كأس العالم في قطر.. كاتب غربي ينتقد ترويج المثلية في البلدان العربية     استغلال الموقع الرسمي.. الكشف عن قيام النائب العام السابق بتوظيف 100 شخص     الإعلان عن تفاهمات يمنية جديدة في الأردن     ما دور السعودية في دفع الحوثيين لقتل علي عبد الله صالح؟!     في سجن تابع للإمارات.. أسرة القيادي الإصلاحي "الدقيل" تناشد المجلس الرئاسي التدخل للإفراج عنه     تفاصيل انقلاب 2017 في القصور الملكية السعودية     حدادا على أرواح أطفال السرطان.. إيقاد الشموع في جنيف تنديدا بجرع الدواء المنتهية     رحيل فقيد اليمن وشاعرها الكبير عبدالعزيز المقالح     ندوة دولية حول بناء السلام وإعادة إعمار يمن ما بعد الحرب     كرة القدم العربية في كأس العالم بقطر     إصابة مدني بقناصة في حي الروضة بتعز     الحكم بالإعدام على قاتل الطفلة مها مدهش     منديال قطر.. إعادة للعرب قبسا من الأمجاد     قراءة في المدوّنة الحوثية للوظيفة العامة (1- 3)     مناهج الدراسة حين تشوه شكل الجزيرة العربية بين الطلاب    

السبت, 27 نوفمبر, 2021 11:12:00 مساءً

اليمني الجديد - اليمن نت - محمد اللطيفي

المنصب في أي دولة تحترم نفسها، تكليف وليس تشريف، وهو مغرم أكثر منه مغنم، والشخص المكلف بإدارته يدرك أنه "خادم" فيه أكثر من كونه "مخدوما". هذا التعريف للمنصب هو المتعارف عليه في أي بلد يقدر المسؤولية، إلا في اليمن، فيلقى توصيفا مختلفا، وتعريفا مغايرا للسائد عنه.
 يتم تعريف "المنصب" في اليمن، على أنه "فرصة" للشخص المعيّن فيه، للانتقال لحياة جديدة ثرية وذات مكانة اقتصادية وسمعة عامة، ويتعامل الكثير من الشاغلين مناصب في الحكومة، على أنها "مغنم" لرفد الخزينة الشخصية بالأموال والعطايا والهدايا، والبعض يضع "المنصب" كطريق ثمين لنيل الترقيات السريعة، وإبرام الصفقات الكبيرة، وإقامة العلاقات المشبوهة.
 هذا التعريف اليمني؛ إن صح التعبير، للمنصب، هو ما يتم تداوله رسميا، وأضحى ثقافة سياسية متوارثة من نظام لآخر، وهذه الثقافة تم تثبيت بنيانها في عهد نظام المخلوع علي صالح، والذي رسم معايير لنيل المناصب قائمة على الانتهازية والولاء الشخصي، وقابلية الشخص الوله بالمنصب للتنازل عن أي شيء؛ حتى الكرامة، ولهذا تحولت الوزارات بفضل هذا التعريف للمنصب، من سيادية مرتبطة بدولة إلى نفعية تتبع النظام أو الحاكم أو الحزب، ومن وزارات خدمية تنفع عموم المواطنين إلى شللية تخدم الزعيم ومن يعبده، والحزب الحاكم ومن يواليه.
 لقد فقد المنصب في ظل هذه الثقافة "الصالحية" احترامه، وأضحى أشبه بسوق مزاد لشراء الولاءات، وبيع الذمم الوطنية، وتنافس لإسقاط القيم الجمهورية، ولا نبالغ إن قلنا إن من أسباب سقوط الجمهورية اليمنية في يد الانقلاب الحوثي، هو أن المناصب السيادية لليمن أديرت من قبل أشخاص ولائهم لجيوبهم وأحزابهم ولمن عيّنهم أكثر من اليمن ووحدته وجمهوريته.
 الإشكالية أن هذه الثقافة المعرّفة للمنصب، انتقلت من زمن صالح، إلى زمن هادي، وظلت مرجعية تتحكم بطريقة التعيينات، وهو ما ساهم في استمرار حالة الوهن السياسي للشرعية، وجعلها فريسة للهزائم العسكرية أمام المليشيات، والتبعية السياسية للتحالف السعودي الإماراتي، بل وأدت هذه الثقافة إلى تحوّل المناصب إلى وسيلة لانتهاك السيادة اليمنية، حيث وصل الأمر إلى ضرورة موافقة التحالف على أي تعينات سياسية أو عسكرية، خصوصا في الوزارات السيادية.
 لم تنحصر مساوئ الثقافة السياسية في تعيين من يشغل المناصب، على مستوى النخبة أو قمة السلطة، بل تجاوز خطرها إلى أنها وجدت قابلية لدى المجتمع نفسه، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال ردة الفعل العام أثناء تعيين أحد ما في منصب ما، بغض النظر هنا عن كون ذلك المعيّن، جيدا في سلوكه من عدمه، أو كفوء لشغل المنصب أو لا.
يمكن النظر إلى الوسائط الاجتماعية، مثل الفيس بوك أو تويتر، لنجد مدى طغيان "ثقافة التعيين"؛ في أسوأ صورها، على الفضاء السياسي اليمني، فما أن يتم تعيين شخص ما في منصب ما، حتى تنهال التهاني، وهي مبنية على ما يمكن تسميته بـالعاطفة السياسية، أي الرضا الشخصي أو الحزبي من الشخص المعيّن، وهذه التهاني تعبير عن أن المهنئين يتعاملون مع المنصب الرسمي، كمنحة شخصية أو حزبية، وبالتالي فإن مدى الرضا أو القبول مرتبط بأسباب عاطفية لا مهنية ووطنية.
 إن فكرة تهنئة شخص ما على تعيينه في أي منصب، هي فكرة بقدر سذاجتها، تعبّر عن مدى الضحالة السياسية التي تسود المشهد السياسي والثقافي الراهن، فالمنصب ليس ملكية خاصة حتى يمنح من ينالها المباركة، وليس عرسا حتى يبعث لمن تزوج التهنئة. إن المنصب الرسمي ملكية للدولة، وهو منصب مؤقت للشخص لإدارته وفق معايير تتجاوز الشخص والحزب، وعندما نهنئ شخصا ما بنيل منصب، نمنحه ضمنيا الموافقة على ملكية هذا المنصب، ونشجعه على الاستماتة في البقاء فيه، وتحويله إلى مكان للارتزاق والفساد والمحسوبية.
 علينا أن نتخلص من هذه العادة السيئة، إذا ما كنا ننشد بناء دولة ذات سيادة في المستقبل، صحيح أننا بلا دولة بل وبلا وطن، لكن التأسيس لثقافة الدولة مهم جدا، وهذه العاطفة السياسية التي نقترفها مع المنصب الرسمي، يجب أن تتوقف، لأنها تحمي ثقافة أخطر طالما ثرنا عليها، وهي ثقافة الاستحواذ بالسلطة، والتي تمثل مدخلا خطيرا لثقافة الاستبداد والطغيان، كونها تشجع الأشخاص المعينين؛ حتى ولو كانوا جيدين، للتمسك بالمنصب والقتال من أجله، وهذا بحد ذاته، استبداد وطغيان، بل حتى خيانة الأوطان، ولنا في تجارب السنوات الثمان الماضية، عبرة.. إن كنا نعقل!.




قضايا وآراء
مأرب