تقرير أولي عن توثيق بئر برهوت (الأسطورة) في محافظة المهرة     هل نحن أمام مرحلة جديدة بعد تصفية الاستعمار القديم؟     فوز صقر تعز على نادي شعب إب في أول مباراة في ملعب شبوة     في ذكراه الواحدة والثلاثين.. الإصلاح وتحديات المرحلة     زعماء قبائل يمنية يبحثون مساعي السلام والتهدئة القبليّة على المستوى المحلي     تاريخ اليمن الإسلامي.. مأرب وأئمة الزيف     المركز الأمريكي يدين جريمة اغتيال السنباني من قبل قوات موالية للإمارات     طالبان كحركة تحرر وطني وصفات أخرى     منجزات ثورة سبتمبر وأحفاد الإمامة     مدير عام شرطة محافظة تعز يتفقد شرطة مديرية الصلو بريف المدينة     مأرب الجديدة     كيف خسرت السعودية الحرب في اليمن لصالح جماعة الحوثي     محافظ شبوة يوقع على عقود سفلة خطوط دولية داخل وخارج المحافظة     مواطن بصنعاء يقتل ثلاثة حوثيين ويصيب 8 آخرين بعد محاولتهم مصادرة منزله بالقوة     الهجوم الحوثي على العند تساؤلات في واقع الحرب    

وثائق مسربة من اللجنة الخاصة السعودية

الجمعة, 25 ديسمبر, 2020 09:50:00 صباحاً

اليمني الجديد - بلال الطيب

 
كيف حاربت السعودية الوحدة؟
بدأت مَطامع السوفيت أواخر ستينيات القرن الفائت في السيطرة على جنوب اليمن تتبدى، وكان وزير خارجيتهم قد أفصح عن ذلك، وقال في تصريح صحفي من مدينة القاهرة 29 مارس 1967م ما نصه: «يجب العمل على إنشاء دولة اشتراكية مُستقلة في هذه المنطقة، وأنَّ الاتحاد السوفيتي يحتفظ لنفسه بحق التصرف تجاه أي حل تقرره الأمم المتحدة تجاه مُشكلة الشرق الأوسط، وخصوصًا عدن»، شاركه وزير الدفاع المارشال أوستينوف ذات الموقف، وقال الأخير مُهددًا: «إنَّ احتمالات نشوب حرب عالمية ثالثة قد تتزايد بدرجة كبيرة إذا لم نستحوذ على اليمن الجنوبي، وتصبح بين أيدينا».
 
ألقى الصراع القُطبي بظلالة على الخارطة المُفخخة، سيطر السوفيت عبر وكلائهم المحليين على الجنوب، فيما دخل الشمال تحت مَظلة الوصاية السعودية - الأمريكية، وفي خضم ذلك التحول المُريع، لم يتبادل قادة الشطرين السفراء فيما بينهم؛ على اعتبار أنَّ الوحدة تبقى خيارًا مفتوحًا، مع فارق أنَّ كل طرف يريدها مُفصلة على مقاسه.
 
زادت - بفعل تلك التباينات - القطيعة، وحلَّ الشقاق، واستبدلت لغة الوحدة الطوعية بلغة الضم والإلحاق، ولم يعد التنقل بين الشطرين مُتاحًا كما كان في عهدي الأئمة والإنجليز، وأصبح المواطنون لا يستطيعون ذلك إلا بصعوبة، وبتصريح أمني خاص، وتحت المساءلة، بل يقفون لساعات أمام العديد من الحواجز الأمنية للتفتيش والتحقيق، وهي - أي الحواجز - بلغت بين صنعاء وعدن حينها نحو 19 حاجزًا.
 
والأدهى والأمر من ذلك أنَّ الوحدة صارت مصدرًا لمشروعية النظامين، تغنى قادتهما بها، وتاجروا بها، واتهموا بعضهم بعضًا بعرقلة تحقيقها، ومن أجلها أشعلوا الحرب، وسفكوا الدماء.
في أول خطاب له بعد أنْ أصبح رئيسًا للجنوب، قال قحطان الشعبي من على شرفة قصر الشكر بكريتر أنَّه مُستعد لإعلان الوحدة اليوم قبل بكرة؛ إذا كان الأخوة في الشمال عندهم نفس الرغبة والاستعداد، رد الرئيس عبد الرحمن الإرياني عليه بخطاب عاطفي مُماثل، عبر فيه عن استعداده للتنازل عن الرئاسة، وما على قحطان إلا أنْ يتوجه إلى صنعاء ليتسلم مقاليد الحكم.
لم يمض من الوقت الكثير حتى غير الرئيس الجنوبي موقفه، وهي حقيقة أكدها حسن مكي في مُذكراته، حيث أشار أنَّه وأثناء تواجده في موسكو إبان حصار صنعاء ديسمبر 1967م وصلته - بوصفه وزيرًا للخارجية - رسالة من الرئيس عبدالرحمن الإرياني تأمره بالتوجه إلى عدن لتهنئة الجنوبيين بتحقيق الاستقلال، والمطالبة بتحقيق الوحدة بين شطري اليمن، وأفاد مكي أنَّ الرئيس قحطان الشعبي استقبله بحفاوة بالغة، وخاطبه قائلًا: «إنَّ القيادة العامة للجبهة القومية قد وجدت أنَّ الوحدة غير ممكنة في هذه الظروف، وقررت عدم التسرع في تحقيقها، وأرى شخصيًا أنْ تتركوا الجنوب يمضي في بناء دولته؛ حتى إذا ساءت الأوضاع في الشمال؛ يستطيع الأحرار اليمنيون أنْ يجدوا مكانًا يلجأون إليه».    
بعد شد وجذب بين حكام الجنوب الجدد، وصراع خفي، ثم معلن، تخللته انتفاضة، ثم انتفاضة مُضادة، حسم يساريو الجبهة أمرهم، وانقلبوا على الرئيس قحطان الشعبي 22 يونيو 1969م؛ والسبب كما قال حيدر أبو بكر العطاس في تسجيل صوتي مُتداول، تحمسه - أي قحطان - لإصدار قانون الجنسية الجنوبية، الأمر الذي تعارض مع توجهات غالبية أعضاء (الجبهة القومية) الوحدوية، وهو قول لم أجد له ذكر في المراجع التاريخية التي وثقت لأحداث تلك الفترة. 
 
وفي ذات الصدد ذكر عبده حسين أدهل في كتابه (الاستقلال الضائع) أنَّ المنقلبون كانوا يؤمنون باتباع أسلوب العنف الثوري؛ الأمر الذي تعارض مع توجهات الرئيس الشعبي وفريقه، ويبقى هذا القول هو الأقرب للحقيقة.
حلَّ سالم ربيع علي محل قحطان الشعبي، هرب المقصيون الجُدد (يمينيو الجبهة) شمالاً، وبمعنى أصح من نجا منهم من التصفية والاعتقال، وكان أشهر النازحين قائد الجيش حسين عثمان عشال، انظموا إلى أقرانهم من أعضاء (جبهة التحرير)، ووصل عددهم إجمالاً إلى أكثر من 80,000 نازح جنوبي، دعوا إلى تحقيق الوحدة بالقوة، وهددوا أمن أصدقائهم بالأمس، وحظو بدعم كبير من قبل المملكة العربية السعودية، والنظام الشمالي الذي خصص لهم 12 مقعدًا في (المجلس الوطني)، وكانت منطقتا الوديعة والبيضاء نقطة انطلاق عملياتهم العسكرية.
 
بازدياد تدفق المقصيين من الشمال صوب الجنوب، والعكس أيضاً صحيح؛ استعرت المناوشات الحدودية، لترتفع وتيرتها بعد تحقق المصالحة الوطنية بين الجمهوريين والملكيين مارس1970م، وفي تعز حدث لقاء ودي بين محسن العيني ومحمد علي هيثم - رئيسا وزراء الشطرين - للتهدئة 25 نوفمبر1970م، وتم الاتفاق على ست نقاط أساسية لكيفية البدء بحوار حقيقي وجاد، وتشكيل لجنة مُشتركة لإعداد وتحضير المشاريع الوحدوية المُزمع مُناقشتها.
 
نهاية ذات الشهر، وفي العيد الثالث للاستقلال، غير الجنوبيون اسم دولتهم من (جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية) إلى (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)؛ كدلالة على توجههم الماركسي، فيما غرد حيدر العطاس في وقت لاحق خارج السرب، واعتبر أنَّ ذلك التغيير فرضه اليساريون الشماليون، وأنَّ الغرض منه إزالة هوية الدولة الجنوبية!
اعترض الوفد الشمالي المُشارك في ذلك الاحتفال على التسمية الجديدة، وانسحب مُغاضبًا، ليقوم في أواخر العام التالي وفد جنوبي برئاسة وزير الخارجية عبدالله الخامري بزيارة مدينة تعز، ولم يصل وأقرانه الشماليين إلى نتائج ترضي الجانبين.
 
المشايخ المُتحولون انتكاسة كبرى اعترضت مسار الثورة السبتمبرية المجيدة؛ ولولاهم ما استمر مخاضها لثمان سنوات، جمهوريون في النهار، ملكيون في الليل، وحين افتضح أمرهم قاتلوا في صف من يدفع أكثر، استدرجت القيادة الجنوبية 65 شيخًا منهم لفخ الارتزاق الجديد، وفي بيحان الحدودية، وعلى مائدة غدائهم الأخير، تمت تصفيتهم جميعًا 21 فبراير 1972م. 
اكتفى الرئيس عبدالرحمن الإرياني بالإدانة، وألقى خطابًا تهديئيًا قال فيه: «فليأت الأخ سالم ربيع علي إلى صنعاء رئيسًا لمجلسنا الجمهوري، لنكون حكومة واحدة، وليأخذ إخواننا في الجنوب كل ما يشتهون من مناصب في حكومة الدولة الواحدة، حيث أن المهم أن نصبح دولة واحدة»، ثم عاد فاستدرك: «لكنهم يعتذرون عن الوحدة؛ تارة باختلاف المنهج السياسي والاقتصادي، وتارة لعدم توفر الظروف الموضوعية للوحدة، وأحيانًا بأن لهم برنامجًا ثوريًا خاصًا..».
وهكذا، وبين الخطاب والخطاب المضاد برزت نبرة استعطاف الجماهير، وارتفعت خلال تلك الفترة وتيرتها، وظلت بشعاراتها الجديدة البراقة مُستحوذة على المشهد.
أصر غالبية مشايخ المناطق الشمالية وبدعم سعودي كبير على الأخذ بالثأر، واتخذ مجلس الشورى قررًا بضرورة الوحدة بالسلم أو بالحرب، استغل الجنوبيون المقصيون ذلك؛ وأعلنوا بزعامة عبدالقوي مكاوي عن تأسيس (الجبهة الوطنية المتحدة)، ككيان موحد لـَّم شتاتهم جميعًا 3 سبتمبر 1972م، ودعوا بحماس إلى «سرعة وحدة الشطرين بالوسائل السلمية أو الحربية»، لتشتعل مطلع الشهر التالي الحرب الشاملة 2 أكتوبر 1972م، قتل فيها كثير من هؤلاء المقصيين، وقتل أيضا بعض أفراد القبائل الشمالية بنيران صديقة؛ فكان النصر جنوبي.
 
وعن تلك الحرب قال جار الله عُمر: « شنّ الهاربون من الجنوب إلى الشمال هجوماً على الجنوب عن طريق قعطبة، ونشبت الحرب بين الجنوب والشمال، وكانت بدعم من السعودية، ومساندة جيش الجمهورية العربية اليمنية، وتمكّن المهاجمون من احتلال عشر قرى من مديرية الضالع، كان جيش الجنوب ضعيفًا لكنّه جيش ثورة، وكانت معنويّاته أعلى، وكانوا قد حصلوا على صواريخ الكاتيوشا ذات المدى القصير.. أرعب الكاتيوشا المتقدّمين بصوته الجديد، ودويّه المزلزل، وانسحب المهاجمون، وتمكّن الجيش الجنوبيّ بقيادة علي عنتر وآخرين من أن يحتلّوا مدينة قعطبة».
 
بعد يومين من اندلاع الحرب، وقبل إعلان نتيجتها بـ 14 يومًا، اجتمع مجلس الشورى في صنعاء، وعبر أعضاؤه عن قلقهم من تطور تلك الأحداث، وأكدوا بحماس أنَّه لا يمكن لأي قوة على الأرض أن تقف أمام تحقيق الوحدة اليمنية، وصرح عبده نعمان عطاء - أحد أعضاء المجلس - لصحيفة (مأرب) الصادرة من مدينة تعز قائلًا: «وبعد تحليل للأسباب التي أوصلت الشعب اليمني إلى أنْ يقتل الأخ أخاه بدون مبرر، اللهم إلا تكريس الانفصالية حفاظًا على مراكز السلطة، والمطامع الحزبية بنظراتها الطفولية والحاقدة، التي تريد فرض أيدولوجيات لا تمت لواقع شعبنا العربي المسلم في اليمن بأي صلة، وبعد أن استعرض المجلس هذه الأسباب؛ قرر أنَّ الوحدة الفورية لشطري اليمن هي الحل الجذري الوحيد للقضاء على الحدود المصطنعة الانفصالية، وبالتالي تجنيب الشعب اليمني مآسي الحرب الأهلية وويلاتها..».
حدث ذلك بالتزامن مع عقد (الحزب الديمقراطي الثوري) - كيان المقصيين الشماليين في الجنوب - مؤتمره الثاني في مدينة زنجبار، وهو المؤتمر الذي خرج بعدة أهداف، أهمها: «تحقيق الوحدة اليمنية بمنظور وطني ديمقراطي، وإسقاط السلطة في شمال الوطن».
استمرارًا لمساعيها في التهدئة، عملت الجامعة العربية، وعدد من الدول العربية - منها الكويت والجزائر ومصر وسوريا - على رأب الصدع، وجمعت بعد 26 يومًا من استعار المواجهات بين رئيسا وزراء الشطرين علي ناصر محمد ومحسن العيني؛ فكانت اتفاقية الوحدة، التقى الرئيسان عبدالرحمن الإرياني وسالم ربيع علي أواخر الشهر التالي في ليبيا 26 نوفمبر 1972م، فكان بيان طرابلس، تم الاتفاق على مسمى الدولة، والعاصمة، والعلم، مع التأكيد على ضرورة الإسراع في تنفيذ اتفاقية القاهرة السابق توقيعها، والتي نصت على تحقيق الوحدة خلال عام واحد.
 
أفصحت القوى القبلية المُسيرة من قبل السعودية عن معارضتها العلنية لتلك الاتفاقية، دون طرح البديل، زادت ضغوطاتها على محسن العيني؛ فقدم الأخير نهاية ذات العام استقالته، حلَّ عبدالله الحجرى - رجل السعودية الأول في اليمن، وأحد الملكيين العائدين - بدلًا عنه، فاتجهت الأمور صوب منحى انفصالي زاد الطين بلة.
 




انتصار البيضاء