الدراما التركية وتكثيف مواجهة الخيانة     في يوم القدس.. حتى لا تنخدع الأمة بشعارات محور المزايدة     تلاشي آمال التوصل إلى اتفاق سلام في اليمن     دول الثمان تحث الأطراف اليمنية على قبول مبادرة الأمم المتحدة لوقف الحرب     المبعوث الأممي يأسف لعدم التوصل لحل شامل في اليمن     قوات الجيش تكسر هجوما للحوثيين في الجدافر بالجوف والمشجح بمأرب     مقتل سكرتيرة سويسرية بالعاصمة الإيرانية طهران     وفيات وانهيار منازل.. إحصائية أولية لأمطار تريم حضرموت     أخاديد الوجع.. قصة طالب مبتعث قرر العودة إلى اليمن     حسن الدعيس.. شيء من ذاكرة التنوير اليمنية     محافظ مأرب يدعو للنفير العام لمواجهة مشروع الحوثي المدعوم إيرانيا     مواجهات عنيفة في مأرب ووحدات عسكرية للجيش تدخل أرض المعركة     وزارة الدفاع تنعي النائب العسكري الواء عبدالله الحاضري     جيش الاحتلال يقصف قطاع غزة وإصابات في صفوف الفلسطينيين بالضفة     مذكرات دبلوماسي روسي في اليمن    

جامع أروى بنت أحمد الصليحي في مدينة إب وسط اليمن

الاربعاء, 23 ديسمبر, 2020 10:47:00 مساءً

اليمني الجديد - بلال الطيب

 
أسس المنصور نور الدين عمر بن علي رسول الدولة الرسولية، وهي في الأصل امتداد للدولة الأيوبية التي استمرت قرابة الـ 57 عامًا، كانت حينها الإمامة الزّيدِيّة مُنكمشة بفعل الضربات المُوجعة التي تلقتها من الأيوبيين، وكان لها إمام - وقيل مُحتسب - يُدعى أحمد بن عبد الله بن حمزة، تولاها نهاية العام 623هـ / 1226م، كان في غاية الضعف، تلقب بـ (المُتوكل)، ولم تتجاوز صفته كزعيم للحمزات.
 
 كان علاقة سلاطين بني حاتم بالرسوليين جيدة؛ وتبعًا لذلك فقد توسطوا عندهم لهذا الإمام وبني عمومته، وفي حصن مرمر خاطب الأخيرون السلطان عُمر قائلين: «يا مولانا نور الدين تسلطن في اليمن، ونحن نخدمك، ونبايعك، على أن بني أيوب لا يدخلون..»، وظلوا تبعًا لذلك حكامـًا باسمه على عدد من المناطق الشمالية.
 
وفي عام 642هـ تحققت للسلطان عمر السيطرة التامة على أغلب المناطق الشمالية، وحصونها، باستثناء حصون ذي مرمر، وبيت ردم، وتلمص، والطويلة، وثلا، وقد كانت هذه الحصون وغيرها محط تنافس كثير من الأمراء العلويين النافذين، وإلى جانبهم عدد محدود من الدعاة الإسماعيليين.
 
بإعلان الشاب الثلاثيني أحمد بن الحسين من ثلا نفسه إمامًا، عاودت الإمامة الزّيدِيّة الظهور لبعض الوقت وبقوة صفر 646هـ، وهذا الإمام من نسل القاسم بن إبراهيم طباطبا، تلقب بـ (المهدي)، وقيل أنَّ اختياره كان كحل وسط لإنهاء الصراع الدائر بين الحمزات، وآل الهادي، وهو الصراع الذي أودى بحياته في النهاية.
 
كان هذا الإمام بلا خبرة سياسية، لم يعمل على احتواء مُنافسيه الطامحين، ورغم خضوع الحمزات له، عمل على تهميشهم، وإذلالهم، كما عمل على تهميش بني حاتم؛ الأمر الذي دفعهم جميعًا إلى رفع راية العصيان، والتحصن في حصني ذي مرمر والعروس.
 
حاربهم الإمام المستبد، ونكل بهم، فـ «خربت البساتين، وغُورت الآبار، ودُمرت البلاد» - حد توصيف كاتب سيرته - وقد صور الشاعر الحاتمي ذلك المشهد بقوله:
 
فلـــما استـقــلت في آزال ركابه
أنــاخ على الإسـلام حتى تدعثرا
أبـاح دمـاء الـمسلميـن ومـالـها
وكان رجـاها أن يقُـوم وينصُرا
فيا معشر الإسلام لم يبـق مُنصف
ولا مُنكرٌ يـدعو إلى الله مُنكرا
فإن تثـأروا أو تنكروا كان عاجلًا
وإلا قصـدنا الأريحيَّ المُظفرا 
 
وبالفعل ارتمى الحمزات وبنو حاتم في أحضان السلطان الرسولي الجديد المُظفر يوسف بن عمر، أصلحوا بينه وبين ابن عمه الأمير أسد الدين محمد، فتقوى بذلك أمر الرسوليين، استعادوا صنعاء للمرة الثالثة رجب 651هـ، وسيطروا نهاية ذات العام لبعض الوقت على صعدة، وأجبروا الإمام أحمد بن الحسين على الهروب إلى عُلاف غرب ذات المدينة، وأعلنوا بدأ العد التنازلي لزوال دولته.
استطاع الحمزات وبدعم رسولي كبير أنْ يقضوا على الإمام أحمد بن الحسين، قتلوه بشُوابة ذيبين صفر 656هـ، ومثلوا بجثته، وحزوا رأسه، وقد تبارى شعراؤهم في مدح المُظفر يوسف، وشعراء بني حاتم أيضاً، ومما قاله الأمير علوان بن بشر بن حاتم اليامي:
فـيا أيها الـملك المُظفـر والـذي
 
حمــى قصـاب الـملك أن تتهدَّما
ملكت فلـم تفخر ونلت فلم تظل
وجدت فلم تترك على الأرض معدمًا
فلـم يبـق في الأقــــوام إلا حُثالة
تـهبُّ بــها ريـح الصـبـا أن تبسما
نهضنا بـجيش منك يطموا عبــابه
يضيـــق به رحب الفضا حيث يـمما
صعـدت بنا أَعمال صعدة شبحًا
تبارى كأمثال الشمــوس تـهتما
ولاحت على الأقطار أعلام يوسف
كــأن شعــاع الشمس منها تسنما
انقطعت بعد ذلك أخبار سلاطين بني حاتم، وأخبار الإسماعيليين أيضاً، الأخيرين لأكثر من ستة عقود، كانوا مُتواجدين في عددٍ من المناطق - سنأتي على ذكرها - فيما ظل بعض دُعاتهم مُسيطرين على بعض الحصون، وقد استمر جميعهم على ولائهم للدولة الرسولية، وحين بدأت الأخيرة تضعف؛ عاودوا الظهور من جديد. 
بوفاة السلطان الرسولي المُؤيد داؤود بن المُظفر يوسف ذي الحجة 721هـ، وتولي ولده المُجاهد علي ذو الـ 15 ربيعًا الحكم، دخلت الدولة الرسولية مرحلة التيه والضعف الشديد؛ كون سلطانها الجديد صغير السن، وبلا خبرة سياسية، والأسوأ من ذلك أنَّه كان سيء الظن، سادي الانتقام، أقصى أعوان أبيه، وهمش بني عمومته، فكانت تمردات الأخيرين عليه صادمة، وبدأت تبعًا لذلك خريطة الدولة الرسولية تنكمش أكثر فأكثر.
 
قويت في المُقابل شوكة الإمام الزيدي الهادوي المهدي محمد بن المُتوكل المُطهَّر، تحول بعد 22 عامًا من إمامته من الدفاع إلى الهجوم، حارب الإسماعيليين مُنافسيه التقليديين، وخَرَّب مَنازلهم، واستولى على عدد من حصونهم، وأخذ صنعاء من تحت أيديهم شعبان 723هـ.
كانت صنعاء حتى بداية ذلك العام خاضعة للرسوليين، إلا أنَّه عندما توفي واليها الأمير الأسد بن نور الدين، استدعى العسكر علي بن إبراهيم الأنف أحد دعاة الإسماعيلية، وعينوه أميرًا عليهم. وما يجدر ذكره أنَّه وأثناء حصار المهدي محمد لصنعاء قام العساكر الرسوليون في حصن ذي مرمر بقتل أميرهم ابن عوسجة، وخانوا دولتهم، وراسلوا ذات الإمام، وسلموه ذات الحصن.
كان التنافس حينها بين أئمة الزيدية ودعاة الإسماعيلية قائمًا، وكان كل طرف يسعى جاهدًا لميراث أراضي الدولة الرسولية الشمالية بأسرع وقت، وبأيسر التكاليف، وقد قام الإسماعيليون في أواخر العام التالي بشراء حصن كوكبان من نائبه الرسولي؛ الأمر الذي أغضب المهدي محمد، فحاول السيطرة على ذلك الحصن الحصين، ولكن دون جدوى، وكانت الغلبة إجمالًا وفي غالبية المحاور لذات الإمام، وقد أنهى بالفعل السيطرة الرسولية على معظم المناطق الشمالية.
 
استقر المهدي محمد بعد ذلك في حصن ذي مرمر، وفيه كانت وفاته ذي الحجة 728هـ، وتم بعد مرور 39 عامًا نقل رفاته إلى صنعاء، وهو أول إمام زيدي يُدفن في ذات المدينة، وفي حمى جامعها الكبير.
سيطر الحمزات بعد وفاة المهدي محمد على مدينة صنعاء، ومن ضواحي الأخيرة، وبدعم منهم، أعلن يحيى بن حمزة بن علي نفسه إمامًا رجب 729هـ، تلقب بـ (المُؤيد)، وحارب بداية حكمه الإسماعيليين، وكان الأخيرون كما سبق أن أشرنا قد تقوى جانبهم، ليجنحوا بعد حروب مضنية للصلح، إلا أنَّه - أي الصلح - وكما ستكشف الأحداث التالية لم يستمر طويلًا.
توفي المُؤيد يحيى بن حمزة رمضان 749هـ، فأعلن علي بن محمد بن علي من ثلا نفسه إمامًا، تلقب الأخير بـ (المهدي)، وهو من نسل الهادي يحيى، كان قويًا عكس أسلافه، ناصره كثيرون، وعارضه الحمزات، وقد بدأ عهده بمحاربة الأخيرين، وأجبر مُعظمهم على الهروب جنوبًا، بعد أن أخذ عددًا من حصونهم، كما نكل بالإسماعيليين، وخرَّب مناطقهم، وذكر مُؤرخو الزّيدِيّة أنَّه «أزال سبع عشرة دولة ظالمة»!
 
أثناء مرضه الأخير، وفي نهاية عقده السابع، أناب المهدي علي ولده، وقائد جنده، وولي عهده الأمير صلاح الدين محمد بدلًا عنه، وحين أثر المرض على عقله؛ أعلن نائبه من ذمار نفسه إمامًا صفر 773هـ، مُتلقبًا بـ (الناصر)، وذلك قبل عام واحد من وفاة سلفه، نقل جثمان والده المتوفي إلى صعدة، ودفنه بوصية منه جوار الهادي يحيى، وكان بشهادة كثير من المُؤرخين أسوأ منهما بكثير.
كغيره من الأئمة، كانت للناصر صلاح الدين محمد حروب كثيرة مع الإسماعيليين، واقعة المنقب في همدان كانت الأشهر 788هـ، وصل عدد القتلى فيها إلى أكثر من 1,000 قتيل، وقيل أقل من ذلك، وعنها قال صاحب (غاية الأماني): «فلم يكن بأسرع من أنْ دخل عليهم جند الإمام، وحكموا فيهم السيف الصمصام، حتى أتى القتل على آخرهم، ولم ينج منهم أحد، وكان يومـًا عظيمًا اضطرب منه اليمن بأسره، وذلت رقاب همدان لما وقع بهم من عقاب الله وزجره».
وعن تلك المعركة قال جمال الدين الهادي بن إبراهيم الوزير:
واذكر لنا فـتح الإمـام محمـد
بلـد الطغـام الفرقـة الأنجـاس
أفنى الإمام الباطنيـة عـن يـدٍ
ومحى رسوم الكفر والأدناس
الناصـران مـن الأئمة دمـرا
فرق الردى والكـفر شـر أناس
يوم كنغـاش والمنقـب ألبـسا
فرق الضلال ملابـس الإبلاس
كان الإسماعيليون حينها متواجدين بكثرة في همدان، وثلا، وبني حشيش، وحراز، ويريم، وريام، وإلى الأخيرة توجه الناصر صلاح الدين رمضان 789هـ، وعن ذلك قال المُؤرخ الخزرجي: «فنهب منها مالًا جليلًا، وقتل من أهلها طائفة، وقتل من أصحابه طائفة، ولما رجع الإمام عنها قصد عسكره إريابًا - بالقرب من يريم - فأتلفوا زرعه، وقاتلهم أهل إرياب، وقتلوا منهم جماعة، ونهبوا كثيرًا من خيامهم، وأزوادهم، وأثقالهم».
 
توفي الناصر صلاح الدين ذي القعدة 793هـ، فخلفه ولده علي، تلقب الأخير بـ (المنصور)، كانت علاقة الأخير بالرسوليين في أغلب فترة حكمه التي تجاوزت الـ 46 عامًا هادئة إلى حدٍ ما، وقد أرسل بداية عهده بهدايا الصداقة للسلطان الأشرف الثاني إسماعيل، آخر سلاطين بني رسول الأقوياء.
كان عهد السلطان الرسولي الثامن الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل مُستقرًا نوعًا ما، وذكر بعض الـمُؤرخين أنَّه وجه نشاطه بداية عهده إلى المناطق الجبلية، حيث استولى على حصن إرياب، والحقل، وأخرب مدينة يريم شوال 805هـ، كما قام بدعم مُعارضي المنصور علي من الحمزات والإسماعيليين على السواء، استقبل وفودهم كوالده أكثر من مرة، وأغدق عليهم بأعطياته السخية؛ وهو الأمر الذي أغضب الإمام الزيدي، ليبدأ الأخير بشن غاراته على حدود الدولة الرسولية، إلا أنَّ تلك التوسعات باءت بالفشل. 
 
كانت للمنصور علي - كأبيه وجده - حروب كثيرة مع الإسماعيليين، اجتاح ثلا، ثم توجه صوب معقلهم الحصين في ذي مرمر، الذي عاد خلال العقود الفائتة لسيطرتهم، حاصره لسنة وثلاثة أشهر، وأخرج دعاتهم من بني الأنف منه شعبان 829هـ، وعن تلك الموقعتين قال الشاعر أحمد بن قاسم الشامي:
وقد فتح المنصـور بالله أرضهم
ببيض المواضي والردينيـة السـمـر
وما زال في أرض القــرامط لابسًا
مـن الله سـربـال السعادة والنصـر
أبعـد ثلا يــرجى لـحصـن سـلامة
وذي مرمر سامي الذرى سامي القصر
  .. يتبع




قضايا وآراء
غريفيث