ديمقراطية تونس في خطر     استشهاد ثلاثة مدنيين بقذيفة لمليشيا الحوثي على حي سكني شرق مدينة تعز     ضبط خلايا إرهابية تابعة لمليشيا الحوثي في أربع محافظات     مليشيا الحوثي تستأنف الهجوم على الحدود السعودية     يوم فني في تعز على سفوح قلعتها العريقة     محافظ مأرب يشيد بالوحدات الأمنية ودورها في تعزيز الأمن والاستقرار     مسلح حوثي يقتل والديه وهما صائمين بسبب رفضهم انضمامه لصفوف المليشيا     الفطرية في شخصية العلامة محمد بن اسماعيل العمراني     الموت البطيء في سجون الإمارات بعدن.. صحفي يروي تفاصيل الاعتقال والتعذيب     تفاصيل انهيار جبهة الزاهر بالبيضاء ومن أين جاءت الخيانة؟!     تخرج وحدات أمنية من منتسبي وزارة الداخلية في محافظة أبين     القاضي محمد بن إسماعيل العمراني.. مئة عام من الفقه والتعليم     السلالية.. العنف والتمييز العنصري     الملك سلمان يلتقي سلطان عمان والإعلان عن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين     مسؤول في الجيش: المعركة مستمرة في البيضاء ومأرب والجوف بإشراف وزارة الدفاع    

الشيخ العمراني

السبت, 17 يوليو, 2021 03:27:00 مساءً

اليمني الجديد - كمال القطوي

بقيت فترة أتأمل في شخصية شيخنا القاضي العمراني، فوجدت أن الفطرية مفتاح شخصيته الآسرة، تلتقيه لأول مرة فتكتشف نفسك مع الإنسان الأول، الذي لم تجتاله النزعات، ولم تعقّده الحياة بتقلباتها، فالرجل جُبل على الصفاء والبساطة والخلو من التعقيد والتشويش، ولذلك أجاب حين سئل عن أقرب الطرق إلى الجنة، فقال: (لا تغثوا أحداً)، أي لا تغضبوا أحداً وهي كناية عن طرح حظوظ النفس جانبا.
 
1. الفطرية في تكوينه: الكثير ممن تخلصوا من بدع وانحرافات البيئات العلمية وتعصبها، تم لهم ذلك عبر رحلة علمية شاقة، أو ملازمة شيخ دلهم على الطريق، بينما فتح الشيخ عينه في صغره على كتب الشوكاني وأهل السنة، فانطبعت في ذهنه، والتصقت بروحه الصافية، ولم يحتاج بعد ذلك إلى رحلة شاقة للتخلص من براثن التعصب الزيدي المحيط به، لأنه فطرته سليمة التقطت الصواب باكراً،  بل كان يرد على بعض مشايخه المتعصبين والغلاة، كما فعل مع أحدهم، حيث يحدث عنه نفسه أنه كان يدرس كتاب "الإحكام الأحكام لابن دقيق العيد" عند الشيخ محمد البهلولي، وأثناء ما كنت أقول (وقال الشوكاني)، يتصدى لي مباشرة معارضا إياي بقوله: (أعرض من هذا فهو جامد). فصبرت وكظمت غيضي لعله يتراجع. وبعد أيام وقفنا على مسألة توافق قول السيوطي، ومباشرة قال: (السيوطي حشوي، حاطب ليل، يقبل كل ما سمع)!! وبعد أيام وصلنا إلى درس. فتذاكرنا أقوال العلماء فقلت للشيح: (هناك رأي لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فقال: (أغا) وهي بالتركية تعني الأمي. فما كان مني إلا أن أطبقت الكتاب بشدة، وقلت له: خاطركم (مع السلامة) لست أدري هل جئنا لنتعلم أم نحن في سوق، وغادرت حلقة الشيخ. وهكذا استجاب الشيخ لفطرته، التي أبت أن يصل التعصب إلى التنقص من عبقري الأمة الفاروق .
 
2. الفطرية في تدريسه: وسنجد الفطرية تتدفق أثناء دروسه، فهو من أروع المعلمين في تبسيط وتسهيل المسائل الفقهية، ويستعين على ذلك بالطرفة والقصة، وأحياناً يسلسل لطلابه تاريخ الفكرة منذ نشوؤها وتطورها، فيجد الطالب نفسه أمام خريطة ذهنية متسلسلة ومرتبة، لا تفارق مخيلته.
 
ومن طريف المسائل التي علقت بالذاكرة عن شيخنا، أن أحد الزملاء سأله عن حكم التسبيح قبل صلاة الفجر عند السحر، حيث يتبارى المؤذنون في أوقات السحر لاستعراض حناجرهم، فيشوشون على القائم، ويفزعون الشيخ؛ وقد شكا من ذلك الشيخ العراقي محمد أحمد الراشد، وعدها من منغصات مدينة صنعاء. وقد كان جواب شيخنا العمراني حاسماً ببدعيتها، فلما أكثرنا عليه، التفت وقال: مات الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسبح أحد في عهده، وتوفي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وفلان وفلان وظل يعدد الخلفاء حتى وصل إلى الخليفة المهدي العباسي، فقال: وفي عهده اُستحدث التسبيح، فضحكنا من سرده للخلفاء، وكان جواباً ذكياً كعادته، حيث بان للمنازعين أنها بدعة متأخرة.
 
3. الفطرية في تعامله مع مختلف الأجيال: فمن الصعوبة أن يستوعب معلم سبعة أجيال مختلفة، إلا أن النفوس وجدت في نفسية الشيخ صفاء وفطرية تناغي أصلها وطبيعتها، فانجذبت إليه، ولذلك لم تحدث بين الشيخ وبين طلابه فجوة الأجيال المعروفة، لأنه وهو التسعيني يحمل قلب ذلك الطفل البريء الجميل. وذات يوم أراد أحد الطلاب أن يأخذ صورة للذكرى مع الشيخ، وكان الطالب يفكر أن تكون صورة عادية في المسجد، غير أن الشيخ أخذ بيد الطالب وذهب معه إلى استيديو التصوير، كي يلتقط معه صورة احترافية زاهية. فكان الموقف المتواضع أبلغ في نفس الطالب من سبعين موعظة.
 
وليس ذلك بمستغرب من سمت شيخنا فالتواضع إحدى تجليات الفطرية لديه، بل كان دائماً ما يردد عن نفسه: (إنما هي دعوة أمي، فأنا لست بعالم، وإنما محب للعلم).
4. الفطرية في صبغ البيئة لا الاصطباغ بها: تشتهر بيئة صنعاء القديمة، بالتعصب الهادوي الذي يتلمظ من مزاحمة المدرسة السنية له، فلم يتأثر ببيئة التعصب، بل العكس من ذلك، كان مناراً للتسامح، والانفتاح على المذاهب، واقتفاء الدليل أينما وجد.
 
ذات مرة جاءه تلميذه محمد الكريمي يسأله أيتمذهب أم لا؟ فقال له: لن أنصحك بهذا ولا هذا، فإن تمذهبت لفحك التعصب، وإن درست الفقه المقارن، تشتت ذهنك دون أن تتقن الفن، ولكن اختر لنفسك ما شئت وفق قدراتك، مضمراً الانحياز للدليل وللحق متى بان لك، فالحق أحق أن يتبع.
 
- والشيخ يقرر تلك الوصية لتلميذه باعتبارها ترجمة أمينة لسيرة الشيخ، فالشيخ أتقن مذهب أهل بلدته، ثم انفتح على بقية المذاهب، حتى صار مجتهداً مستقلاً كإمامه الشوكاني. فلم يكن الشيخ محصوراً في مدرسة ما، فقد نهل من المدرسة الإصلاحية ورائدها رشيد رضا، وتتلمذ باكراً على تراث الشوكاني، وكان أول كتب الشوكاني التي وقعت في يده باكراً (وبل الغمام) و(السيل الجرار)، وقد علق الشيخ عليها قائلاً: (وقد أكسباني حرية، وشجاعة مكنتني من الاستقلال والاجتهاد فيما بعد).
 
سبعون سنة قضاها الشيخ في تعليم الأجيال، فقد بدأ التدريس باكراً في عام 1942م وعمره حينذاك 21 سنة، ثم توقف عن التدريس عام 2011م، حين أصيب بجلطة هدت قواه.
وقد أنهى حلقته العلمية كما بدأ، منكباً على العلم وأهله، نفساً سموحة، وفطرة نقية لم تخترقها عواصف الأيام، وفي يوم موته خرجت صنعاء في جنازته، انحيازاً لمذهب الفطرة، ووهج السنة التي تغلغلت في وجدان الشيخ رحمه الله.
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء