الاربعاء, 08 ديسمبر, 2021 09:28:00 صباحاً

اليمني الجديد - د. يحصب الربيع
مأرب مدينة يمنية، تقع في جهة الشمال الشرقي قي لمدينة صنعاء، وتبعد عنها بمسافة تبلغ 173 كم. هذه المعلومات السابقة لا تعنيني، فهي معلومات مجردة وأرقام لا اكترث لها؛ لأنها لا تذكر أن مأرب تقع في القلب، وتعني لليمني الكثير والكثير قبل الحرب، لكنها اليوم مع الحرب لها مكانة خاصة تعكس صمودها وتضحيتها.. وعندما أقول مأرب فأنا لا أتكلم عن جغرافيا المكان، بل أتكلم عن ثروة الرجولة، وتضاريس الجسارة والنضال، ومناخ السلوك الحضاري الضارب بجذور في جينات الإنسان.
 
مأرب تعني لي الجمهورية، فهي الحصن الأخير للمشروع الجمهوري الذي ضحى من أجله أبطال سبتمبر، وهي الحضن الأخير الذي يحتضن الأبطال الاشاوس الذين يقارعون الظلم ويذودون عن حياض الجمهورية، وعندما نقول إنها الحضن والحصن الأخير، فإنني أعنى ذلك بكل ما للكلمة من معنى، لكن كونها كذلك لا يعني انتهاء المشروع الجمهوري فيما لو أصيبت مأرب، لأن المشروع الجمهوري هو مشروع الهوية اليمنية، هو مشروع حياة لليمني المتمرد على الخرافة والكهنوت الذي حكمنا بخرافة السلالة والحق الإلهي طوال ألف عام.
 
مأرب تعني لي عرين الأبطال، فهي المدينة التي استقبلت الأبطال الرافضين لمشروع السلالة، ولم تتحمل قلوبهم رؤية الإمامة في ثوبها الجديد تحت عباءة الحوثية، و ضاقت بهم الأرض بما رحبت، فتنادوا من كل حدب وصوب، أن إلى مأرب وجهوا شطركم فإن فيها أقواماً حماة، رجالها تحمل النسخة الأصلية لليمني الأصيل، اجتمعوا فيها فكانت المدينة الجمهورية التي حفظت رجال الجمهورية، واكرمتهم بعد أن آوتهم، فأعادت لملمة الجراح، و مكنت الرجال من إعادة رسم الخارطة، واعادة جدولة المعركة، فكانت كنانة السهام التي انطلقت منها سهام الجمهورية ضد طغاة الإمامة القديمة المتجددة.
 
مأرب تعني لي المشروع اليمني النموذج، المشروع الجامع الذي جمع أبناء جميع القبائل اليمنية، بشتى انتماءاتهم و على اختلاف مذاهبهم و بمختلف اتجاهاتهم، كانت ولا زالت البوتقة الجامعة التي قدمت التعايش كحالة معايشة، وقدمت التسامح كمشروع واقعي جسد التلاحم في أبهى صوره، تولت مأرب في الآونة الأخيرة بعث الانسان اليمني والإنسان المأربي على وجه الخصوص، فأنعشت الجينات الحضارية الدفينة، جينات حضارة الأمجاد اليمنية المتوارثة من سبأ وحمير، تلك الجينات التي بنت الدولة يوم كانت القبائل لا تعرف غير التناحر والنزاع.
 
مأرب تعني لي شرارة الأمل، فهي المدينة التي استعصت يوم استسلم الجميع، ووقفت يوم خضع الجميع، وقدمت نفسها كرأس حربة للمعركة التي تمثل المعركة الأشرس في مواجهة المشروع الأمامي، فكانت الشرارة التي أشعلت جذوة النضال، وجعلت الأيدي ترتفع أحياناً بالدعاء لها وأحياناً تمسك بها على القلوب عند كل ضربة تتوجه إلى مأرب، مأرب هي الشرارة التي ينفخ فيها كل أعداء المشروع الجمهوري ليطفئوها، وتأبى مأرب إلا أن تشعل عنفوانها لتضيء الدرب، وتوضح معالم الطريق إلى الغد المنشود الذي لن يكون بعده إمامة و خرافة على الإطلاق، فمأرب معركة الأجيال القادمة..





انتصار البيضاء