الاربعاء, 25 أغسطس, 2021 08:23:00 مساءً

اليمني الجديد - محمد المياحي

من بين كل الساسة اليمنيين الأوائل، سأقول بنوع من الثقة والتجاوز: هذا هو السياسي الوحيد الذي أدعو الجماهير اليمنية للصلاة عليه، متابعة مسيرته، تعليمها لأطفالهم، ونصب تمثالًا له بكل مدينة.
 
 رحل محسن العيني، وترك خلفه مسيرة محاطة بالمهابة والشرف، كان رجل دولة صارم ومسؤول يحترم نفسه. تقلد المناصب باقتدار، وكلما شعر بعجز أو فقدان صلاحيته الكاملة في التصرف، توقف وقدم استقالته في الضوء. كانت المناصب تأتي إليه وتفرض عليه فرضًا. حين تختنق الجمهورية، تستدعي محسن العيني؛ كي يسهم في تعبيد دروبها. 
 
تابعت خمس حلقات للرجل، في برنامج شاهد على العصر، وشعرت كم أنه نزيه وحكيم، رجل من فصيلة الكبار، أولئك الأبطال الذين حملوا مصائر شعوبهم وصنعوا فارقًا في التأريخ. 
 
محسن العيني، أحد أهم أعمدة الجمهورية، أقول أحيانًا: لولا محسن العيني، لربما ما تثبت النظام الجمهوري في البلاد، منذ اللحظات الأولى لقيام الجمهورية، كان الرجل يملك وعيًا متقدمًا بها، طاف سفارات العالم وانتزع اعترافًا بالجمهورية الوليدة، حتى ونحن في أكثر الفترات ارتباكا وهشاشة داخلية، قدم بلاده للخارج بثقة، ورسم عنها صورة مليئة بالأنفة والكبرياء. هناك مشهد سياسي صغير، ذو رمزية مهمة، يكشف جزءً من شخصية "السياسي الراحل محسن العيني"، في السبعينات وأثناء المصالحة "الجمهورين مع الملكيين"، تعهدت السعودية بدفع تكاليف المصالحة وما بعدها، باعتبارها كانت مساهمة في أعباء الحرب، وبعد المصالحة، ذهب محسن العيني إلى المملكة، بناءً على وعد الملك فيصل حينها، بتلبية كل طلباته.
 
أثناء اجتماع الفريق اليمني مع أعضاء الديوان الملكي، كتب رئيس الديوان "السعودي"، مبلغ مالي زهيد على ورقة وقدمها لمحسن العيني كمساعدة، قرأ "العيني" الورقة، وعطفها، ثم قال بلهجة حازمة: اعتبروا اللقاء منتهي. أنا هنا رئيس حكومة نمثل شعب ولست باحثًا عن مكاسب شخصية، جئت إليكم بناءً على وعد ملكي بدعم بلادي، البلاد التي ساهمتم في تغذية الحرب فيها، وما نعانيه اليوم كنتم جزء من أسباب المشكلة. ثم أعلن الرجل رفع الجلسة وغادر نحو شقة إقامته، تمهيدا للسفر في اليوم التالي. 
 
ارتبك أعضاء الديوان الملكي "السعودي"، وشعروا بالخجل، حاول الحمدي - وقد كان نائبًا لرئيس الوزراء حينها - مدارة الموقف وامتصاص أجواء الذهول، ثم انتهى الاجتماع بعدها، وغادر الفريقين، وفي الغد، جاء مندوب من الديوان الملكي، إلى شقة العيني، واعتذر منه، قائلًا: أنهم لم يكونوا مدركين لطبيعة الوضع الصعب في بلاده، وتعهدات المملكة بتحمل تكاليف ما بعد المصالحة، ثم منحه ورقة فيها تلبية لكل مطالب الجمهورية اليمنية، وجبر للضرر الذي لحق بها.. "هنا" تقبل العيني الاعتذار وأوكل موضوع المساعدة للفريق التابع له، ثم تأهب للعودة دون أن يحني جبهته.
 
أستعيد هذا الموقف للعيني وأنا أشاهد، حفلة الرخص والمهانة التي سمح بها المسؤولين اليمنيين اليوم في تعاملاتهم مع الجيران. ما هو الفارق، بين طريقة تعاملهم وتعامل محسن العيني. 
 
الأخير كان رجل، يشعر بقيمته الذاتية، حتى وهو عاريًا ومكشوفًا ومحاصرًا بضغط الحاجة، ظل يتحدث عن بلاده أمام الغرباء، بكبرياء الملوك، كان لا يملك قيمة تذكرة جوية لزيارة هذه الدولة أو تلك، وظل محتفظًا بجلالة القائد الممثل لشعب كامل، لا يسمح للهوان أن يتسلل إليه ولا الغريب أن يتعالى عليه. 
 
مهما كان وضعك الداخلي، تستطيع أن تتحدث بندية مع الأخر، ولا تتيح لضعفك الداخلي أن ينعكس على طبيعة حديثك عن شعبك. فقيمة الشعوب المعنوية تظل مصانة مهما كان وضعها المادي البائس وهوانها التاريخي المؤقت. 
 
قدس الله سرك أيها المحارب الكبير، أخر أنبياء البلاد المتعبة وقدسيتها الجليل، ارقد بسلام تغشاك صلوات الشعب والأجيال، جيل بعد جيل.
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء