انطلاق أعمال مؤتمر المثقفين اليمنيين في مدينة المكلا     هل إحياء مناسبة الغدير يندرج ضمن حق الحرية والتعبير؟     ديمقراطية تونس في خطر     استشهاد ثلاثة مدنيين بقذيفة لمليشيا الحوثي على حي سكني شرق مدينة تعز     ضبط خلايا إرهابية تابعة لمليشيا الحوثي في أربع محافظات     مليشيا الحوثي تستأنف الهجوم على الحدود السعودية     يوم فني في تعز على سفوح قلعتها العريقة     محافظ مأرب يشيد بالوحدات الأمنية ودورها في تعزيز الأمن والاستقرار     مسلح حوثي يقتل والديه وهما صائمين بسبب رفضهم انضمامه لصفوف المليشيا     الفطرية في شخصية العلامة محمد بن اسماعيل العمراني     الموت البطيء في سجون الإمارات بعدن.. صحفي يروي تفاصيل الاعتقال والتعذيب     تفاصيل انهيار جبهة الزاهر بالبيضاء ومن أين جاءت الخيانة؟!     تخرج وحدات أمنية من منتسبي وزارة الداخلية في محافظة أبين     القاضي محمد بن إسماعيل العمراني.. مئة عام من الفقه والتعليم     السلالية.. العنف والتمييز العنصري    

الإثنين, 04 يناير, 2021 10:13:00 صباحاً

اليمني الجديد - ثابت الاحمدي

ذكرنا سابقا أن التصوف هندي المنشأ قبل ظهور اليهودية والمسيحية والإسلام، وقد انتقل إلى هذه الأديان لاحقا، فمن وقت مبكر مارسَ الهنودُ التصوفَ كسلوك، أولا، ففلسفة وفكرا ثانيا، حتى إن نظرية "وحدة الوجود" التي ينسبها البعض لابن عربي الصوفي المسلم المعروف هي نظرية هندية براهمية، نقلها من الفارسية عن الهندية إلى الفكر الإسلامي أبو يزيد البسطامي، كما أشار إلى ذلك المؤرخ البيروني، وهي نظرية شاعت عند الفرس منذ العهد الساساني، ولها صلتها الكبيرة بفكرة الحلول المنسوبة للصوفي المسلم الحلاج، البيضاني الفارسي، من قبله، وسماها البعض "الفناء" أو "التفاني" والتي ترتبط فكريا وروحيا بالنيرفانا الهندية البوذية، ولم تختلف عنها إلا في بعض الطقوس البسيطة، مع أن هناك من ينفي التواصل، وإن أثبت الصلة، أي أن العلاقة بينهما جاءت عرضا على غير تعمد أو نقل، واتصال على غير تواصل، باعتبار التصوف أصلا حالة وجدانية تذوقية شعورية، أساسها النفس الإنسانية، بصرف النظر عن أي دين أو مذهب، فالمجاهدة الوجدانية والرياضة الروحية واحدة، وقد يلتقيان دون اتصال جماعة بجماعة، وهو ما يعني وحدة التجربة الصوفية التي لا تعرف الحدود الجغرافية، وإن اختلف تفسيرها من صوفي إلى آخر، بحسب الحضارة التي ينتمي إليها. انظر: مدخل إلى التصوف الإسلامي، د. أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، ط: 3، د.ت، 34.
 
مشيرا إلى أن الهدف الأكبر للتصوف الهندوسي أو البوذي أو المسيحي أو اليهودي هو "الفناء" أو "التفاني"، أي: "وصول الروح الإنسانية إلی مقام يفقد ذاته الفردي ويتحد مع الروح الکلية والذات المطلق" فيما هو بالنسبة للفكر الصوفي الإسلامي إلى جانب "الفناء" أو "التفاني" أيضا: "البقاء بالله". وبهذا تكون الروح الإنسانية قد بلغت منزلة العروج الروحي وتماهت في الذات الإلهية، فيرى الإنسان بنور الله، ويسمع بنور الله، ويمشي بنور الله، وهو ذاتها الحالة المثلى "النيرفانا" التي يصل إليها صوفي "اليوجا".!
 
ووحدة الوجود عند الزرادشتية منبثقة عن إلهين اثنين: النور والظلمة. انبثقا عن واحد أعلى منهما، هو اساس الوجود، واتفقت بعد ذلك المانوية معها في نفس الفكرة. وقد حور مفهومها ابن عربي الذي تنسب إليه النظرية في الفكر الصوفي إلى مفهوم قريب من هذا، محاولا ربطها بروح الإسلام وفلسفته، وذلك أنه جعل الله الخالق مع الخلق كلهم شيئا واحدا؛ بل لقد جعل المخلوقات مع الله في مرتبة واحدة، إذ أن كل شيء في هذه الحياة هو شيء واحد في النهاية، وهو الله الحق والحقيقة المطلقة، أما الحضور المادي لبقية المخلوقات فهو مجازي في الأصل، ووحده الله الحقيقة... إلخ. ووحدة الوجود أحد ركني التصوف إلى جانب الفنا في الله كما يذكر أحمد أمين في كتابه ظهر الإسلام.
 
أما عن مظاهر التصوف الهندي فتتمثل في ترك الدنيا واللذات الجسدية إلی جاتب التعذيب الجسدي والرياضة، فيجب تعويد النفس علی أنواع الرياضات المتعبة کي تترك الملذات، باعتبار الحياة الدنيا حياة شقاء وكد وعناء، لا راحة ودعة، وأفضل حل لمواجهة هذا العناء والشقاء رياضة النفوس. كما أنها في نسختها المتأخرة فلسفية روحانية، يندمج فيها اللاهوت بالناسوت، كما في فلسفة غاندي: "إن الهدف الذي أرغب في تحقيقه، والذي كنت أسعى وأتوق إلى تحقيقه على مدار هذه الثلاثين عاما هو إدراك الذات، فأرى الإله وجها لوجه..". انظر: مذكرات غاندي، قصة تجاربي مع الحقيقة، مهنداس، كارامشاند غاندي، كلمات عربية للترجمة والنشر، ط:1، 2008م، 21.
وللبرهمية الهندية فلسفتها الخاصة في التصوف؛ إذ تقوم على تحرر النفس من الجسد وتخلصها من الشقاء الأبدي الملازم لها في أطوار التناسخ، بربطها بالسماء وبالجانب العلوي من الحياة.
 
ويعد الناسك المتصوف الهندي "راما كريشنا" من أشهر نُسَّاك ومتصوفة الهند الذين عاشوا حياة الرقي الإنساني على أكمل ما تكون اللحظة الإنسانية، إلى حد جعلت الأديب الفرنسي الكبير "رومان رولان" يقول عن هذا المتصوف: إن راما كريشنا تتويج لجهود آلاف السنين في سبيل ترقية الحياة الباطنية لمئات الملايين من الهنود؛ إذ كان المنعش الروحي الوحيد للهند الحديثة، ولو أنه ليس أحد أبطال الأعمال الواقعية كغاندي، ولا أحد عباقرة الفن والفكر كطاغور، إلا أنه كان كذلك بقوة حياته الباطنية وحدها. أنظر كتاب ركائز الإيمان، محمد الغزالي، 128.
 
ويقول عنه غاندي: إن تاريخ راما كريشنا هو تاريخ الدين في صورته العملية، وإن حياته تسمح بأن نرى فيها الإله وجها لوجه. وإن أحدا لا يستطيع أن يقرأ تاريخه دون أن يقتنع بأن الإله وحده حق، وأن ما عداه خيال ووهم..
إنه مثل للعقيدة الحية الساطعة التي تحمل في طياتها القوة والعون لآلاف من الرجال والنساء، لولاه لظلوا محرومين النور الروحي. نفسه 138.
 
وأخذ التصوف الهندي أشكالا عدة، بتعدد المذاهب والأفكار هناك، اقترب منها ما اقترب من التصوف الإسلامي والتصوف المسيحي واليهودي، وابتعد عنها ما ابتعد، ومن ضمن الثقافة الهندية التصوفية التي سادت خارج بلاد الهند هي الثقافة "النباتية" التي أخذ بها كثير من متصوفة الهند، خاصة البوذيين، أي تحريم تناول اللحوم وما خرج من ذوات الأرواح كالحليب والبيض ونحوه، وهي ثقافة هندوسية معروفة تسللت إلى الثقافة الإسلامية، من الثقافة الهندية، فالفارسية، وخليط من المانوية والزرادشتية أيضا؛ فكان الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري نباتيا لا يأكل اللحم، بل حتى العسل، ويحرم ذلك على نفسه، كما هو الشأن أيضا مع رجال دين صوفية أيضا، مثل إبراهيم بن أدهم، مالك بن دينار، بشر الحافي، ورابعة العدويَّة. ناهيك عن عزوف المعري أيضا عن الزواج وتحريمه على نفسه. وكل هذا مما لا يدعو إليه الإسلام أو يوافقه. 
يقول المعري عن نباتيته:
لا آكل الحيوان الدهر مأثرةً  أخاف من سوء أعمالي وآمالي
وينصح غيره بعدم أكل ذوات الأرواح أو ما خرج من الأرواح بما فيها العسل:
فلا تأكل ما أخرج الماء ظالما  ولا تبغ قوتا من غريض الذبائح
ولا تفجعن الطير وهي غوافل بما وضعت فالظلم شر القبائح
ودع ضرب النحل الذي بكرت له  كواسب من أزهار نبت فوائح
فما أحرزته كي يكون لغيرها   ولا جمعته للندى والمنائح
سحبت يدي من كل هذا وليتني  أبهت لشأني قبل شيب المسائح
وكما كان راما كريشنا يتألم إذا شخصين يتعاركان، مشفقا عليهما معا، فإن أبا العلاء المعري قد كان مشفقا حتى الحشرات التي لا ينبغي لأحد أن يضايقها؛ لأن لها حق الحياة والاستمتاع بها، كما هي لك.!
تسريح كفك برغوثا ظفرت به   أبر من درهم تعطيه محتاجا
كلاهما يتقى والحياة لــــــه  عزيزة ويمني النفس مهتاجا
 
وقد ظهرت النباتية لدى بعض طوائف اليهود، وعند المسيحية "البندكتية" كما هو أيضا عند المانوية والمزدكية الفارسيتين، وأيضا لدى الهندوسية والبوذية الهنديتين. وعند بعض فلاسفة اليونان، كفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وإقليدس، فكل هذه الأديان والطوائف والجماعات اشتهر فيها النباتيون، وفي الإسلام "تنبتت" الصوفية وأيضا بعض من الشيعة؛ لا لأن الإسلام قد أمر بـ"الترهبن" وترك الملذات ووجه بالنباتية؛ بل لتأثر بعض الأشخاص أو التيارات الصوفية والشيعية بتلك الأديان والثقافات الوافدة. وهو ذات الشأن تماما مع اليهودية والمسيحية التي لا تلزم نصوصها الدينية أحدا أن يكون نباتيا، ومن ترك اللحوم منهم فتركه يعود إلى المنزع النفسي بالدرجة الرئيسة، لا إلى أي توجيه ديني. وقد أيد هذه الفكرة من الفلاسفة المعاصرين ليوناردو دافينشي، نيوتون، جان جاك روسو، ليو تولستوي، المهاتما غاندي، ألبرت شويتزر، ألبرت آينشتاين وغيرهم، مع الإشارة هنا إلى أن التحريم لدى البعض نابع من فلسفة أخلاقية روحية، فيما المنع لدى البعض الآخر آتٍ من قبيل التطبب، واتباع الحمية الغذائية.
وهذا التصوف سماه البعض بالتصوف البدعي الباطل، وهو تصوف أساسه الأديان والفلسفات والمذاهب الوافدة، بما لها أو عليها من الأفكار والشطحات، التي تجمعت من أكثر من مصدر، وأفضى بالنهاية إلى خلق سلوكيات غريبة وأفكار عجيبة لا علاقة لها بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف ومقاصده العامة..
وبسبب هذه الأفكار المتداخلة وما نجم عنها من سلوك، فقد كان المتصوفة محل ازداء بعض الناس وسخريتهم وتهكمهم، نظرا لانفصالهم عن المجتمع وعن العامة من الناس، ولظهور بعض التصرفات الغريبة عنهم فعلا، قال ابن الجوزي عن الإمام الشافعي: "لو أن رجلا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يكون أحمقا". انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي، ص 370. مضيفا: "ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد إليه عقله أبدا". نفسه.
 
وفي مذكراته، ذكر الزعيم الهندي غاندي أنه كان نباتيًا، وأنه حرم على نفسه اللحم، قبل أن يذهب إلى الدراسة في بريطانيا، وأيضا بعدها. ليس اللحوم هي التي حرمها على نفسه فحسب؛ بل وحتى البيض والسمك، ملتزما بقَسَمِه لأمه؛ حيث أخذت عليه قسما مقدسًا لدى الكاهن ألا يقرب ثلاثة أشياء: اللحوم والخمر والنساء؛ مشيرا إلى أن هذا المعتقد لازمه في بريطانيا لا في الهند. وقد ظل ملتزما به؛ لأن معتنق الدين الجديد أشد حفاظا عليه من حماسة من ولد على الدين نفسه، كما يقول، كما أنه قد أسس جمعية خاصة بالنباتيين في بريطانيا أثناء إقامته فيها للدراسة.
يقول الدكتور عمر فروخ عن تأثر التصوف الإسلامي بالتصوف الهندي:
 
وعلى هذا نرى أن التصوف الإسلامي قد تأثر بالاتجاه الهندي عموما، والبرهمي منه خصوصا، ولكن لم يتأثر بفلسفة الحياة البوذية، وإن كان قد أشبهها في بعض مراحلها في الفناء مثلا وفي الرياضة، وفي أن بوذا يحض على تأكيد العنصر الشخصي في طلب الحقيقة، ويعتقد أن الذي يتطلب الحقائق بالتقليد ـ التعلم أو التلقن ـ لا يستطيع أن يعرفها. انظر: التصوف في الإسلام، عمر فروخ، ص 39.
 
ويقول إحسان إلهي ظهير: "فالديانات الهندية هي المصدر الآخر للتصوف الذي راح بين المسلمين، واختاره طائفة من الناس الذين أرادوا أن يكونوا عرفاء بين المسلمين، واختاروا نفس المناهج التي وضعها أصحاب الديانات الهندية..". انظر: التصوف المنشأ والمصادر، إحسان إلهي ظهير، 114.
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء