السبت, 24 أبريل, 2021 09:39:00 مساءً

اليمني الجديد - د. لمياء الكندي

هو كتاب دون فيه جـ. استاخوف رئيس الفريق الروسي المبعوث إلى اليمن عام 1928م مذكراته السياسية التي دونها في هذا الكتاب، والتي شملت وصف رحلته إلى اليمن حيث دون فيه مشاهداته الحية عن طبيعة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية في اليمن تلك الأوضاع التي تعكس حالة البؤس والتخلف التي يعيشها اليمنيون. 
 
وكانت الرحلة قد جاءت وفق طلب من إمام اليمن تمت من خلالها دعوة الروس للقيام بزيارة اليمن تلقت القنصلية الروسية في جدة هذا الطلب الذي تأخر عاما كاملا حتى بدا الروس التجاوب معه وأرسال بعثتهم إلى اليمن للتفاوض من اجل بحث العلاقات التجارية بين البلدين.
 
ويذكر الكاتب أن أمام اليمن كان حذرا في علاقاته الخارجية هذا الحذر الذي ادخل اليمن في عزلة تامة عن محيطة الإقليمي والعالمي بحجة حفظ الاستقلال.
 
كان استاخوف في زيارته إلى اليمن يحمل في داخله انطباعين مختلفين  فهو يقف أمام روايتين أحدهما تاريخية تصف هذا البلد بـ "اليمن السعيد"، ووصف أخر يصف اليمن  بانها أرض الأريج والشذى، لكن ما قاله أخرون عن اليمن كان يحمل في طياته وصفا أخر كذلك الوصف للكاتب النمساوي الذي كتب عن اليمن كتاب اسمه "اليمن بلدا شيطانيا" فهو أكثر بلدان الجزيرة العربية تخلفا وأقلها جاذبية.
 
كانت الإطلالة الأولى لليمن من على ظهر الباخرة تا بولسك كفيلة في أن يضع الكاتب انطباعه الأول عن اليمن  يصفه بأنه قاحلا صحراء كئيبة، هذه هي الحديدة بيوت مهدمة كأنها كومة عظام نصف رميمة مبيضة على بساط سهلي أغبر قاحل.  
يصف الكاتب شعورة بأنه كان منعدم من الداخل ويصف رحلته إلى اليمن على إنها مخاطرة، فقد تجاوز الكاتب مخاوفة السابقة تجاه اليمن ليعيش تفاصيلها كما سردها في مذكراته هذه ليدون لمرحلة من اشد مراحل اليمن التاريخية قاتمه.
 
فاليمن يعيش خارج العصر يرجع بنا إلى العصور الوسطى بكل ما تعلق فيها متخلف لا يزال ذكراه تؤرق المجتمعات البشرية حتى اليوم وتجاوزتها جميع الدول إلا اليمن بقى يعيش حالتها في واقعه الراهن فهو بلد إقطاعي تمارس عليه ابشع النظم السياسية الإقطاعية عبر نظام حكم ديني تيوقراطي يختصر الحكم في سلالة واحدة ويمارس نظم تلك العهود في الحياة العامة فالنظام التجاري  في اليمن لا يخرج على إطار التجارة الحرة البدائية بحيث يختفي فيها راس المال الأجنبي والمحلي إلا ببعض المظاهر القائمة على تجارة القماش التي كان يقوم بها تجار القماش الهنود القادمين من سرت الهندية، وبعض الصناعات المحلية الرديئة.
 
وأمام محاولة الإمام توقيع اتفاقية تعاون اقتصادية وتجارية مع إيطاليا فقد كانت اتفاقية فاشلة انتهت بصفقة سلاح واربع سيارات وطائرات قديمة لم تنتفع بها اليمن، وقد انعكست تلك التجربة الفاشلة على سياسة الانفتاح ليمن الإمامة المتوكلية على العالم وساهمت بزيادة العزلة عليه.
 
دون الكاتب مشاهد من الحياة اليومية لليمنيين لباسهم وأساليب البيع والشراء والأسواق و طرق بناء البيوت والأكواخ وأوضاع الناس البائسة ومشاهد الفقر المدقع الذي يعيشونه.
 
كما أفرد مقابل تلك الحالة المأسوية لليمنيين مقالات عن العمق الحضاري لليمن فكان مندهشا تجاه ما راه من عظمة الأجداد، ونظام المدرجات الزراعية التي حاول من خلالها اليمنيون استغلال تلك المساحات الضيقة على سفوح الجبال وفي جوانبها لتتشكل تلك المساحات الزراعية الخصيبة لليمن.
 
واعتبر أن المدرجات والحصون تشهد على حضارة عظيمة وقعت ارث لقبائل متخلفة تأخرت في تطورها هذه القبائل التي لم تستطيع أن تعرف أو تطور من منشآت الري التي شيدها أجدادهم الأكثر تحضرا.
كما أشار إلى ثروة اليمن الأثرية وبشاعة الجهل في التعامل مع التماثيل الحجرية التي كانت مرمية وكأنها نفايات قديمة، في كهوف مأرب التي تنهب من قبل المضاربين انهم لم يريدوا ولم يقدروا على المحافظة على مملكة سبا الشيء الوحيد الذي حفظوه عن أجدادهم هي المدرجات الزراعية في القلاع العريقة الشامخة المعبرة عن بقايا الثقافة القديمة يعيشون في أسمال بالية بين الدخان والوساخة. 
 
أما عن الحالة السياسية التي تعيشها اليمن في ظل النظام الديني الكهنوتي الذي يمارس نوعا من الإقطاع ويقسم المجتمع إلى طبقات من الأسياد والعبيد، فهو نظام يهدف إلى محاولة قمع كافة أشكال الحركات القبلية التي تحاول ان تستقل بذاتها بعيدا عن هذا النظام، ذاكرا انتفاضة قبائل الزرانيق على نظام الإمام يحيى وحاول الإمام قمع هذه القبائل وكسر تمردها فكان اهم ما ذكره حول ذلك بالتفصيل يتطرق الكاتب إلى اهم مشاهداته الحية حول نظام الرهائن وهي السياسة التي كان يستخدمها الأئمة على طول تاريخهم لإرضاخ القبائل المناهضة لهم تحت وطئ سلطتهم ، فيصف ما شاهدة من عبودية بحق أبناء قبيلة الزرانيق الرهائن لدى سلطة الإمام بانها شكل فريد من الإرهاب تقوم به الدولة الإقطاعية الفتية في اليمن ساعية لتوطيد كيانها ضد الانتفاضات الانقسامية وسيف التدخل الأجنبي المسلط  دوما واصفا الرهائن بانهم يساقون كالقطيع ويجبرون على ترديد أغاني وأناشيد دينية وأخرى تشيد بالأمام.
 
والجانب السياسي الآخر الذي حرص الكاتب على سردة في مذكراته هذه فهو إشاراته العديدة إلى طبيعة العلاقات اليمنية البريطانية التي وصلت إلى مرحله متقدمة من إعلان الحرب بين اليمن والإنجليز بسبب رفض بريطانيا الاعتراف بالحدود التاريخية لليمن اليمن التي يطالب فيها الإمام يحيى فكانت ادعاءاته بتبعية عدن والضالع لمملكته من أهم دوافع إعلان الإنجليز الحرب على سلطة الإمام يحيى،  هذه الحرب التي انتهت بتوقيع الإمام اتفاقية الاعتراف بالسيطرة البريطانية على عدن وباقي المحميات سنة 1934م وإعلان هزيمته.
 
كان الجزء الشمالي من اليمن الواقع تحت سلطة الإمام يحيى في هذه الفترة يعيش واقع التهديدات البريطانية بقصف المدن اليمنية بما فيها صنعاء فقد انتهت المفاوضات البريطانية الإمامية عبر المبعوث البريطاني " جلوكوب" الذي خرج من صنعاء مطرودا بالفشل أثناء ذلك كانت صنعاء تستعد لفصول الحرب بصورة بائسة منتظرة اللحظة التي تسكب فيها الطائرات البريطانية نيرانها على سمائها وإزاء ذلك شهدت صنعاء موجات نزوح كبيرة لكبار القادة بمن فيهم الإمام يحيى نفسه الذي بادر على اثر ذلك بالهرب إلى مناطق الداخل في اليمن " وادي ظهر" ، وحشد القبائل للقتال ضد الإنجليز.
 
أما باقي الأسر الميسورة فقامت أيضا بالنزوح خارج صنعاء التي خرجت منها قوافل من الفارين من شبح الحرب القادمة حاملين ممتلكاتهم وكل ما يتمكنوا من حمله إلى خارج صنعاء، ولم يبقى في صنعاء من السكان إلا الألاف من الناس الذين ليس لديهم ما يخافون على خسارته في هذه الحرب وليس لديهم وجهه يمكن ان يمضون الهيا.
 
انهى الكاتب مذكراته هذه بالكتابة عن صنعاء وعن الأوضاع السياسية فيها وعن بدا القصف الفعلي للمدن اليمنية من قبل الإنجليز الذين قصفوا مناطق تواجد قوات الإمام في الضالع وقعطبة  ويريم وتعز، ولكنه في الأخير تمكن من توقيع اتفاقية تعاون تجاري بين اليمن والاتحاد السوفيتي السابق لتكون الاتفاقية الأولى لليمن معه والثانية بعد توقيع اليمن لاتفاقية التعاون التجاري مع إيطاليا.
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء