معلومات تنشر لأول مرة عن طبيعة لقاء وفد طارق صالح بقيادات محور تعز     هل طيران التحالف يفتح الطريق أمام الحوثي في مأرب؟     14 أكتوبر موعد التحول والمجد.. غوص في التفاصيل     عملية اغتيال ضباط في سيئون من مدينة تعز     "حكمة يمانية" جديد المواقع الفكرية اليمنية     المجتمع يقاوم الملشنة.. صنعاء ليست حوزة إيرانية     احتفائية خاصة بمناسبة مرور 10 سنوات على نيل توكل كرمان جائزة نوبل للسلام     افتتاح رسمي لأول جامعة في محافظة شبوة بعدد من التخصصات العلمية     كيف تغير الصين مستقبل الإنترنت في العالم؟     ارتفاع حصيلة المواجهات بين فصائل الانتقالي إلى 7 وعشرة جرحى     الشرعية حين تساهم في تمدد الحوثيين داخل فراغ ضعفها     26 سبتمبر والحوثيون.. عيدنا ومأتمهم     شهوة الإعدامات بحق اليمنيين لدى الحوثيين عبر تزييف العدالة     إعدامات حلفاء إيران بحق أبرياء يمنيين من تهامة     تقرير أولي عن توثيق بئر برهوت (الأسطورة) في محافظة المهرة    

الخميس, 17 يونيو, 2021 11:32:00 مساءً

اليمني الجديد - د. سامي نعمان الأثوري

نواصل في هذه المقالة الكلام حول السنة والحديث، وكنا فرغنا في مقالة سابقة إلى أن ثمة فرقا واضحا وقديما بينهما، وقدمنا بعض الحجج العقلية ونقلنا بعض النصوص التي تؤيد ذلك.
 
ونضيف الآن أدلة نقلية وعقلية أخرى، ونواصل النقاش في هذه القضية الواضحة لدى من عنده بصيص من عقل أو أثارة من علم.
 
ونبدأ بسرد المزيد من أقوال العلماء العارفين من القرون الأولى، تلك التي تميز بوضوح بين السنة والحديث؛ حتى لا يكابر من يتخذ كلام القدماء المؤيدة لقوله سلطة يحاجج بها كل من يخالفه. على أن كلام الكثير من هؤلاء القدماء يفهم على غير الوجوه التي أرادها أصحابها. وأيا يكن، فهذه طائفة أخرى من هذه الأقوال والروايات:
ﺭﻭﻱ ﺃﻥ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ- ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ- ﻗﺎﻝ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻨﺒﺮ: أﺣﺮﺝ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺭﺟﻞ ﺭﻭﻯ ﺣﺪﻳﺜﺎ العمل ﻋﻠﻰ ﺧﻼﻓﻪ. وقد قيل إن عمر قال ذلك عندما بلغته أحاديث لا يعرفها ولا يعرفها من حوله.
 
وﻗﺎﻝ اﺑﻦ اﻟﻘﺎﺳﻢ ﻭاﺑﻦ ﻭﻫﺐ ﺭﺃﻳﺖ اﻟﻌﻤﻞ ﻋﻨﺪ ﻣﺎﻟﻚ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻦ اﻟﺤﺪﻳﺚ. ﻗﺎﻝ ﻣﺎﻟﻚ: ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﺭﺟﺎﻝ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ ﻣﻦ اﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ ﻳﺤﺪﺛﻮﻥ ﺑﺎﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﻭﺗﺒﻠﻐﻬﻢ ﻋﻦ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﻓﻴﻘﻮﻟﻮﻥ ﻣﺎ ﻧﺠﻬﻞ ﻫﺬا، ﻭﻟﻜﻦ ﻣﻀﻰ اﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮﻩ. لا يمكن القول هنا إن مالكا يرد السنة، بل تصرفه هذا نابع من وحي الحفاظ على السنة، أي الطريقة المعتادة والسيرة المعروفة التي عليها العمل. وهذا يعني أنه يفرق بوضوح بين السنة والحديث إجرائيًا كما أسلفنا في مقالة سابقة. 
 
 ويعزز هذا الفهم هذه الروايات أيضا: قال مالك: ﺭﺃﻳﺖ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ بن ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺣﺰﻡ ﻭﻛﺎﻥ ﻗﺎﺿﻴﺎ، ﻭﻛﺎﻥ ﺃﺧﻮﻩ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﻛﺜﻴﺮ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﺭﺟﻞ ﺻﺪﻕ، ﻓﺴﻤﻌﺖ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺇﺫا ﻗﻀﻰ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺎﻟﻘﻀﻴﺔ ﻗﺪ ﺟﺎء ﻓﻴﻬﺎ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻣﺨﺎﻟﻔﺎ ﻟﻠﻘﻀﺎء ﻳﻌﺎﺗﺒﻪ، ﻭﻳﻘﻮﻝ ﻟﻪ: ﺃﻟﻢ ﻳﺄﺕ ﻓﻲ ﻫﺬا ﺣﺪﻳﺚ ﻛﺬا؟ ﻓﻴﻘﻮﻝ ﺑﻠﻰ. ﻓﻴﻘﻮﻝ ﺃﺧﻮﻩ ﻓﻤﺎ ﻟﻚ ﻻ ﺗﻘﻀﻲ ﺑﻪ؟ ﻓﻴﻘﻮﻝ ﻓﺄﻳﻦ اﻟﻨﺎﺱ ﻋﻨﻪ؟ ﻳﻌﻨﻲ ﻣﺎ ﺃﺟﻤﻊ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ اﻟﻌﻠﻤﺎء ﺑاﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ اﻟﻌﻤﻞ ﺑﻬﺎ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻦ اﻟﺤﺪﻳﺚ. وﻗﺎﻝ اﺑﻦ اﻟﻤﻌﺬﻝ ﺳﻤﻌﺖ ﺇﻧﺴﺎﻧﺎ ﺳﺄﻝ اﺑﻦ اﻟﻤﺎﺟﺸﻮﻥ ﻟﻢ ﺭﻭﻳﺘﻢ اﻟﺤﺪﻳﺚ ﺛﻢ ﺗﺮﻛﺘﻤﻮﻩ؟ ﻗﺎﻝ: ﻟﻴﻌﻠﻢ ﺃﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﻠﻢ ﺗﺮﻛﻨﺎﻩ. ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﻣﻬﺪﻱ: اﻟﺴﻨﺔ اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ ﻣﻦ ﺳﻨﺔ ﺃﻫﻞ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﺤﺪﻳﺚ. ﻭﻗﺎﻝ ﺃﻳﻀﺎ ﺇﻧﻪ ﻟﻴﻜﻮﻥ ﻋﻨﺪﻱ ﺃﻭ ﻧﺤﻮﻩ.
 
ﻭﻗﺎﻝ ﺭﺑﻴﻌﺔ ﺃﻟﻒ ﻋﻦ ﺃﻟﻒ ﺃﺣﺐ ﺇﻟﻲ ﻣﻦ ﻭاﺣﺪ ﻋﻦ ﻭاﺣﺪ ﻷﻥ ﻭاﺣﺪا عن ﻭاﺣﺪ ﻳﻨﺘﺰﻉ اﻟﺴﻨﺔ ﻣﻦ ﺃﻳﺪﻳﻜﻢ. وﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺣﺎﺯﻡ ﻛﺎﻥ ﺃﺑﻮ اﻟﺪﺭﺩاء ﻳﺴﺄﻝ ﻓﻴﺠﻴﺐ ﻓﻴﻘﺎﻝ ﺃﻧﻪ ﺑﻠﻐﻨﺎ ﻛﺬا ﻭﻛﺬا ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺎ ﻗﺎﻝ.
 
ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﻭﺃﻧﺎ ﻗﺪ ﺳﻤﻌﺘﻪ ﻭﻟﻜﻨﻲ ﺃﺩﺭﻛﺖ العمل ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ. ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ اﻟﺰﻧﺎﺩ ﻛﺎﻥ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﻳﺰ ﻳﺠﻤﻊ اﻟﻔﻘﻬﺎء ﻭﻳﺴﺄﻟﻬﻢ ﻋﻦ اﻟﺴﻨﻦ ﻭاﻷﻗﻀﻴﺔ اﻟﺘﻲ يُعمَل ﺑﻬﺎ ﻓﻴﺜﺒﺘﻬﺎ، ﻭﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻨﻪ ﻻ ﻳﻌﻤﻞ ﺑﻪ اﻟﻨﺎﺱ ﺃﻟﻐﺎﻩ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﺨﺮﺟﻪ ﻣﻦ ﺛﻘﺔ. ﻭﻗﺎﻝ ﻣﺎﻟﻚ: اﻧﺼﺮﻑ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻣﻦ ﻏﺰﻭﺓ ﻛﺬا ﻓﻲ ﻧﺤﻮ ﻛﺬا، ﻭﻛﺬا ﺃﻟﻔﺎ ﻣﻦ اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ، ﻣﺎﺕ ﺑاﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻣﻨﻬﻢ ﻧﺤﻮ ﻋﺸﺮﺓ ﺁﻻﻑ ﻭﺑﺎﻗﻴﻬﻢ ﺗﻔﺮﻕ ﺑﺎﻟﺒﻠﺪاﻥ ﻓﺄﻳﻬﻤﺎ ﺃﺣﺮﻯ ﺃﻥ ﻳﺘﺒﻊ ﻭﻳﺆﺧﺬ ﺑﻘﻮﻟﻬﻢ؟ ﻣﻦ ﻣﺎﺕ ﻋﻨﺪﻫﻢ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ اﻟﺬﻳﻦ ﺫﻛﺮﺕ؟ ﺃﻭ ﻣﺎﺕ ﻋﻨﺪﻫﻢ ﻭاﺣﺪ ﺃﻭ اﺛﻨﺎﻥ ﻣﻦ أﺻﺤﺎﺏ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ؟ ﻗﺎﻝ ﻋﺒﻴﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻜﺮﻳﻢ: ﻗﺒﺾ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻋﻦ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﺃﻟﻒ ﻋﻴﻦ ﺗﻄﺮﻑ. ينظر في هذه الروايات ترتيب المدارك وتقريب المسالك لأبي الفضل اليحصبي المتوفى 544هـ، وثمة روايات أخرى تصب في خانة هذا التفريق، وردت في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني المتوفى430هـ مثلا وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم المتوفى327هـ.
 
وكل هذه أقوال تدعم فرضية أن القوم كانوا يفرقون بين السنة والحديث على ذلك النحو، وأن ذلك الفرق كان مستقرا في وعيهم أو في وعي كثير منهم في الأقل. ولا يجرؤ أيٌّ منا أن يقول إن هؤلاء كانوا منكرين للسنة؛ إن هذا سفه من القول وإفك مبين.
 
والآن، علام يستند أولئك الذين يرادفون بين هذين المصطلحين؟ على مثل قوله تعالى "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" وعلى مجموعة من النصوص الأخرى في القرآن والحديث، وهي نصوص عامة حملوها من الفهم ما لا تحتمل، مثل تلك النصوص التي ترشد إلى طاعة الرسول وتحذر من مخالفته، وتنذر هؤلاء المخالفين بالعذاب الأليم.
 
ويلاحَظ أن هؤلاء يفسرون معاني تلك النصوص واقفين على دلالاتها القريبة أو معانيها الحرفية، أي على جزئية المعجم ضاربين صفحا عن سياقاتها وملابساتها وظروفها الاجتماعية والسياسية التي تنزلت أو قيلت فيها.
وعلى سبيل الإلماع نظروا في الآية السابقة "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" فقالوا إن كل ما يخرج من محمد من كلام هو وحي من الله، سواء كان قرآنا أو غيره. ومن ثم، بنوا على هذا الفهم أن مخالفة كلام هذا النبي إنكار لسنته، وهو ما يستدعي الكفر والعذاب الأليم، وهو فهم انبنى على الاستغناء عما يحيط بهذه الآية من سياق وقرائن أحوال، وما يحفها من ظروف وملابسات استدعت إلى هذا الإخبار أو هذا التنزيل.
 
جاء في محاسن التأويل للقاسمي: ﻭﻣﺎ ﻳﻨﻄﻖ ﻋﻦ اﻟﻬﻮﻯ ﺃﻱ ﻭﻣﺎ ﻳﻨﻄﻖ ﺑﻬﺬا اﻟﻘﺮﺁﻥ ﻋﻦ ﻫﻮاﻩ ﻭﺭﺃﻳﻪ. ﻭﻓﻴﻪ ﺗﻌﺮﻳﺾ ﺑﻬﻢ ﺃﻳﻀﺎ ﺇﻥ ﻫﻮ ﺇﻻ ﻭﺣﻲ ﻳﻮﺣﻰ ﺃﻱ ﻣﺎ ﻫﺬا اﻟﻘﺮﺁﻥ ﺇﻻ ﻭﺣﻲ ﻣﻦ اﻟﻠﻪ ﻳﻭحيه ﺇﻟﻴﻪ. ثم يقول:
 
 ﻭاﻟﻀﻤﻴﺮ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ، ﻟﻔﻬﻤﻪ ﻣﻦ اﻟﺴﻴﺎﻕ، ﻭﻷﻥ ﻛﻼﻡ اﻟﻤﻨﻜﺮﻳﻦ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺷﺄﻧﻪ.
 
ﻭﺃﺭﺟﻌﻪ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻳﻨﻄﻖ ﺑﻪ ﻣﻄﻠﻘﺎ. ﻭاﺳﺘﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻟﺴﻨﻦ اﻟﻘﻮﻟﻴﺔ ﻣﻦ الوحي، ﻭﻗﻮاﻩ ﺑﻤﺎ ﻓﻲ (ﻣﺮاﺳﻴﻞ) ﺃﺑﻲ ﺩاﻭﺩ ﻋﻦ ﺣﺴﺎﻥ ﺑﻦ ﻋﻄﻴﺔ ﻗﺎﻝ: ﻛﺎﻥ ﺟﺒﺮﻳﻞ ﻳﻨﺰﻝ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺑﺎﻟﺴﻨﺔ، ﻛﻤﺎ ﻳﻨﺰﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺎﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻭﻳﻌﻠﻤﻪ ﺇﻳﺎﻫﺎ، ﻛﻤﺎ ﻳﻌﻠﻤﻪ اﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻭاﺳﺘﺪﻝ ﺃﻳﻀﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻊ اﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﻟﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ. ﻭاﻟﺼﻮاﺏ ﻫﻮ اﻷﻭﻝ. ﺃﻋﻨﻲ: ﻛﻮﻥ ﻣﺮﺟﻊ اﻟﻀﻤﻴﺮ ﻟﻠﻘﺮﺁﻥ، ﻟﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ، ﻓﺈﻧﻪ ﺭﺩ ﻟﻘﻮﻟﻬﻢ (اﻓﺘﺮاﻩ) ﻭاﻟﻘﺮﻳﻨﺔ ﻣﻦ ﺃﻛﺒﺮ اﻟﻤﺨﺼﺼﺎﺕ ﻭﺟﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻛﺜﻴﺮا ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺑﺎﻟﺮﺃﻯ ﻓﻲ ﺃﻣﻮﺭ اﻟﺤﺮﺏ، ﻭﺃﻣﻮﺭ ﺃﺧﺮﻯ. ﻓﻼ ﺑﺪ ﻣﻦ اﻟﺘﺨﺼﻴﺺ ﻗﻄﻌﺎ، ﻭﺑﺄﻧﻪ ﻻ ﻗﻮﺓ ﻓﻲ اﻟﻤﺮاﺳﻴﻞ، ﻟﻤﺎ ﺗﻘﺮﺭ ﻓﻲ اﻷﺻﻮﻝ. ﻭﺑﺄﻥ اﻵﻳﺔ ﻻ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻊ اﻻﺟﺘﻬﺎﺩ اﻟﻤﺬﻛﻮﺭ، ﻭﻟﻮ ﺃﻋﻴﺪ اﻟﻀﻤﻴﺮ ﻟﻤﺎ ﻳﻨﻄﻖ ﻣﻄﻠﻘﺎ. ﻷﻥ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺇﺫا ﺳﻮﻍ ﻟﻪ اﻻﺟﺘﻬﺎﺩ، ﻛﺎﻥ اﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﻭﻣﺎ ﻳﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻴﻪ ﻛﻠﻪ ﻭﺣﻲا، ﻻ ﻧﻄﻘﺎ ﻋﻦ اﻟﻬﻮﻯ. ﻷﻧﻪ ﺑﻤﻨﺰﻟﺔ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﻟﻨﺒﻴﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ (ﻣﺘﻰ ﻣﺎ ﻇﻨﻨﺖ ﻛﺬا ﻓﻬﻮ ﺣﻜﻤﻲ) ﺃﻱ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺃﻟﻘﻴﺘﻪ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻚ ﻓﻬﻮ ﻣﺮاﺩﻱ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻭﺣﻲا ﺣﻘﻴﻘﺔ، ﻻﻧﺪﺭاﺟﻪ ﺗﺤﺖ اﻹﺫﻥ اﻟﻤﺬﻛﻮﺭ، ﻷﻧﻪ ﻣﻦ ﺃﻓﺮاﺩﻩ. ﻓﻤﺎ ﻗﻴﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺃﻥ الوحي اﻟﻜﻼﻡ اﻟﺨﻔﻲ اﻟﻤﺪﺭﻙ ﺑﺴﺮﻋﺔ، ﻓﻼ ﻳﻨﺪﺭﺝ ﻓﻴﻪ اﻟﺤﻜﻢ اﻻﺟﺘﻬﺎﺩﻱ ﺇﻻ ﺑﻌﻤﻮﻡ اﻟﻤﺠﺎﺯ. ﻣﻊ ﺃﻧﻪ ﻳﺄﺑﺎﻩ ﻗﻮﻟﻪ: ﻋﻠﻤﻪ ﺷﺪﻳﺪ اﻟﻘﻮﻯ.
 
وربما وجد هؤلاء القائلون بأن محمدا لا ينطق إلا بوحي دليلا نحويا أيضا خلاصته أن الضمير هو يعود على مصدر متصيد من الفعل ينطق أي المنطوق به، وهو ما أشار إليه القاسمي في كلامه الآنف إشارة مجملة وفصله ابن عاشور في التحرير والتنوير، وجعله كقوله تعالى "اعدلوا هو أقرب للتقوى" أي العدل هو أقرب للتقوى، والحق أن هذا يحتمل نحويا أيضا، ولكن السياق، الذي منه سبب النزول، لا يساعد على هذا الفهم، وليس أمامنا، حينئذ، إلا القول إن المقصود هو القرآن. وابن عاشور يورد القولين، ولكنه لا يقول إن كل كلام محمد وحي، بل منه ما هو وحي ومنه ما هو اجتهاد. 
 
وتلك فكرة واضحة لدى ابن عاشور، ففي قوله تعالى "إن أتبع إلا ما يوحى إلي" يشير إلى أن القصر هنا قصر إضافي لا حقيقي، أي إنني أبلغ ما يوحى إلي بالقياس إلى اقتراحهم، وهذا واضح من سياق الآية "ﻭﺇﺫا ﺗﺘﻠﻰ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺁﻳﺎﺗﻨﺎ ﺑﻴﻨﺎﺕ ﻗﺎﻝ اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﺮﺟﻮﻥ ﻟﻘﺎءﻧﺎ اﺋﺖ ﺑﻘﺮﺁﻥ ﻏﻴﺮ ﻫﺬا ﺃﻭ ﺑﺪﻟﻪ ﻗﻞ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻲ ﺃﻥ ﺃﺑﺪﻟﻪ ﻣﻦ ﺗﻠﻘﺎء ﻧﻔﺴﻲ ﺇﻥ ﺃﺗﺒﻊ ﺇﻻ ﻣﺎ ﻳﻮﺣﻰ ﺇﻟﻲ". ومعنى القصر الإضافي ما كان التخصيص فيه بحسب الإضافة إلى شيء آخر بمعنى عدم مجاوزة الأول الثاني إلى شيء آخر معين وإن أمكن أن يتجاوزه إلى غيره. أو هو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بالنسبة إلى شيء معين؛ أي بالإضافة إليه، بحيث لا يتجاوزه إلى ذلك المعين. فعندما أقول الشاعر البردوني لا الزبيري، فأنا أقصر الشاعرية على البردوني، ولكن ليس قصرا مطلقا (حقيقيا) بل بالنظر إلى شعر الزبيري، أي إني لم أنف أن يكون هناك شعراء يتجاوزون البردوني فقد يكون هناك شعراء يفوقونه. ونمثل بمثال آخر لتتضح الصورة ومن ثم القضية التي نحن بصددها، عندما يقال: زهير شاعر لا كاتب، فالمراد قصر زهير على صفة الشعر؛ بحيث لا يتجاوزها إلى صفة معينة محددة، وهي صفة الكتابة، وهذا لا ينافي أن يكون لزهير صفات أخرى كالخطابة مثلا، أو أي مهنة أخرى يجيدها ليس بينها الكتابة. فكذلك هنا، فقد قصر الرسول وظيفته على اتباع ما يوحى إليه، فإنما جاء هذا القصر بالنظر إلى اقتراحهم أو طلبهم من تبديل القرآن أو تغييره، وهذا لا ينفي أن يكون للنبي وظائف وتصرفات أخرى واجتهادات يجتهدها في إطار هذا الدين ومبادئه العامة لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة أو رأي يراه من دون وحي، كما سيأتي. كأنه قال إن أتبع إلا ما يوحى إلي لا ما تقترحونه عليَّ.
 
قال ابن عاشور: ﻭﻗﺮﻳﻨﺔ ﻛﻮﻧﻪ ﺇﺿﺎﻓﻴﺎ ﻭﻗﻮﻋﻪ ﺟﻮاﺑﺎ ﻟﺮﺩ اﻗﺘﺮاﺣﻬﻢ. ﻓﻤﻦ ﺭاﻡ ﺃﻥ ﻳﺤﺘﺞ ﺑﻬﺬا اﻟﻘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﻡ ﺟﻮاﺯ اﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﻟﻠﻨﺒﻲء ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻓﻘﺪ ﺧﺮﺝ ﺑﺎﻟﻜﻼﻡ ﻋﻦ ﻣﻬﻴﻌﻪ. والذي يقصد إليه ابن عاشور هنا هو أنه لا أحد يستطيع أن ينفي الاجتهاد عن النبي استدلالا بهذه الآية؛ فالقصر فيها إضافي لا حقيقي. ومن حاول ذلك خرج بالكلام عن طريقه الواضح.
 
وفكرة أن محمدا كان يجتهد فكرة صائبة تماما، ولكن اجتهاده غير ملزم لنا لأنه اجتهد ليعالج قضايا ظرفية في مجتمعه، وليس ذلك الاجتهاد بالضرورة صالحا لحل مشكلات أو قضايا أخرى في كل بيئة وفي كل زمن، بحيث يقال لا اجتهاد مع ورود النص. هذا عته وجنون؛ وقول فضفاض ومضلل؛ ذلك أن الحياة متطورة ومتجددة، فكيف لنصوص محدودة وقيلت في ظروفها الخاصة لتعالج مشكلات وقضايا في بيئة مختلفة وزمن مختلف، كيف لها أن تحل مشكلات في زمن آخر وتعالج قضايا في بيئات أخرى أكثر تعقيدا وأكثر تشابكا؟! 
 
ولقد نعلم أن الشافعي نفسه يقسم السنة إلى أقسام، قسمين لا خلاف فيهما، كما يقول والقسم الآخر وقع فيه خلاف، يقول في رسالته: 
ﻓﻠﻢ ﺃﻋﻠﻢ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ ﻣﺨﺎﻟﻔﺎ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺳﻨﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﻦ ﺛﻼﺛﺔ ﻭﺟﻮﻩ، ﻓﺎﺟﺘﻤﻌﻮا منها ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻬﻴﻦ.
 
ﻭاﻟﻮﺟﻬﺎﻥ ﻳﺠﺘﻤﻌﺎﻥ ﻭﻳﺘﻔﺮﻋﺎﻥ: ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ: ﻣﺎ ﺃﻧﺰﻝ اﻟﻠﻪ ﻓﻴﻪ ﻧﺺ ﻛﺘﺎﺏ، ﻓﺒﻴﻦ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﻣﺜﻞ ﻣﺎ ﻧﺺ اﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻭاﻵﺧﺮ: ﻣﻤﺎ ﺃﻧﺰﻝ اﻟﻠﻪ ﻓﻴﻪ ﺟﻤﻠﺔ ﻛﺘﺎﺏ، ﻓﺒﻴﻦ ﻋﻦ اﻟﻠﻪ ﻣﻌﻨﻰ ﻣﺎ ﺃﺭاﺩ؛ ﻭﻫﺬاﻥ اﻟﻮﺟﻬﺎﻥ اﻟﻠﺬاﻥ ﻟﻢ ﻳﺨﺘﻠﻔﻮا ﻓﻴﻬﻤﺎ.
 
ﻭاﻟﻮﺟﻪ اﻟﺜﺎﻟﺚ: ﻣﺎ ﺳﻦ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﻓﻴﻤﺎ ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ ﻧﺺ ﻛﺘﺎﺏ.
فمنهم ﻣﻦ ﻗﺎﻝ: ﺟﻌﻞ اﻟﻠﻪ ﻟﻪ، ﺑﻤﺎ اﻓﺘﺮﺽ ﻣﻦ ﻃﺎﻋﺘﻪ ﻭﺳﺒﻖ ﻓﻲ ﻋﻠﻤﻪ ﻣﻦ ﺗﻮﻓﻴﻘﻪ ﻟﺮﺿﺎﻩ، ﺃﻥ ﻳﺴﻦ ﻓﻴﻤﺎ ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ ﻧﺺ ﻛﺘﺎﺏ.
ﻭمنهم ﻣﻦ ﻗﺎﻝ: ﻟﻢ ﻳﺴﻦ ﺳﻨﺔ ﻗﻂ ﺇﻻ ﻭﻟﻬﺎ ﺃﺻﻞ ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺳﻨﺘﻪ ﻟﺘﺒﻴﻴﻦ ﻋﺪﺩ اﻟﺼﻼﺓ ﻭﻋﻤﻠﻬﺎ، ﻋﻠﻰ ﺃﺻﻞ ﺟﻤﻠﺔ ﻓﺮﺽ اﻟﺼﻼﺓ، ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻣﺎ ﺳﻦ ﻣﻦ اﻟﺒﻴﻮﻉ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ اﻟﺸﺮاﺋﻊ، ﻷﻥ اﻟﻠﻪ ﻗﺎﻝ: "ﻻ ﺗﺄﻛﻠﻮا ﺃﻣﻮاﻟﻜﻢ ﺑﻴﻨﻜﻢ ﺑﺎﻟﺒﺎﻃﻞ (29)" 
 
[ اﻟﻨﺴﺎء]، ﻭﻗﺎﻝ: "ﻭﺃﺣﻞ اﻟﻠﻪ اﻟﺒﻴﻊ ﻭﺣﺮﻡ اﻟﺮﺑﺎ (275)" [ اﻟﺒﻘﺮﺓ]، ﻓﻤﺎ ﺃﺣﻞ ﻭﺣﺮﻡ ﻓﺈﻧﻤﺎ ﺑﻴﻦ ﻓﻴﻪ ﻋﻦ اﻟﻠﻪ، ﻛﻤﺎ ﺑﻴﻦ اﻟﺼﻼﺓ.
ﻭمنهم ﻣﻦ ﻗﺎﻝ: ﺑﻞ ﺟﺎءﺗﻪ ﺑﻪ ﺭﺳﺎﻟﺔ اﻟﻠﻪ، ﻓﺄﺛﺒﺘﺖ ﺳﻨﺘﻪ. ﻭمنهم ﻣﻦ ﻗﺎﻝ: ﺃﻟﻘﻲ ﻓﻲ ﺭﻭﻋﻪ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺳﻦ، ﻭﺳﻨﺘﻪ اﻟﺤﻜﻤﺔ: اﻟﺬﻱ ﺃﻟﻘﻲ ﻓﻲ ﺭﻭﻋﻪ ﻋﻦ اﻟﻠﻪ، ﻓﻜﺎﻥ ﻣﺎ ﺃﻟﻘﻲ ﻓﻲ ﺭﻭﻋﻪ ﺳﻨﺘﻪ."
 
فالسنة إما مكررة لما في الكتاب من نصوص وأحكام وإما مفصلة لمجمله، كما في تفصيل كيفية الصلاة والحج، ومثل هذا ينقل بالتواتر العملي غالبا. وثمة قسم ثالث مستقل وهنا يتصرف النبي في تبيين الأحكام ويجتهد انطلاقا من المبادئ والأصول العامة للدين، أي إن تصرفاته في هذه الحالة ليست وحيا، بل تصرف واجتهاد بناء على ما يشبه التفويض الخفي من الله. أو أنه كان لا يسن سنة إلا سنة لها أصل في نصوص الكتاب على الرأي الثاني... وأيا يكن فالعلماء أو بعضهم لم يجعلوا سنته التشريعية قسما واحدا في كونها وحيا من الله، وأن ذلك من الخلاف المستساغ والذي وقع فعلا من دون تكفير. والقول إن سنته كلها وحي ضرب من الإفك، ونوع من الخطأ منشؤه قلة الفهم وقصور الوعي. ويلاحظ أن الشافعي نفسه، بعد أن يسوق هذا الخلاف، لم يكشف لنا عن رأيه. فلا يصح أن نجعل السنة كلها في سلة واحدة وفي درجة واحدة.
 
ويتحدث أهل الأصول عن أنواع للسنن، فهناك تبليغية تشريعية عامة، والجميع مكلف بها. وهناك سنة تشريعية خاصة صدرت عن الرسول بصفة من صفاته غير التبليغية التشريعية العامة، كأن يقول قولا أو يتصرف تصرفا بوصفه إماما أو قائدا في حرب مثلا أو قاضيا، فهذه اجتهادات منه وفقا لظروف معينة، وليست واجبة الاتباع، كتدبيره لإعلان الحرب وعقد الهدن والمعاهدات والأوامر الحربية، وهناك سنن أخرى جبلية، ليست واجبة الاتباع. 
 
وفي الحق، أن النبي محمدا كان يعيش بين قومه، في ظروف مختلفة في السلم، وفي الحرب وكانت تأتيه مشكلات أو مسائل، كان يضع لها حلولا، إما عن طريق الوحي أو يجتهد اجتهادا يحقق للسائلين مصالحهم، والشريعة بنيت على مصالح العباد، وهو، كونه إماما أو قائدا كان يصدر أقوالا وإرشادات متحريا حل مشكلة أو تحقيق مصلحة في ظرف معين، وكونه قاضيا يفعل ذلك أيضا، "ألا إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع....." بنحو ما أسمع وليس بالوحي، ولو أن كل كلامه وحي لما احتاج إلى أن ينبه أصحابه ويحذرهم كل هذا التحذير. كذلك كان يوجه الجيش ويرشدهم إلى ما يجب فعله في المعركة "من قتل قتيلا فعليه سلبه". فهل مثل هذه الروايات التي اجتهد فيها النبي وصدرت منه بصفته غير التبليغية التشريعية ملزمة أو لنا أن نجتهد ونخالف هذه الروايات إذا كان ثمة مصلحة؟! الذي يبدو أن للمجتهدين أن يجتهدوا ويخالفوا تلك الروايات إذا ظهرت المصلحة أو المقصد بالاجتهاد الجديد. وحدث مثل ذلك فعلا، بل اجتهد عمر بن الخطاب وخالف نصوصا قطعية الدلالة، وهي نصوص من القرآن، لما رأى أن المصلحة العامة تقتضي العمل خلاف تلك النصوص، كان عمر يدرك الحكمة من التشريع ويفهم مقاصده وفلسفته، فهل يكون مخالفا لقول الله؟ اللهم لا. لأن الشارع يراعي في أحكامه مصالح العباد، فحيث كانت المصلحة فثم شرع الله.
وليس هذا القول بدعا فالإمام القرافي تحدث من هذه الزاوية في كتابه أنوار البروق في أنواء الفروق، يقول:
 
اﻟﻔﺮﻕ اﻟﺴﺎﺩﺱ ﻭاﻟﺜﻼﺛﻮﻥ ﺑﻴﻦ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﺗﺼﺮﻓﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﺑﺎﻟﻘﻀﺎء ﻭﺑﻴﻦ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﺗﺼﺮﻓﻪ ﺑﺎﻟﻔﺘﻮﻯ ﻭﻫﻲ اﻟﺘﺒﻠﻴﻎ ﻭﺑﻴﻦ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﺗﺼﺮﻓﻪ ﺑاﻹﻣﺎمة) ... ﺛﻢ ﺗﻘﻊ ﺗﺼﺮﻓﺎﺗﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺑﺎﻟﺘﺒﻠﻴﻎ ﻭاﻟﻔﺘﻮﻯ ﺇﺟﻤﺎﻋﺎ ﻭﻣﻨﻬﺎ ﻣﺎ ﻳﺠﻤﻊ اﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺑﺎﻟﻘﻀﺎء ﻭﻣﻨﻬﺎ ﻣﺎ ﻳﺠﻤﻊ اﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺑاﻹﻣﺎمة ﻭﻣﻨﻬﺎ ﻣﺎ ﻳﺨﺘﻠﻒ اﻟﻌﻠﻤﺎء ﻓﻴﻪ ﻟﺘﺮﺩﺩﻩ ﺑﻴﻦ ﺭﺗﺒﺘﻴﻦ ﻓﺼﺎﻋﺪا ﻓﻤﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻳﻐﻠﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺭﺗﺒﺔ ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻳﻐﻠﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﺧﺮﻯ ﺛﻢ ﺗﺼﺮﻓﺎﺗﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﺑﻬﺬﻩ اﻷﻭﺻﺎﻑ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﺁﺛﺎﺭﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻓﻜﻞ ﻣﺎ ﻗﺎﻟﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﺃﻭ ﻓﻌﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﺘﺒﻠﻴﻎ ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺣﻜﻤﺎ ﻋﺎﻣﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺜﻘﻠﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﺄﻣﻮﺭا ﺑﻪ ﺃﻗﺪﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﻛﻞ ﺃﺣﺪ ﺑﻨﻔﺴﻪ، ﻭﻛﺬﻟﻚ اﻟﻤﺒﺎﺡ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻨﻬﻴﺎ ﻋﻨﻪ اﺟﺘﻨﺒﻪ ﻛﻞ ﺃﺣﺪ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﻭﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﺼﺮﻑ ﻓﻴﻪ - ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ - ﺑﻮﺻﻒ اﻹﻣﺎمة ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﻷﺣﺪ ﺃﻥ ﻳﻘﺪﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻻ ﺑﺈﺫﻥ اﻹﻣﺎﻡ اﻗﺘﺪاء ﺑﻪ - ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ - ﻭﻷﻥ ﺳﺒﺐ ﺗﺼﺮﻓﻪ ﻓﻴﻪ ﺑﻮﺻﻒ اﻹﻣﺎﻣﺔ ﺩﻭﻥ اﻟﺘﺒﻠﻴﻎ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺫﻟﻚ ﻭﻣﺎ ﺗﺼﺮﻑ ﻓﻴﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﺑﻮﺻﻒ اﻟﻘﻀﺎء ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﻷﺣﺪ ﺃﻥ ﻳﻘﺪﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻻ ﺑﺤﻜﻢ ﺣﺎﻛﻢ اﻗﺘﺪاء ﺑﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﻭﻷﻥ اﻟﺴﺒﺐ اﻟﺬﻱ ﻷﺟﻠﻪ ﺗﺼﺮﻑ ﻓﻴﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﺑﻮﺻﻒ اﻟﻘﻀﺎء ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺫﻟﻚ ﻭﻫﺬﻩ ﻫﻲ اﻟﻔﺮﻭﻕ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻩ اﻟﻘﻮاﻋﺪ اﻟﺜﻼﺙ. ويستمر القرافي بشرح كلامه بالأمثلة لكل حالة، فمثلا قوله عليه السلام: "من أحيا أرضا فهي له" هل قال ذلك بوصفه مبلغا أو بوصفه إماما وحاكما، ويختلف الحكم بناء على تصور هذين الفرضين. ولذا اختلف الفقهاء، فالشافعي قال بالأول وقال أبو حنيفة بالثاني. ومثل ذلك قول الرسول لهند زوج أبي سفيان وقد شكت له بخل زوجها وتقصيره في النفقة عليها "خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف" هل هذا الحكم جاء من طريق الفتوى فيكون حكما عاما لكل زمان ومكان وظرف أو هو تصرف بالقضاء فلا يصح أخذ شيء إلا بحكم القضاء؟ قولان للفقهاء.
 
يقول القرافي: اﺧﺘﻠﻒ اﻟﻔﻘﻬﺎء ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻭﻫﺬا اﻟﺘﺼﺮﻑ ﻣﻨﻪ - ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ - ﻫﻞ ﻫﻮ ﺑﻄﺮﻳﻖ اﻟﻔﺘﻮﻯ ﻓﻴﺠﻮﺯ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻇﻔﺮ ﺑﺤﻘﻪ ﺃﻭ ﺑﺠﻨﺴﻪ ﺃﻥ ﻳﺄﺧﺬﻩ ﺑﻐﻴﺮ ﻋﻠﻢ ﺧﺼﻤﻪ ﺑﻪ ﻭﻣﺸﻬﻮﺭ ﻣﺬﻫﺐ ﻣﺎﻟﻚ ﺧﻼﻓﻪ ﺑﻞ ﻫﻮ ﻣﺬﻫﺐ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﺃﻭ ﻫﻮ ﺗﺼﺮﻑ ﺑﺎﻟﻘﻀﺎء ﻓﻼ ﻳﺠﻮﺯ ﻷﺣﺪ ﺃﻥ ﻳﺄﺧﺬ ﺟﻨﺲ ﺣﻘﻪ ﺃﻭ ﺣﻘﻪ ﺇﺫا ﺗﻌﺬﺭ ﺃﺧﺬﻩ ﻣﻦ اﻟﻐﺮﻳﻢ ﺇﻻ ﺑﻘﻀﺎء ﻗﺎﺽ ﺣﻜﻰ اﻟﺨﻄﺎﺑﻲ اﻟﻘﻮﻟﻴﻦ ﻋﻦ اﻟﻌﻠﻤﺎء.
 
 ومثل ذلك الحديث المشار إليه قبلا "من قتل قتيلا فله سلبه". وللطاهر بن عاشور إشارة ذكية فبعد أن ذكر خلاصة كلام القرافي في هذا الحديث وتلخيصه لاختلاف العلماء في فهمه، قال: وقد كان الصحابة يفرقون بين ما كان من أوامر الرسول صادرا في مقام التشريع، وما كان صادرا في غير مقام التشريع. وإذا أشكل عليهم أمر سألوا عنه. ويسوق بعض الأدلة، ثم يقول: وقد يغلط بعض العلماء في بعض تصرفات رسول الله عليه الصلاة والسلام فيعمد إلى القياس عليها قبل التثبت في سبب صدورها.
 
والحق أن هذا الفهم، ليس صادرا عن مزاج وهوى بل عن استقراء دقيق للشريعة وفهم لروح الإسلام ومقاصده العظيمة.
 
وبعبارة كثيفة، ليست كل أقوال الرسول الكريم تبليغية، فثمة تصرفات تصدر عنه بصفته مبلغا عن ربه، وثمة تصرفات تصدر عنه بصفته إماما وحاكما، وبصفته قاضيا، وهناك، كما هو معروف، تصرفات جبلية، ولسنا ملزمين إلا بالنوع الأول. هذه أصول مهمة وقواعد مقررة. ومن أجل ذا، على المفتي أن يكون على اطلاع وافر عليها، وعليه أن يدرك أن الشريعة وضعت لمصالح العباد. ولذا، إذا تعارض نص مع مصلحة راجحة قدمت المصلحة؛ ولا معنى هنا للقاعدة: لا اجتهاد مع ورود النص.
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء