الأعياد الوطنية.. ذاكرة شعب وجلاء كهنوت     قبيلة حجور تصدر بيانا حول اعتقال النقيب خليل الحجوري من قبل التحالف     "التهاني".. كجريمة بحق اليمن!     مؤامرة السهم الذهبي والمحافظة المزعومة     واشنطن تدين عودة مليشيا الحوثي إلى اختطاف موظفين في سفارتها بصنعاء     قصة الصرخة الحوثية "الموت لأمريكا"     فريق طبي بمستشفى يشفين ينجح في إجراء عملية معقدة لأحد المرضى     مركز المخا للدراسات الاستراتيجية يستضيف ورشة حول العلاقات اليمنية الصومالية     قراءة في دوافع انسحاب القوات المشتركة من الساحل الغربي ( تقدير موقف)     الإعلان عن تأسيس أول منظمة عالمية SYI للدفاع عن المهاجرين اليمنيين خارج وطنهم     معلومات وتفاصيل تكشف عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات المشتركة المفاجئ في الحديدة     محمد آل جابر بريمر اليمن     تحرك دولي ومحلي واسع للتحقيق مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في أكبر قضايا فساد     انتصار الريمي.. الإصرار على البقاء في زمن الحرب     معين عبدالملك لدى اليمنيين.. رئيس حكومة في عداد الموتى والمفقودين    

الجمعة, 30 أبريل, 2021 04:07:00 مساءً

اليمني الجديد - د. لمياء الكندي

في تتبع لحلقات التنوير اليمنية التي بدأنا لكتابتها وعرض سلسلتها تحت عنوان "من ذاكرة التنوير اليمنية" كانت البداية للتعريف برجال الحركة الوطنية الأوائل، الذين تصدوا للممارسات الإمامية وعاشوا عهدها الأول منذ بداية التسليم العثماني لليمن إلى الإمام يحيى وعهد العزلة التي أصبحت قرينة "هذا الاستقلال".
 
إن ما وصلنا من كتابات ووثائق تاريخية حول رجال الحركة الوطنية في بداية نشوئها قليل جدا مقارنة بغيرها، وذلك بحكم المرحلة التي غيبت فيها عن اليمن واليمنيين جميع وسائل النشر والطباعة حيث لم يكن ثمة في البلاد أي مطبعة سوى تلك التي خلفها العثمانيون وأصبحت ضمن موروثاتهم للإمام يحيى، فكانت المذكرات والرسائل الخطية المكتوبة التي تمكن الأحرار بعد فترة من وقوعها دليلنا إلى تلك الشخصيات التنويرية. 
 
وفي تتبعنا لحقبة التنوير في اليمن، مكنتنا تلك المصادر من تتبع نشاط وإسهام العديد من المصلحين الذين شكلوا نواة التنوير والإصلاح.
وكما كانت وقفتنا الأولى مع الشهيد الحرية الأول "محمد عبدالله المحلوي" رحمه الله، والوقوف على دورة التنويري والنضالي نقف اليوم أمام قامة أخرى من قامات التنوير الوطنية؛ إنه حكيم الثورة وفيلسوف الأحرار الشيخ الشهيد "حسن الدعيس"، الذي أمضى حياته عالما وناقدا ومصلحا لينهيها ثائرا وشهيدا.
 
لقد كان شمال اليمن منذ الاستقلال عن الدولة العثمانية وإعلان المملكة المتوكلية 1919م في حالة جمود وفوضى شاملة، دون أن تقوم السلطات الحاكمة بأي دور لها في محاولة الإصلاح إلا فيما يخص ضمان أمن السلالة واستمرارية حكمها معتمدة على أدوات من التضييق والخنق والعزل التام لليمن واليمنيين على العالم ومحيطها الإقليمي.
 
عند هذه المرحلة وقف فيلسوف أو حكيم الثورة الشيخ حسن الدعيس الذي عرف بمناهضته للسيطرة العثمانية على اليمن وقام بدعم الإمام يحيى في حربه ضد القوات البريطانية ومحاولة مد نفوذ سلطاته عليها فكان قائدا لحملتين عسكريتين قيادة الحملة بمنطقة ردفان عام 1927م مع أمير لواء إب يحيى محمد عباس، والحملة الثانية قيادة حملة في منطقة البيضاء 1929م، مع عبدالله الوزير.
 
لقد كان لموقف الإمام المتعنت تجاه قضايا ومطالب الإصلاح أثر في تحول النخب السياسية المحيطة به عن موقفها الأول ليتحول لرفض سياسته المتعنتة، ولنا ان نفسر موقف الدعيس من الإمام يحيى قبل زوال السيطرة العثمانية وبعدها بأنه كان موقفاً اعتبارياً ومبدأياً بالنسبة له، فهو لم يحالف الإمام وفق أطماع ومكاسب شخصية تمكنه من أن يكون ضمن الدائرة المقربة من الإمام شخصيا ولكن موقفه كان جليا بانحيازه التام كان لليمن ولأجل اليمن.
 
انضم الشهيد الدعيس الذي قضى حياته مدافعا عن بلاده وأنهاها شهيدا إلى قائمة المعارضة الوطنية أو بما عرف برجال التنوير في اليمن، شكل مع رفيقه محمد المحلوي نواة هذه المعارضة التي توسع عدد أفرادها ليشمل العشرات من رجال التنوير والإصلاح من النخب الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية الذين واجهوا الإمامة من قلب حكمها "صنعاء" ومن أوساط قصورها ومساجدها وشوارعها.
 
لقد فرضت المسؤولية الوطنية والمهام الوظيفية التي شغلها الدعيس، كشيخ ضمان لمديريات المناطق الوسطى لضمان جمع وتوريد أموال الزكاة من هذه النواحي، إلى جانب تعيينه مديرا للإدارة المالية في قضاء النادرة 1927م بأن يتصرف فيما يستلمه من بعض تلك الجبايات لفتح وإنشاء مكاتب تعليمية والزام الأهالي بالدفع بأبنائهم للالتحاق فيها،
 
لتشكل تلك بادرة في محاولة إصلاح الدولة والبعث بأنشطتها بما يعود على آهالي تلك المناطق بالنفع ولكن مخاوف الطاغية يحيى من محاولات نشر التعليم الأهلي بين الشعب وما قد تحدثه من تحول يستهدف سلطته دفعته إلى إغلاق تلك المكاتب واستدعاء الدعيس ومساءلته عما دفعه من أموال الزكاة لصالح تلك المكاتب التعليمية واعتبار تصرفه ذاك مخالفة تستوجب المحاسبة والتشكيك بذمته المالية لكنه تمكن من دحض كل الاتهامات حوله.
 
ظل الدعيس شاهدا على ظلم وتخلف سلطة الإمام لذا اعتبر أنه من أوجب الواجبات وأقدس المقدسات التي يتوجب فعلها هي إبداء مساوئ الإمامة وفضح أساليبها ودعوتها المتكررة إلى الإصلاح تحت سلطة الفكر والوعي التي تشكلت كثمرة من ثمار الاستبداد، عندما يواجه بالفكر والنقد والتوجيه والتخطيط، وهو الدور الذي بداه حسن الدعيس برفقة عدد من رموز التنوير بداية بمحمد عبدالله المحلوي ومرورا بالعزب والمطاع وغيرهم كثير ممن سنتناولهم في حلقات التنوير اليمنية.
 
أردا حكيمنا الدعيس أن يوجز تاريخ اليمن الاجتماعي والسياسي والديني والثقافي والعسكري في كتابة مستنيرة تحيط بالأوضاع كاملة عبر كتابة ذاتيه حملت تصور العالم والمفكر ومسؤوليته تجاه محاولات الإصلاح وما تعيشه اليمن إبان حكم الإمام يحيى.
لقد مثل الدعيس الحالة اليمنية عبر مجموعة حوارات منطقية بينه وبين شخصية متخيلة لسائح هندي جعل منه شاهدا وناقدا على سوء الأوضاع الداخلية وعلى هزيمة الجيش اليمني أمام قوات ابن سعود التي زحفت على تهامة.
 
ومن هذه الحادثة الأكثر إيلاما لنخب التنوير اليمنية وأكثر صحوة لها، يبدأ الدعيس في سرد حواره مع السائح الهندي الذي يرجع الدكتور عبدالعزيز المقالح في كتابة الصادر عن مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام باسم "حكم الثورة حسن الدعيس"، أسباب اختيار الدعيس للسائح الهندي كشخصية حوارية مهمة إلى كون الهند كانت في ذلك الوقت عبر زعيمها "غاندي" تمثل دورا يحتذى به في الإصلاح والمقاومة، ودراسة الحالة الهندية كتجربة ناجحة رغم ما تعيشه من تعدد إثني وعرقي لكنها تجاوزت مع وجود هذه الشخصية الحكيمة كل ذلك.
 
لقد بدأ الدعيس عبر حواريته هذه، (التي قام بتحليل وثيقتها الدكتور عبدالعزيز المقالح في كتاب صادر عن مركز نشوان الحميري) بنقده اللاذع ليس فقط لسياسة الإمام يحيى وهزيمته الأخيرة وانسحاب قواته من الحديدة ولكن نقده ذلك كان موجها إلى اليمنيين ككل إلى علمائها ونخبها وشيوخها فكان في حديثه ذلك صيغة التعميم بحيث يتحمل من الجميع مسألة تردي وتخلف الأوضاع كما يتحملون مسؤولية النهوض والإصلاح.
 
فيشير إلى ذلك الدور البطولي لقبيلة الزرانيق ودورها في صد الهجمات السعودية وانتفاضاتها القوية ضد الإمامة، وكيف تمكنت هذه القبائل المعزولة والمغلوبة من نظام يحيى حميد الدين من ان تواجه بنفسها شرور الإمامة والاجتياح السعودي لأراضيها قبل أن تعلن قوات الإمام يحيى وجيشه الذي يرأسه ابنه احمد بن يحيى هزيمتها وعجزها عن الدفاع عن تهامة، وهنا يخبرنا الدعيس على لسان السائح الهندي الذي راقب جهود قبيلة الزرانيق في الدفاع عن أرضهم أفراد بقوله "هنا تتجلى لي سر التضامن وقته العظيمة، وسر قوة المرء بنفسه وبأخيه، اذا كانت قبيلة محصورة لا عدد ولا مدد استطاعت بتضامنها وثقتها بنفسها أن توقف جيش دولة يبلغ عدده إلى ستين ألفا متوفر المعدات والحاجات، ومستديم الإمدادات والنجدات أوقفته سنين حائرا خاسرا".
 
لقد وضعنا الدعيس في هذه الجزئية أمام حقيقة أخلاقية سعى الإمام يحيى إلى نسفها فكان غالبا ما يقوم بتفكيك التضامن القبلي ويسعى إلى ذر الدسائس والسياسات التي تدمر من أي قوة داخلية كي لا تستقوى عليه فكانت الخلاصة هزيمته التاريخية أمام ابن سعود وقواته.
 
ويمضي الدعيس في سرد عوامل الانهزام الداخلية لليمن سواء في معركته أمام السعوديين أو في معركة الإمام أمام اليمنيين والتي يختصرها في كون النظام يتعمد ظلم الرعية والاستبداد لهم واستغلال مواردهم كوسيلة لضمان تمكنه من السيطرة على اليمنيين.
 
لقد جعل الدعيس من تلك الأحداث مناسبة كافية لصحوة اليمنيين ولعن استسلامهم لنظام الطاغية بحجة ان ما يتعرضون له وكأنه سنة من سنن الله في الكون فطالب بتغيير الواقع وعدم الرضوخ له معتبرا أن الحوادث سنن العناية الإلهية إلى المجتمعات البشرية لكونها رسائل ربانية تدعو لليقظة وعدم الاستسلام وبهذا الشأن يقول "تفقدوا أنفسكم على قدر الحوادث فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء