معلومات تنشر لأول مرة عن طبيعة لقاء وفد طارق صالح بقيادات محور تعز     هل طيران التحالف يفتح الطريق أمام الحوثي في مأرب؟     14 أكتوبر موعد التحول والمجد.. غوص في التفاصيل     عملية اغتيال ضباط في سيئون من مدينة تعز     "حكمة يمانية" جديد المواقع الفكرية اليمنية     المجتمع يقاوم الملشنة.. صنعاء ليست حوزة إيرانية     احتفائية خاصة بمناسبة مرور 10 سنوات على نيل توكل كرمان جائزة نوبل للسلام     افتتاح رسمي لأول جامعة في محافظة شبوة بعدد من التخصصات العلمية     كيف تغير الصين مستقبل الإنترنت في العالم؟     ارتفاع حصيلة المواجهات بين فصائل الانتقالي إلى 7 وعشرة جرحى     الشرعية حين تساهم في تمدد الحوثيين داخل فراغ ضعفها     26 سبتمبر والحوثيون.. عيدنا ومأتمهم     شهوة الإعدامات بحق اليمنيين لدى الحوثيين عبر تزييف العدالة     إعدامات حلفاء إيران بحق أبرياء يمنيين من تهامة     تقرير أولي عن توثيق بئر برهوت (الأسطورة) في محافظة المهرة    

الأحد, 02 مايو, 2021 09:56:00 مساءً

اليمني الجديد - يحي جابر

تنقلت بي الحياة في مواطن عدة، لعبت في الكثير من الحدائق والملاهي العالمية؛ ولكن لا يزال طيف الحنين إلى قريتي الصغيرة المتواضعة حيث قضيت مراتع الصبا يشدني للعودة إليها، للعيش فيها.  
 
وكلما داهمتني ضغوط الحياة ومنغصاتها، أتذكر ذلك الهدوء العميق، ونسمات الهواء الباردة التي تتخلل الأشجار والسفوح الخضراء فنفرح بها كونها تبشر بسحابة حاملة إلينا الرزق الوفير على هيئة قطرات. 
 
تحت وطأة هذا الإحساس المتكرر، حدثت نفسي ذات يوم بالعودة، وحينما عقدت العزم لزيارة أسرتي على أرض السعيدة (سابقاَ)؛ ذات ليلة شددت الرحال وحجزت التذكرة، مررت من خلال  سلطنة عمان الشقيقة التي فتحت لليمنين أبوابها للعبور حين أوصدتها الكثير من الدول، قررت المرور بمدينة الغيضة حاضرة المحافظة اليمنية النبيلة "المهرة"، كما راودتني فكرة الذهاب للساحل لأستمتع بالنسيم القادم من البحر، وفجأة وجدت نفسي بجانب شيخ طاعن في السن، يحمل عكازاً، لا يشبه أبناء المهرة، ألقيت عليه التحية، ففرح فرحاً شديداً ورد عليّ بحفاوة وابتسامة البسطاء الصادقة، ثم نقل عكازه من يده اليمني إلى الأخرى وصافحني ثم أمسك بيدي وقال: "هل لديك الوقت لنجلس سوياً هنا ونتحدث".؟! 
 
عرفت أن وراءه حكاية مثيرة، كنت قد خمّنت أنه من إحدى المحافظات الشمالية من خلال نبرات صوته ومخارج لهجته، فقلت له: ما اسمك يا والد؟! 
 
سريعاً أجاب: الحاج محمد السودي، فحينها تأكدت أنه من إحدى مديريات محافظة حجة، وخاصة حينما قال لي بلهجته: (وأنت من يانك يا ولدي) يعني من أين أنت؟ 
آثرت إلا أجيبه عن هذا السؤال لحاجة في نفسي، فقلت له إنك تشبه جدي الذي اشتقت له كثيراً وكنت أريد أن أطلب منك الحديث لولا أنك سبقتني.
 
جلسنا، فقلت له: ما هي قصتك يا عم محمد؟ 
تنهد تنهيدة طويلة ثم أجاب: "يا ولدي أصبحنا نخاف أن نتحدث، لأن لساني هذا قد أودعني السجن مرات"، ثم استطرد في الحديث قائلاً: لكن قلبي اطمأن لك، وسأخبرك وأرجو ألا أكون في طريقي لزنزانة جديدة، فضحكنا معاً. 
قلت له: تحدث ولا تخف أنا قادم من الخارج غادرت البلاد من عدة سنوات. 
 
فقال: "أنا من حجة (مستبأ) ثم تساقطت الدموع من عينيه، فحاولت الانشغال قليلا بالموبايل حتى لا أحرجه، ثم استمر في حديثه قائلاً: وأثناء الحرب اللعينة الأخيرة، كنت نائم في بيتي الذي نسكن فيه أنا وزوجتي وابنتي الوحيدة فسمعنا أصوات الألغام والذخائر تهز القرية، فنزلن زوجتي وابنتي- رفيقاتي الوحيدتين- إلى مكان الأبقار والأغنام وعندما فتحن الباب حصل انفجار كبير فهربت المواشي فوقهن فماتت زوجتي فوراً وأسعفنا ابنتي ولكنها ماتت هي الأخرى بعد يومين في المستشفى.
 
عدت من المستشفى ألُفّ أذيال الخيبة، وقلبي يقطر دماً وعيوني تسكب دمعاً، وعندما وصلت القرية وجدت بيتي قد أحيل إلى أطلال، وانتهى تماما وأصبح أثراً بعد عين". 
رددت في نفسي "حسبنا الله ونعم الوكيل" وكان جسمي يقشعر من هول ما يقول. 
 
ثم استغرقنا معاً في التفكير ملياً، حدثت نفسي بأنه يجب عليّ مواساته، وألا أظهر له المزيد من الأسى حتى لا أضاعف آلامه فقلت له: "حسبنا الله ونعم الوكيل، هذه دنيا يا عم محمد، نحتاج فيها للصبر...". 
 
قاطعني الحديث قائلاً: "عندما كنت في الطريق من المشفى كنت قد قررت الرحيل من تلك البلاد رغم مكانتها الكبيرة في قلبي، وحبها العميق في وجداني، لكنه كان من الصعب أن أبقى هناك أتجرع مرارة الفقد وغصص الآلام على إيقاع أحداث الذكريات، فقط كنت أريد أن أجمع بعض الأشياء من مقتنيات ابنتي وأمها لتبقى ذكريات للعجوز الذي سيستمر بقية أيامه التعيسة شريداً وحيداً". 
كانت هذه الجُمل أشد وأكثر وقعاً على مسامعي، ولم أعد استطيع مواساته، لكني كنت أرغب في معرفة كيفية تتابع بقية الأحداث على هذا المسكين. 
كان متحمس لإكمال القصة والتفريغ عما بداخله من آثار لتلك المصائب المكبوتة فلم ينتظر لي حتى أسأله فقال: 
"لم استقبل العزاء، لأن الحرب العمياء كانت لا زالت مشتعلة، ذهبت مباشرة وبلا شعور إلى الفرزة، ركبت سيارة أجرة عامة، ولم أسأل إلى أين ستتجه، لكن السائق سألني هل تريد صنعاء يا حاج، أومأت له برأسي، انطلقنا وكانت كل نقاط التفتيش تعرقل مرور تلك السيارة بسبب وجودي معهم، كون بطاقتي مكتوب فيها "مستبأ، (مديرية تابعة لحجور حيث كانت الحرب آنذاك) تضايق معظم الركاب مني وحتى السائق، كنت اسمع بعضهم يتخافتون فيما بينهم بأن يدفعوا للسائق مقابل أجرتي ويتركوني، لكن بعضهم ممن لا يزالون يحملون نخوة ورجولة الأقيال اليمانيين الأقحاح استنكروا الفكرة وهزؤا السائق والمتخافتين، كانت ستتطور بين الركاب مشكلة بسببي لولا أن السائق حسم الموقف بأن انحاز لصف الرافضين لفكرة إنزالي، أما أنا فلم أكن أبالي بشيء بل كنت أتمنى أن تتدحرج بنا السيارة من رأس جبل كحلان في أي لحظة". 
 
وأضاف: "وبينما كنا في السيارة كان بجانبي أحد الوشاة، يتصل وبصوت خافت وبرموز مبهمة أحياناً، استرق سمعي منه ذكره لبعض مواصفاتي ومواصفات السيارة التي نستقلها، كان يظن أني نائم". 
 
كنت انصت له بدهشة مما جرى عليه، وشفقة مما ستؤول إليه حياته، ثم بدأ يمازحني قائلاً: "للحكاية بقية لن أكملها لأنك بدأت تتألم أكثر مني" ثم أردف قائلا: "تلك الأيام السوداء قد مرت وإن شاء الله قد كتب الله لنا الأجر على الصبر، راجين منه أن ينتقم لنا". 
بلل فاه بقليل من الماء ثم قال: "سأختصر لك، المهم بعد رحلة شاقة وصلنا صنعاء، ونزل الركاب كلهم وبقيت أنا والسائق' فقال لي السائق: "وصلنا يا عم"، ثم أنزلني في مكان لا أعرفه لأنها كانت أول مرة أسافر صنعاء"
 كنت أترقب حركات جسمه وهو يستغرق في حديثه ويرسل بصره إلى الأمواج على البحر وكأنه يتلوا عليّ من بينها تلك الحكايات استمر قائلاً:
 
"ولكن كان المضيفون بانتظاري، ففي لحظة نزولي من السيارة التفوا حولي ثلاثة يسألوني بعض الأسئلة وطلبوا بطاقتي، ثم فتشوني تفتيش دقيق، استغربت كيف يعملون هكذا بالضيف في صنعاء، ثم أخذوني إلى مكان وأدخلوني بين أناس من أعمار مختلفة". 
ثم اقتضب وصفاً لحالته الجسدية والنفسية فقال:
 
"كان الإرهاق والحزن والجوع والألم ووعثاء السفر قد فتكوا بجسمي، طلبت منهم فرش لكي أنام فضحك كل من حولي، وقال أحدهم: الحاج يظن أنه في الفندق". 
جلست مكاني فرقدت بلا فرش ولا غطاء حتى جاؤوا يوقظوني، قال أحدهم: "يا حاج الآن دخلت في الساعة ال ٢٥ وأنت نائم، كنا نظن أنك قد مت". 
سألت شاباً يافعاً بجواري: أين نحن الآن يا ولدي.  
أجاب: نحن في السجن. 
فقلت له: أي سجن؟ 
 
أجاب هو وكل من بجواره: لا ندري. 
ثم قاموا وقدموا لي بعض الأكل المتواضع. 
لم يكن لدي أدنى شهية للأكل لكنهم أصروا عليّ أن آكل ما أسد به الرمق.. 
ثم أضاف: "تم استدعائي وكان بانتظاري ثلاثة أشخاص أحدهم يصور، والثاني يسأل، والثالث يكتب، سُئلت كثير من الأسئلة حتى رفضت إكمال الإجابة على بقية التساؤلات، وكنت قد أخبرتهم بقصة بيتي وأهلي، ولذلك اتفقوا بأنه لابد من الاستمرار في التحري ثم أعادوني للسجن". 
كانت الحيرة قد أخذت مني مأخذها وكنت أقول في نفسي هل فعلا حدث كل هذا!!! 
حدق في عيني وضحك واستمر في حديثه:
 
"المهم يا ولدي مكثت في السجن أسبوعين تعادل سنتين من العمر ولو تحدثت عن أحداثها لما انتهينا، ثم خرجت ولا أدري إلى أين أتجه وقلت لا طاقة لي بالمكوث في مدينة عشت أول أيامي فيها في الحبس، لكن خيار العودة إلى "مستبأ" كان غير مطروح مهما جرى، لأني كنت أتذكر أنه قد سلب مني هناك كل شيء، ولم يعد هناك ما يستحق أن أعود لأجله، ثم بكى بكاءً شديداً". 
أجبت مكالمة من الفندق وسألني هل تريد الغرفة؟
 فقلت له: احجز غرفة سريرين، لأني كنت قد عقدت العزم أن استضيفه عندي. 
كان يسمعني فقال: الله يستر قد فيه حبس جديد، ثم ضحكنا. 
ثم قام وقال: يا ولدي قد تأخرت عندي وأنا كثير الكلام. 
 
كنت متعطش لسماع بقية حكايته المؤلمة، فقلت له: "يا عم محمد كيف خرجت من صنعاء"؟ 
فأجاب: "لحسن الحظ تم إطلاق سراحي أنا ورجل خمسيني من محافظة ريمة اسمه أحمد، كان جليسي في الحبس، وكان قد عرف الكثير من حكايتي، وكان قد أخبرني أنه يشتغل في لوكندة في عدن، فعرض عليّ السفر معه؛ فلم أتردد."
تعجبت منه! كيف وافق؟ وإلى أين سيتجه؟ وما الذي ينتظره؟ 
أكمل حديثه قائلا:
 
"سافرنا حتى وصلنا على مشارف عدن وتم إنزالنا هناك أنا وصديقي أحمد من بين الركاب، ولا أدري ما السبب لحد الآن"؟ 
ثم أردف حديثه على عجل فقال:
 
"وهناك تم احتجازنا وافترقنا أنا ورفيقي النبيل أحمد- وكان قد أعطاني رقم لولده الذي أخبرني بأنه يعمل في سيارة أجرة من عدن إلى المهرة والعكس- مكثت في الحبس ثلاثة أيام ثم خرجت، وبينما كنت أمشي جاءت امرأة شابة لديها من النخوة والشهامة ما يكفي ثلاث قبائل، ومن الذكاء ما يحل كل مشكلاتها- يقصد القبائل- فسألتني عن مكان هناك، فقلت لها: "لا أعرف أين أنا ذلحين يا بنتي" فما كان منها إلا أن اهتمت بأمري وتركت أمرها وبدأت تسألني، وكنت أراها وكأنها تستقطع من وقتها استقطاعاً نظراً لانشغالها، كانت الورقة التي فيها رقم ابن صديقي أحمد في يدي، فأخذتها وقالت: "هل هذا الرقم لقريب لك" فأخبرتها عن هذا الرقم، فأخرجت هاتفها المحمول واتصلت عليه: وأخبرته بالقصة وشرحت لها كل التفاصيل وكأنها كانت ثالثتنا. يبدو أن ابن صديقي كان على مقربة منا، لم يتأخر حتى جاء لنا وأخذني معه في السيارة، وودعنا تلك المرأة التي أتمنى أن أستطيع مكافئتها، لكن لها نصيب من دعواتي على الدوام". 
 
ثم أردف قائلاً: "أخذني ابن صديقي أحمد معه إلى هنا "المهرة" واستأجر لي غرفة صغيرة، ولا يزال ذلك الوفي ابن الوفي يتعهدني بالزيارة بين الحين والآخر، وهنا ألفت الحياة، أذهب كل يوم إلى الشاطئ، أسترجع جزء من ذكرياتي وأخذ قسط عيوني من الدموع التي اعتادت تذرفها على الدوام، ثم أعود إلى غرفتي" 
 
كانت قصة العم محمد هي الأرعب بالنسبة لي، لم أتخيل أن بلادنا أصبحت مليئة بمثل هذه القصة التي صادفتها في الساعات الأولى لوصولي، لكنها يبدو قد تغيرت كثيراً وكثيراً، حينها قررت ألّا أكمل رحلة العودة.
هل بقي هناك ما يستحق أن تجعلنا نفكر في العودة، أم أن الكثير من اليمنيين سيقضون حياتهم قبل العودة؟
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء