الاربعاء, 08 سبتمبر, 2021 09:54:00 مساءً

اليمني الجديد - عبدالباري طاهر

استفز العنوان كثيرًا من الزملاء، وبالأخص الأستاذ والزميل قادري أحمد حيدر. أعرف أن مصدر رد الفعل معرفتهم بطبيعة الحركة، ورجعتيها، وطائفيتها... إلخ، وهو التقييم الذي لا أختلف معهم فيه، وقد سبق ذكر ذلك في نقاش على "فيسبوك" رددت فيه على كاتب مجهول، ولكني أختلف معهم في أمرين اثنين: 
أولهما: إنها حركة وطنية نسبة للوطن الأفغاني، أما رجعيتها، وطائفيتها، وقومتيها- وليست فبائلتيها كما وصفها قادري؛ لأن البشتون قومية، وليست قبيلة، وهي قومية تجد امتدادها إلى الباكستان، وسبب دعم واحتضان المخابرات الباكستانية لها مرده إلى هذا الانتماء القومي المشترك في جانب منه، وهو انتماء غالب في أفغانستان يقترب من الـ50%- فلا خلاف معهم فيه. ومع ذلك كانت الردود تكتب وكأني أقول: إنها حركة ثورية، وتقدمية -أستغفر الله!
الأمر الثاني: أني أنظر إلى طالبان كما هي، بينما ينظر إليها الآخرون حسب ما يريدونها أن تكون، أو حسب فهمهم لحركات التحرر الوطني الحاكمة في بعض بلدان القارات الثلاث، والتي حققت استقلالًا شكليًّا لبلدانها. أما كونه شكليًّا؛ فلطرد المستعمر فقط، كما تفعل طالبان اليوم، بينما قراءتي البسيطة والمتواضعة لهذه الأنظمة، فقاضية بأنها رجعية أيضًا.
لم تبدأ حركات التحرر قبل سبعة عقود كما ذكر الزميل قادري، وإنما نشأت بالتزامن مع ظاهرة الاستعمار في القرن السابع عشر، بل وقبله بكثير ككفاح وطني. في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي 1956، برز خلاف بين الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية حول العديد من القضايا، من أهمها قوى الثورة العالمية؛ ففي حين يراها السوفييت المنظومة الاشتراكية بزعامته، والطبقة العاملة الأوروبية، وحركات التحرر الوطني- رأت الصين أن الطبقة العاملة الأوروبية لم تعد ثورية، وأن السوفييت قد انحرفوا، وكان الخلاف أساسًا حول المركز الأول.
 أكد اليسار على الربط بين الاستقلال الحقيقي، وبين البعدين: الاقتصادي، والاجتماعي، ولكن غالبية قيادات هذه الحركات كانت عسكرية بالأساس، أو مقاتلي حرب عصابات سرعان ما تحولوا إلى عسكريين. غالبية قيادات هذه الحركات كانت يمينية، والقيادات اليسارية سرعان ما جرى الانقلاب عليها، والنموذجان لم يكونا ديمقراطيين، ولم يرعيا أبسط حقوق المواطنة، وألغوا الحريات، وامتهنوا حقوق الإنسان.
المنظومة الاشتراكية انقرضت، وحركات التحرر الوطني حلت محل الاستعمار، وأصحبت الاستعمار الداخلي كما يسميها يساريو أمريكا اللاتينية، والدكتور أبو بكر السقاف، والأستاذ عبدالله البردوني.
الصين الشعبية- القائد الميداني لحركات التحرر الوطني، وهي آتية منها- أصبحت هي الإمبريالية الجديدة، وفيتنام، رأس الحرية والابنة البكر الأكثر شهرة في حركات التحرر الوطني، تنسق اليوم مع الأمريكان في مواجهة "الامبريالية الجديدة". كل هذه الحركات نشأت في ظل الوجود الاستعماري، وبعضها قريب منه، ولم تكن كلها مقاتلة، وحصل الكثير منها على الاستقلال سلميًّا.
وجود الأوطان سابق للأديان والمعتقدات السياسية والأيديولوجيات، وتصنيف: "وطني"، "رجعي"، "إسلامي"، "مرتد"، "شيوعي"... إلخ، نجم عنها كوارث في المنطقة العربية، وآلت إلى صراعات دامية، واغتيالات، واعتقالات، وتهجير ومصادرة للحريات.
ذكّرني إنكار الأستاذ قادري لما قلته عن "نشأة بعض حركات التحرر في أحضان الاستعمار"–بنقاش دار بين الأستاذ علي باذيب، وإسماعيل الشيباني في سبعينيات القرن العشرين الماضي في عدن، أثناء الحوار حول الوحدة اليمنية. ذكر باذيب حينها شيئًا عن نشأة الحركة الوطنية في ظل الوجود البريطاني؛ فغضب الشهيد إسماعيل، ورد عليه بقسوة.
المأساة أن الحركات السياسية التي وجدت في عهود الاستعمار، عجزت عن تحقيق الاستقلال. فقد كان سقف الحريات لا يسمح بتحقيقه، ما أفسح السبيل أمام قوى تعتمد على القوة، وتستهين بالعمل السياسي، والحريات العامة والديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، وهذه القوى في جل البلدان المستعمرة لم تكن ديمقراطية بالأساس، وكان اعتمادها المطلق على القوة. وعندما حققت الاستقلال، أصبح السلاح وسيلتها المثلى لحكم البلد، وأداتها الوحيدة للهزء بالقوى الديمقراطية التي ناضلت لسنوات، ولم تنجز الاستقلال، واعتبرت نضالها ثرثرات برجوازية صغيرة، وصنفتها كعملاء للاستعمار، وليس الأمر كما رأى قادري أنها لم تصبح دكتاتورية إلا بعد تسلم السلطة، والأمثلة تأتي. هذه الحركات التحررية التي ساندتها شعوبها، كان الهمّ الأساس لشعوبها طرد المستعمر، واستعادة الكرامة الوطنية والسيادة، ولم يكن مطلب الديمقراطية أولوية.
إشارة قادري إلى المهدية في السودان غير موفقة؛ لأن المهدية في السودان طائفية بامتياز ودموية، وقد تكون أقسى كثيرًا من طالبان اليوم؛ فتاريخ الحركة الممتد والذي ورثته الجبهة القومية الإسلامية راعب، ورواية "شوق الدرويش" للروائي السوداني حمور زيادة تحكي سردية جرائم المهدية في السودان. أما القول بأن أنظمة التحرر الوطني لم تصبح غير ديمقراطية إلا بعد الاستيلاء على السلطة، فغير دقيق.
حركة التحرر برزت كقوة ثورية عقب الحربين الكونيتين، ولكنها الآن أصبحت في خبر كان؛ فجلّ حركات التحرر الوطني العالمية والعربية التي انتصرت على المستعمر بالسلاح، قدست السلاح واعتبرته الحقيقة المطلقة، والوسيلة الوحيدة للحكم والاستنقاع فيه، وربما نكلت بمواطنيها وقتلت منهم أكثر مما قتل المستعمر؛ إذ لم يقتل المستعمر الفرنسي ما قتلته الخمير الحمر من مواطنيها. لقد قتلت هذه الحركة أكثر من مليون نسمة من الشعب الكمبودي في بضعة أشهر، وهذا العدد يفوق بكثير ما قتل اليابانيون والفرنسيون والأمريكان خلال ما يقرب من نصف قرن.
نماذج الاستقلال الأفريقي في عموم القارة فاجع، أما أمريكا اللاتينية فروايات غارسيا ماركيز، وميخائيل استورياس، وإيزابيل الليندي، هي الشاهد على دكتاتورية حركات التحرر الوطني. أما أفغانستان، فإن المواطن الأفغاني حامل الجنسية الأمريكية خالد الحسيني- صاحب رواية "ورددت الجبال الصدى"، و"عداء الطائرة الورقية"- فيعرف أفغانستان أكثر منا.
وجود الأوطان قبل الأديان والمعتقدات السياسية والأيديولوجيات، وتصنيف: "وطني"، "رجعي"، "إسلامي"، "مرتد"، "شيوعي"... إلخ، نجم عنها كوارث في المنطقة العربية، وآلت إلى صراعات دامية، واغتيالات، واعتقالات، ومصادرة للحريات، وتهجير من الأوطان، والأمثلة فاجعة، والحكام، رجعيين أو ثوريين، هم من يمتشق هذا السلاح في مواجهة الخصم السياسي.
في كل تجارب الشعوب تتراجع المطالب كلها إزاء تحرير الأرض، وطرد المستعمر؛ فالأولوية تكون للكرامة الوطنية، أو ما يسميه ماو: "التناقض الرئيس". يرفع القادة شعار: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وتغيب مطالب الاستقلال الشامل، والتنمية، والبناء، والتحديث، والحريات العامة الديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، وحقوق الإنسان، ويصبح المطالبون بالحريات والحقوق المدنية، عملاء للعدو، حتى لو كانوا من قادة التحرير. حدث ذلك في تجارب التحرر الوطني، ومنها: الجزائر، واليمن الديمقراطية.
الأستاذ قادري يرى أنه لا أحد يمنح صكوك الوطنية. بلى كل دساتير وقوانين العالم المتحضر لا تفرق بين المواطنين على أساس الدين أو المعتقد السياسي، ولكن الممارسة الواقعية شيء آخر، ثم إن الدستور اليمني يقر المساواة، ولكن الممارسة الواقعية، وهي الأهم، مختلفة تمامًا؛ فأبناء الخُمُس، واليهود، والمرأة، والمزاينة، منتقصون، والسلاطين طُردوا؛ لأنهم رجعيون وعملاء للاستعمار.
كان الأصنج، وحزب الشعب الاشتراكي، والرابطة، وبعض السلاطين يراهنون على نيل الاستقلال سلميًّا، وهذا موقف يُتفق أو يُختلف معهم فيه، ولكنه لا يعطي الحق باتهامهم بالعمالة، وسلب المواطنة عنهم. لقد سُحبت الجنسية من الصانع الأول لحركة الأحرار باتهامه بعدم الوطنية. إن مجرد الاتهام بعدم الوطنية يترتب عليه نتائج وخيمة عرفها الوطن العربي كله، والوطن ليس الجغرافيا، وإنما هو الإنسان والحضارة والتاريخ الذي يسميه ماركس "العلم الوحيد".
في مقال الأستاذ قادري الثاني، يضع ضوابط واشتراطات للوطني، ويميز بين المناضل الوطني والرجعي، ويذكر بعض الأسماء كتدليل على صحة ما يقول، والواقع أن كل عتاة الرجعية، وأعداء الثورة والجمهورية، وأبطال الثورة والمدافعون عنها حد الفداء يتساوون في النسبة للوطنية، ويختلفون في المواقف والمبادئ والقيم والمثل لا المواطنة؛ لأنها حق الجميع المتساوي.
يجمع الفقه الإسلامي في كل المذاهب والتيارات الإسلامية -جل التيارات الإسلامية- على اعتبار الوطن هو العقيدة الإسلامية، وغير المسلم ذمي، أو ليس بوطني، وما زال في مصر، الوطن الأكثر تحضرًا ومدنية، تضمين البطاقة الشخصية المعتقد الديني، وهي مشكلة خطيرة.
المفكر الإسلامي يعتقد أن الوطني هو المسلم، واليساري يرى أن الوطني هو الثوري التقدمي المؤمن بالثورة والتغيير الاجتماعي، وهذه النقطة الخلافية والأساس.
التعريف القانوني والدستوري للمواطن مصدره اللغة، ولا شيء غير اللغة؛ فمنذ كان الكلمة في العهد القديم، إلى "علّم آدم الأسماء كلها"، إلى أبي الفلسفة أرسطو طاليس الذي رأى أن الفرق بين الحيوان والإنسان هو اللغة، فالإنسان في تعريفه حيوان ناطق، ومنذ بدأ الإنسان الأول النطق، والأديان والحضارات والآداب والقوانين والثقافات البشرية، مصدرها اللغة.
الخلافات البشرية، وحتى من حول أسماء الله الحسنى وصفاته، مصدرها لغوي. ترى الماركسية أن اللغة هي التجسيد للأفكار، بل هي الصور الوحيدة (لاحظوا الوحيدة) لوجودها في واقع الأمر، فاللغة كما يرى هايدجر محتوى الكون، وهي جهاز العقل، وأداة التفكير، ووسيلته لمعرفة الحياة والكون.
عشرات النماذج من قادة حركات التحرر الوطني كانوا قادة في الجيش الذي أسسه الاستعمار، وبعضهم في الجيش الاستعماري نفسه، فعيدي أمين لواء في الجيش البريطاني، وموبوتو رئيس أركان الجيش الفرنسي، ورفيقه كابيلا ضابط كبير، وحتى الرئيس الجزائري أحمد بن بله قبل الاستقلال، كان ضابطًا كبيرًا في الجيش الفرنسي.
تحويل الآراء السياسية والأفكار مهما تكن دقتها وصوابها إلى معتقدات، فتلك هي الخطيئة، وهو ما يصاب به الإسلاميون واليساريون
جلّ هذه الحركات الوطنية لم تكن ثورية إلا في طرد الاستعمار، ولم تكن ديمقراطية بالمطلق قبل الحكم وبعده؛ فالجزائر بعد قرابة ثلثي قرن، وبعد صراعات مدمرة، وبعد احتجاجات سلمية في عموم مدن الجزائر، لا يزال فيها العسكر يمسكون بالسلطة، ويقمعون الشعب، أما في أفريقيا الأخرى، فالأمر أكثر وحشية ودكتاتورية.
يضع في الحلقة الثانية الأستاذ قادري، تعريفًا للوطن والوطنية مثقلًا بحمولة الأدلجة والتسيس، ويضع اشتراطات للوطني كالتالي: 
"المدافع عن الوطن، عدم المعاداة للمصلحة التاريخية الكيانية الوجودية لمعنى الهوياتي للوطن [هكذا!]. ويضيف: "فالوطن والوطنية لهما معنيان مختلفان يكتسبانه في سياق سيرورة من الكفاح السياسي، ومن التضحيات والبطولات في عزة ومجد الوطن وازدهاره وتقدمه، فضلًا عن عدم مناقضة الدستور، والقوانين النافذة ذات الصلة بالسيادة والاستقلال الوطني للأرض وللشعب وللدولة".
إنشاء كهذا، والبكاء على أطلال نماذج فاجعة في القارات الثلاث، لا يمكن أن تعطي للوطنية غير نسبتها للوطن بدون حمولة سياسية أو أيديولوجية؛ فتحميل الوطنية دلالات إسلامية أو يسارية، نجم عنها كوارث كلفت أمتنا وشعوبنا أثمانًا باهضه؛ فكل حركات التحرر الوطني في خبر كان، وقد تحررت شكليًّا كل البلدان المستعمَرَة، ولم يبقَ غير فلسطين، وحركتا التحرر فيها ليست ديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان، ولا تحترم الحريات العامة والديمقراطية. أما تحويل الآراء السياسية والأفكار مهما تكن دقتها وصوابها إلى معتقدات، فتلك هي الخطيئة، وهو ما يصاب به الإسلاميون واليساريون، ويبدو أن ماركس، الذي أنكر ماركسيته، والفلاسفة الكبار، وحتى مؤسسو المذاهب الفقهية والكلامية، كانوا أكثر تواضعًا من بعض زعماء اليسار واليمين الإسلاموي.
حركات التحرر أكثر من شكل، وبعضها حصل على الاستقلال سلميًا، وجلها ليست ديمقراطية على تفاوت في الشمولية.
يقول إنه قرأ تجارب التحرر الوطني عربيًّا وعالميًّا، ولم يلحظ غياب الديمقراطية، ويشير عربيًّا إلى الجزائر واليمن الديمقراطية، وقد أشرت قبلًا عن الجزائر، أما اليمن الديمقراطية، فالجبهة القومية لم تكن ديمقراطية، لا قبل الاستقلال ولا بعده؛ فقد صفّت خصومها قبل الاستقلال، وصادرت الحريات العامة، أما بعد الاستقلال، فحدّث ولا حرج.
يبرأ من عقلية المؤامرة، بينما يقول: "إن ما جرى في أفغانستان عملية تسلّم وتسليم لبلد قاوم 24 دولة بقيادة أمريكا لمدة عشرين عامًا، وقدم عشرات الآلاف من القتلى؛ ما دفع المستعمر إلى الهروب".
مقالتي الأولى تركز النقد على عنوانها فقط، وقد أشرت فيها إلى أن طالبان عدوة للحريات، ولحقوق الإنسان، وللمرأة، وقد تمثل تهديدًا للوحدة الأفغانية.
••
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء