاري كانت بعض المحال التجارية فاتحة أبوابها، وواصلت مشيي باتجاه ميدان السبعين، لكن عند وصولي جولة الرويشان وجدت الحوثيين قد قطعوا الطريق المؤدي إلى ميدان السبعين، فانعطفت يمينا باتجاه شارع الجزائر، الذي بدا خال تماما من حركة السيارات والناس، وقبل تقاطع شارع الجزائر مع شارع بغداد، وجدت طقما عسكريا مقلوبا وبجانبه آثار دماء، جراء مواجهات البارحة، ثم وجدت طقما عسكريا آخر مقلوبا في شارع الستين مقابل نهاية شارع الجزائر، وتوجد بجانبه أيضا آثار دماء، وكلا الطقمين المعطوبين ليس عليهما أي شعار للحوثيين أو لأتباع علي صالح.
 
وبعد عصر نفس اليوم، الخميس، سمعت إطلاق نار باتجاه ميدان السبعين، فخرجت من البيت باتجاه شارع الجزائر، الذي بدا خال من مرور السيارات والمواطنين، ولا يوجد فيه سوى أطقم حوثية كانت قد عاودت قطعه من مكان تقاطعه مع شارع بغداد، وبينما أنا أمشي باتجاه الأطقم الحوثية على مهل، لاحظت خروج سيارة عسكرية من خلف المركز الليبي التجاري، وكانت كبيرة وغريبة الشكل لم يسبق أن رأيت مثلها، وكان على متنها مسلحون بملابس مدنية وجديدة، وكانت السيارة تتحرك ببطء، وعندما اقتربت من الشارع الرئيسي توقفت، وكان المسلحون على متنها يتلفتون ويتفحصون بأنظارهم كل الاتجاهات، وكانوا أيضا يركزون أنظارهم نحوي فشعرت بالقلق، لأنني الشخص الوحيد الذي يمشي في الشارع في ظل وضع متوتر، ثم تقدمت تلك السيارة باتجاه الأطقم الحوثية التي قطعت شارع الجزائر، ومن هناك انعطفت شمالا ودخلت أحد الشوارع الفرعية باتجاه شارع الزبيري، والمؤكد أنها سيارة استطلاع عسكري، ولا أدري هل تتبع الحوثيين أم علي صالح؟
 
لكن لاحظت أن من كانوا على متنها بدوا وكأنهم خائفين أو مصدومين أو حذرين، وكانت حركة السيارة بطيئة منذ لحظة خروجها من خلف المركز الليبي وحتى وصولها عند الأطقم الحوثية، وبعد انعطافها شمالا صارت حركتها سريعة، لكن الأمر الأكثر إثارة بشأن تلك السيارة هو أنها خرجت فجأة من مكان غامض يشبه ورشة هندسة سيارات وغير مرتب وكنت دائما ألاحظه مهجورا، ولعل ذلك المكان يوجد فيه فتحة لأحد الأنفاق السرية لعلي صالح، فهل تلك السيارة كانت للاستطلاع وتابعة لعلي صالح، أم أنها مخصصة لجلب المواد الغذائية له؟ وإذا افترضنا أنها تتبع الحوثيين فلماذا كان المسلحون على متنها يتلفتون في كل اتجاه ومرتبكين وحركة السيارة بطيئة حتى تعدت الأطقم الحوثية في منتصف شارع الجزائر وبعد ذلك انطلقت مسرعة؟
 
تجددت الاشتباكات المحدودة ليل الخميس-الجمعة، وفي يوم الجمعة شوهد توافد المقاتلين الحوثيين من مختلف مداخل العاصمة صنعاء منذ الصباح الباكر وحتى حلول الظلام، وكانت كل الطرق المؤدية إلى ميدان السبعين مقطوعة من جميع الجهات، وقمت بجولة سريعة في شوارع عدة بصنعاء صباح الجمعة وبعد عصر نفس اليوم، وشاهدت تدفق المسلحين الحوثيين بكثافة مرعبة، وفي الليل بدأ إطلاق الرصاص بكثافة، امتدادا من ميدان السبعين مرورا بشارع حدة وشارع الستين وشارع صخر وشارع الجزائر والحي السياسي وشارع الزبيري وانتهاء بجولة عصر، وكانت السماء تشتعل بأضواء الرصاص، وعاش سكان صنعاء لحظات رعب لن ينسوها، وكان الأمر الخطير بالنسبة لي أن العمارة التي أسكن فيها مرتفعة ومكشوفة، والأدهى أنني كنت أسكن في الطابق الخامس منها، ولم يكن لديّ حينها سوى نصف كيلوجرام من التمر، وعبوة ماء خمسة لترات، وكنت أخشى استمرار المعركة مدة طويلة ونحن محاصرين داخل البيوت، ولم يكن يوجد في تلك العمارة إلا أنا والحارس وبعض أصدقائه، كونها خالية من السكان.
لم يتوقف إطلاق النار ولو لدقيقة واحدة طوال الليل، واستمر حتى بعد أذان صلاة العصر في اليوم التالي، السبت، 2 ديسمبر، ولم تكتحل أعيننا بالنوم حينها، وصبرت على الجوع والعطش حتى عصر اليوم التالي، عندما توقف إطلاق النار قليلا، فخرج حارس العمارة وجلب لنا خبزا وزبادي من بقالة بعيدة، وكان الخبز يابسا من اليوم الأول، وكنا نظن أن الحارس لن يعود، وكان قد غامر تحت شدة شعوره بالجوع والعطش، وبعد عودته سالما تشجعت على الخروج ومغادرة المكان، ومررت من بين المسلحين الحوثيين في جولة عصر متجها نحو حي جامعة صنعاء، ورأيت شارعي الزبيري والستين من جولة عصر وهما خاليان تماما من الحركة، بل فقد كان شارع الستين مقطوعا من مسافة بعيدة من جهة حي السنينة، ومشيت من جولة عصر بمحاذاة الحوثيين وآلياتهم العسكرية، وكنت كلما ألتفت نحوهم أجدهم مركزين أعينهم نحوي، ربما لمراقبتي خشية أن أكون أحد جنود الاستطلاع التابعين لعلي صالح بزي مدني، لكنني لم أكرر الالتفات نحوهم كثيرا، وعندما وجدت أول مكان أنفذ منه بعيدا عن أعينهم دخلت منه، وفي تلك اللحظة عاد إطلاق النار مجددا.
 
استمريت في المشي حتى وصلت حي جامعة صنعاء، وهناك بدت الحياة طبيعية وكأنه لم يحدث شيء، وكنت مرهقا ومتعبا بسبب المشي من قبل جولة عصر وحتى حي جامعة صنعاء، وعدم النوم في البارحة، وذهبت للنوم في أحد الفنادق، ونمت نوما عميقا، ولم أكلف نفسي عناء متابعة الأخبار، وسمعت أن قناة "اليمن اليوم" بثت خطابا لعلي صالح يدعو فيه أنصاره للحرب على الحوثيين، لكن بعد ذلك الخطاب كانت وتيرة القصف قد خفت، حيث كان إطلاق النار متفرقا ومحدودا يوم 3 ديسمبر. وفي صباح 4 ديسمبر حاولت الاقتراب من شارع الزبيري أو جولة كنتاكي، لكن كان الحوثيون ما زالوا قاطعين للطريق ويمنعون المدنيين من الاقتراب.
 
بدأت تتسرب شائعات بأن الحوثيين قتلوا علي عبد الله صالح، وبثت القنوات الفضائية التابعة للدولة التي سيطر عليها الحوثيون تنبيها هاما فحواه أن ما سمتها "وزارة الداخلية" ستبث بيانا هاما، تزامن ذلك مع توقف إطلاق النار تماما، وانسحاب الحوثيين من الشوارع التي قطعوها، ورأيت كثيرا من المدنيين بدؤوا يستعدون لمغادرة صنعاء خشية اندلاع حرب ثأرية تشنها قبائل طوق صنعاء ضد الحوثيين، وارتفعت أجرة المواصلات إلى المحافظات الأخرى فجأة بسبب كثرة المسافرين، وأنا أيضا قررت مغادرة صنعاء في اليوم التالي، فرجعت إلى سكني بالقرب من جولة عصر لآخذ أشيائي وأسافر. وبعد الإعلان عن مقتل علي صالح، انسحب الحوثيون وآلياتهم العسكرية تماما من شوارع صنعاء، وتمركز معظمهم بالقرب من مداخل صنعاء خوفا من انتفاضة قبلية، ووزعوا أطفالا صغار جدا في نقاط التفتيش، واختفى رجال المرور، كما بدت صنعاء شبه خالية من حركة السيارات والمواطنين، وأغلقت المحال التجارية أبوابها في وقت مبكر، وتحولت صنعاء إلى مدينة أشباح، خصوصا الأماكن القريبة من مسرح إطلاق النار، كل ذلك خشية من اندلاع انتفاضة لقبائل طوق صنعاء ضد الحوثيين ثأرا لعلي صالح، لكن كانت تقديرات الجميع خاطئة، لقد ساق الحوثيون بعد ذلك قبائل طوق صنعاء إلى الشوارع لتحتفل بمقتل علي صالح وما سموه "وأد الفتنة".
 
بقيت النقطة الأهم، وهي كيف وأين ومتى قتل الحوثيون علي صالح؟ لقد تعمدت سردت التفاصيل الكاملة لأحداث ديسمبر 2017 لكي يكون التحليل لمسار الأحداث ونتائجها منطقيا وعقلانيا، وعلى ضوء تلك التفاصيل سنتوصل للنتائج، وهناك تفاصيل تعمدت تأجيل ذكرها لاحقا لدعم تحليل مسار الأحداث، وهدفي هنا ليس تحوير الأحداث أو شطب بعض وقائعها، وإنما ارتأيت أن الأمر يمثل أمانة للنقل والتوثيق وشهادة حية للتاريخ، كون تلك الأحداث الهامة والمفصلية طالها التزييف والتضليل، والسبب هو أن روايتها معروضة من طرف واحد، فمارس التضليل وأوقع الآخرين في مصيدة التضليل المضاد، وبين التضليل والتضليل المضاد تتوه الحقيقة وتختفي.
وفيما يلي سأسرد تحليل الأحداث حسب ترتيب وقائعها:
 
- ليس مستبعدا أن تكون المخابرات الإيرانية قد أشرفت على عملية اغتيال علي صالح أو شاركت فيها، لأن القدرات الاستخباراتية وإحكام الحصار على المربع السكني لعلي صالح ومراقبة تحركات المواطنين وطرق استجوابهم من عمل مخابرات دولة ضليعة في هذه الأشياء، وهو ما لم يكن يتوفر لدى مليشيا الحوثيين البدائية، وكان يُلاحظ أن أشخاصا أجانب يشبهون الإيرانيين واللبنانيين يترددون على المربع السكني الذي يتواجد فيه علي صالح وأفراد عائلته، ويقضون أوقاتا طويلة في مطاعم شوارما صغيرة بالقرب من الحي السياسي، ويتحركون في تلك الشوارع ببطء على متن سيارات فارهة، وربما أنهم كانوا ينفذون مسحا بواسطة أجهزة خاصة بكشف الأنفاق السرية تحت الأرض وتفحص محتواها، ولعل ذلك حصل تحت ضغط الجهاز الدعائي والمخابراتي لعلي صالح الذي كان يروّج بأن علي صالح لديه صنعاء تحت صنعاء، وأنه لديه من الأسلحة تحت الأرض ما يكفي لإحراق صنعاء ومن عليها، ولعل مخاوف الحوثيين من ذلك، وعدم قدرتهم على اكتشاف الأنفاق السرية لعلي صالح، هو ما جعلهم يستعينون بالمخابرات الإيرانية لتحديد مكان علي صالح وقتله، وليس مستبعدا أن بعض المرافقين لعلي صالح في أنفاقه السرية خانوه ودلوا الحوثيين على تلك الأنفاق ومنافذها.
- كان الحوثيون في البداية يقطعون الطرق المؤدية إلى ميدان السبعين من كل الجهات، ولم يفعلوا ذلك بخصوص بيته بالقرب من شارع صخر، وكنت شخصيا قد مشيت بالقرب من بيته قبل 24 ساعة من أشرس إطلاق نار شهدته صنعاء، يوم 2 ديسمبر، لكن كل محاولاتي للاقتراب من ميدان السبعين فشلت منذ 29 نوفمبر، بسبب قطع الحوثيين لكل الشوارع المؤدية إلى هناك منذ أول اشتباكات، وكان ميدان السبعين وجامع الصالح قبل ذلك خطا أحمر لا يقترب منه الحوثيون، وهو ما يعني أن علي صالح كان مختبئا هناك ولم يكن يوجد في بيته بالقرب من شارع صخر المتفرع من شارع حدة.
 
- لم يقتل الحوثيون علي صالح في بيته ولا في طريقه وهو هارب إلى مسقط رأسه في منطقة سنحان، وإنما قتلوه في أنفاقه السرية بمنطقة السبعين، والقتل لم يكن نتيجة مواجهة عسكرية، فالمواجهة بين حراسة علي صالح والحوثيين انتهت بسيطرة الحوثيين على مسجد الصالح وميدان السبعين وما حوله تماما في أول يومين من الاشتباكات هناك، وبعد تحديد منافذ الأنفاق السرية لعلي صالح، فالاحتمال الأكبر هو أن عملية قتله هو ومعاونيه تمت بعد ضخ كميات كبيرة من الغازات المخدرة الخاصة بالأنفاق قبل اقتحامها، كما حصل مع صدام حسين الذي ألقي عليه القبض في نفقه السري تحت تأثير الغاز المخدر، وليس هناك ما يؤكد أن علي صالح قتل تحت تأثير غاز سام أم تم تخديره بغاز مخدر وبعد ذلك ألقي القبض عليه وقتله.
 
- خطاب علي عبد الله صالح الذي بثته قناة "اليمن اليوم"، في 2 ديسمبر، وفيه دعا أنصاره إلى القتال ضد الحوثيين، بثته القناة وعلي صالح كان قد قُتل، لأنه تأخر وصول الخطاب إلى القناة، وعندما بثته لم يكن العاملون في القناة يعلمون أن علي صالح قد قُتل، ففي ذلك الوقت من الصعب التحرك من مقر علي صالح في الأنفاق السرية إلى القناة لبث تسجيل مصور والحوثيون يطوقون المكان بكثافة ويفتشون أي مواطن يشتبهون بتحركاته.
- ما يؤكد فرضية أن علي صالح قُتل قبل بث خطابه المسجل والحماسي ضد الحوثيين، أن بث الخطاب يوم 2 ديسمبر تزامن مع إطلاق نار مكثف في الجو كان مجرد مناورة عسكرية للحوثيين لإثارة ذعر قبائل طوق صنعاء خشية إشعالها حربا ثأرية ضد الحوثيين، وقد شاهد المواطنون من مختلف الجهات المحيطة بأماكن إطلاق النار أن إطلاق النار كان إلى الجو، ولم يكن يوجد حينها طرف يقاتل طرفا آخر، فقط مناورة عسكرية للحوثيين، تخللها أعمال نهب واسعة لبنوك ومحال تجارية ومطاعم وبيوت غادرها أصحابها، وحصلت اشتباكات محدودة فقط أمام بيت علي صالح وبيوت بعض أفراد عائلته انتهت بقتل بعض أفراد الحراسة وفرار البعض الآخر، ولم يكن أفراد الحراسة يعلمون حتى ذلك الوقت بخبر مقتل علي صالح في أنفاقه السرية تحت ميدان السبعين.
 
- بعد الاشتبكات المحدودة في السبعين ومقتل علي صالح، بدأ الحوثيون بإدخال عدد كبير من المسلحين إلى صنعاء، ليس لحسم المعركة ضد علي صالح الذي كان قد قُتِل أصلا، وإنما لتعزيز سيطرتهم على صنعاء خشية أن تنتفض قبائل طوق صنعاء ضدهم وتسيطر على العاصمة.
 
- المعركة العنيفة التي اندلعت ليل الجمعة واستمرت اليوم التالي السبت حتى المساء، 2 ديسمبر، لم تكن معركة حقيقية، ولم يكن فيها طرفان يتقاتلان، لأن الذي اتضح فيما بعد أن كل ذلك كان مجرد إطلاق نار في الهواء شاهده سكان العاصمة من مناطق عدة، أي أن ذلك كان الهدف منه استعراض القوة أمام القبائل وإثارة الرعب في نفوسها حتى لا تنتفض ثأرا لمقتل علي صالح، والإيحاء بأن علي صالح قتل خلال مواجهات عسكرية عنيفة، وذلك خشية الإفصاح عن أنه قتل في مخبئه وهو مجرد من وسائل الحماية كون ذلك سيثير تعاطف القبائل معه. 
 
وعندما كنت أسمع كل ذلك القصف المتواصل وبمختلف أنواع الأسلحة، لمدة تزيد على 15 ساعة دون توقف، كنت أعتقد أن نصف صنعاء قد احترق وتم تدميره، ولم نكن نعلم أن ذلك مجرد مناورة عسكرية لبث الرعب في نفوس القبائل وأنصار علي صالح لكي لا يفكروا بالثأر له من الحوثيين.
وعندما انتهت تلك الأحداث، وعادت الأوضاع إلى طبيعتها، لم أجد أن نصف صنعاء تم إحراقه وتدميره كما توقعت، لقد بدا كل شيء على طبيعته، باستثناء بنوك ومحال تجارية ومطاعم تم نهبها وتكسير أبوابها وإحراق بعضها، أي أن ذلك القصف كان أيضا للتغطية على عمليات نهب واسعة، فمثلا بنك الأمل الواقع في شارع بغداد بالقرب من معهد يالي، كسروا أبوابه ونهبوه ثم أشعلوا النيران في البناية كاملة رغم أنها كبيرة جدا، وبدت شبه سوداء من داخلها وخارجها، بينما جميع البنايات المجاورة لها لم نرَ عليها ولو آثار حتى رصاصة واحدة.
 
الخلاصة، لقد قتل الحوثيون علي صالح في أنفاقه السرية تحت ميدان السبعين وجامع الصالح في أواخر نوفمبر، والإعلان عن قتله تم في 4 نوفمبر، وتأخروا في إعلان ذلك ليرتبوا لمسرحية مواجهات عنيفة والإيحاء بأنه قاتل ثم قتل، وبعد قتله أدخلوا عددا كبيرا من مسلحيهم إلى صنعاء لتعزيز السيطرة عليها.
 
وأما حدث يوم 2 ديسمبر من إطلاق نار كثيف، لم يكن انتفاضة لعلي صالح وأتباعه، وإنما كان مجرد مناورة عسكرية حوثية لاستعراض السلاح وإخافة قبائل طوق صنعاء حتى لا تفكر بالثأر لعلي صالح، بدليل أن إطلاق النار كان كله في الهواء، وخطاب علي صالح الذي بثته قناة "اليمن اليوم" في 2 ديسمبر، بثته القناة وعلي صالح قد قُتِل، لأن الخطاب وصل متأخرا، والحوثيون أعلنوا يوم 4 ديسمبر مقتل علي صالح، ليس لأنه قتل في نفس ذلك اليوم، ولكن بعد أن استكملوا إخراج مسرحية قتله، وحشد عدد كبير من مسلحيهم إلى صنعاء، وإجراء مناورة عسكرية في قلب صنعاء لإثارة ذعر قبائل الطوق في 2 ديسمبر، لكن المؤتمريين أطلقوا على تلك المناورة للحوثيين صفة "انتفاضة الزعيم"، الذي كان حينها قد قُتَل.
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء