الجيش يصد هجوم الحوثيين بنهم ويدعو الصليب الأحمر لانتشال جثث القتلى بالجوف     عائلة عفاش حين أفسدت الماضي والحاضر     تقدم كبير للجيش في الجوف وعشرات القتلى الجرحى في صفوف الحوثيين     محافظ شبوة يدشن أعمال سفلتة مشروع طريق نعضة السليم     هل تفي الولايات المتحدة بوعدها في وقف الحرب باليمن؟     الحوثيون يفشلون مشاورات اتفاق الأسرى والمختطفين في الأردن     ملامح إنهاء الحرب في اليمن والدور المشبوه للأمم المتحدة     معارك ضارية في مأرب والجوف واشتعال جبهة مريس بالضالع     رحلة جديدة في المريخ.. استكشفا الحياة (ترجمة خاصة)     ملامح إسقاط مشروع الحوثي من الداخل     لماذا خسر الحوثيون معركة مأرب وما هي أهم دوافعهم للحرب     حرب مأرب كغطاء لصراعات كسر العظم داخل بنية جماعة الحوثي     أمن تعز يستعيد سيارة مخطوفة تابعة لمنظمة تعمل في مجال رعاية الأطفال     تقرير دولي: التساهل مع مرتكبي الانتهاكات يهدد أي اتفاق سلام في اليمن     الحكومة تدين قصف مليشيا الحوثي مخيما للنازحين في صرواح بمأرب    

الخميس, 04 فبراير, 2021 10:57:00 صباحاً

اليمني الجديد - العربي الجديد
أحسن الرئيس التونسي، قيس سعيد، في تفسير معنى التسميم في اتصال عبد الفتاح السيسي معه، وقد هنّأه الأخير بنجاته من محاولة اغتياله بالسم، فبحسب ما نقل موقع الرئاسة عن حديث الرئيسين، فإن "السموم الزعاف هي التي تستهدف الشعوب والدول قبل أن تستهدف الأشخاص والقيادات". طبعاً، لم ترد الرئاسة التونسية لا على كلام النيابة العامة التي نفت وجود سم في المظروف، ولا قدّمت للرأي العام التقرير الطبي للمستشارة نادية عكاشة التي قال بيان الرئاسة إنها أصيبت بفقدان شبه كلّي للبصر بعد فتح المظروف، ولم تجب الرئاسة عن أسئلة بديهية سألتها الصحافة: هل يعقل أن تنشغل المستشارة الأولى للرئيس بفتح مظاريف البريد؟ هل يمكن أن تفتح بريداً مجهول المصدر؟ في حال تأثر بصرها، كيف اهتدت إلى ماكنة إتلاف الورق؟ ولماذا أتلفت المظروف المشبوه؟

في الواقع، ما حدث في تونس يشكل ذروة تسميم الأجواء السياسية في البلاد، التي اجتمعت عليها كوارث تتطلّب أقصى درجات المسؤولية، سواء جائحة كورونا أم الأزمة الاقتصادية، أم الاستقطاب السياسي.. بدلاً من أن يرتقي الرئيس إلى مستوى المسؤولية، ويكون أباً جامعاً للتونسيين، انشغل بشكل شعبوي فجّ في صناعة خصوم، وانخرط في لعبة الاستقطاب، متحالفاً مع عبير موسي أسوأ رموز حقبة بن علي، ففي اليوم الذي استهدفت فيه مجلس النواب باستخدام مكبرات الصوت لتخريب جلسة النواب، تجول سعيّد مساء في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة، ليستمع إلى خطابات مناصريه بحل مجلس الشعب، ولم يصدر عنه دفاع عن المؤسسة الدستورية الأولى في البلاد، بل بدا متورّطاً في التآمر عليها. فموقع الرئاسة بث الهتافات "العفوية" التي تُطالب بإسقاط البرلمان. وعندما زار رئيس الحكومة وزير الداخلية، بثت محاضرة طويلة للرئيس، ولم ينقل الموقع كلمة واحدة لرئيس الوزراء الذي اختاره سعيّد نفسه، وأخذ ثقة مجلس الشعب، ولم يعط الرئيس وزناً لثقته برئيس الحكومة ولا لثقة مجلس الشعب به.

لا يحتاج سعيّد إلى هذا كله لبناء إرثه، وإنقاذ تونس. لقد عقد المؤمنون بالربيع العربي آمالهم عليه في حماية النموذج العربي الوحيد للتحوّل الديمقراطي، فقد تمكّن من هزيمة شعبوي آخر يمثل الثورة المضادة بوضوح، وتحالفت كل قوى الثورة لدعمه. لم تكتمل الفرحة، وخلال فترة بسيطة دسّ له السم الذي تحدث عنه. وحوّله إلى زعيم شعبوي يهدّد بناء الدولة والمجتمع، فلا يقيم وزناً للأحزاب التي تشكل عماد الحياة السياسية، ويستخف بمجلس النواب الذي يعتبر أهم المؤسسات المنتخبة في الدولة.

يستطيع قيس سعيد أن يتناول الترياق، وينجو من السم عندما يدرك أي قيمةٍ تمثلها تونس، وأي قيمةٍ يمثلها نظامها في وجدان العرب وفي عيون العالم. عليه أن يدرك أن شعبوياً، مثل خليفة حفتر، هُزم بعد أن دمر ليبيا وكلفها دماءً غالية، وأن المزاج العالمي نافر من الشعبوية التي جسّدها ترامب أسوأ تجسيد.


هل شاهد هجوم ترامب على مجلس النواب الأميركي وأراد تقليده؟ ألم يشاهد النهاية؟ اليوم الثورة المضادة ممثلة بالإمارات تواجه مشكلة جدّية مع الإدارة الديمقراطية، وهي في حال دفاع عن النفس بعد تجميد قرارات ترامب بخصوص طائرات إف 35 وإعفاء رسوم الألمنيوم. الإقليم، وخصوصاً الجزائر، معني بالحفاظ على الاستقرار في تونس، والابتعاد عن مغامرات مرتبطة بالإمارات تكرر الكارثة الليبية.

أين قيس سعيد من الباجي قايد السبسي الذي لم يكن من تيار الثورة. كان رجل دولة من النظام السابق، لكنه تمكّن من بناء تحالف تاريخي مع حركة النهضة، صمدت فيه تونس أمام أمواج الثورة المضادّة. تمكن السبسي من رأب الصدع الذي قسم المجتمع التونسي. في المقابل، أعاد قيس سعيد بعد أن دسّ له السم الصدع مجدداً. في ظروف مأساوية تمر بها البلاد، إذ اجتمعت عليها جائحة كورونا مع أزمات سياسية واقتصادية.

أغرب ما في سلوك قيس سعيد أنه أستاذ قانون دستوري، فيما لا يلتزم بالدستور التونسي الذي وضّح صلاحيات رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب. ومع أن النواب قدّموا تنازلاتٍ غير مسبوقة له، إلا أنه استمرأ لعبة تهميش المجلس والقفز عليه، وكأنه مجلس مفروض من قوة احتلال، وليس منتخباً من الأصوات نفسها التي انتخبت الرئيس.

محزنٌ ما تتعرّض له تونس التي قدمت العرب للعالم بأجمل صورة، وتستحق واقعاً أجمل مما هي عليه. ولا نملك غير الدعاء إلى الله أن يشفي سعيد من السموم التي تعرّض لها، وأن يعيد بصر مستشارته نادية عكاشة وبصيرتها، فترى الحق حقاً وتريه للرئيس، وتشير عليه باتباعه.





غريفيث