الاربعاء, 16 ديسمبر, 2020 08:44:00 صباحاً

اليمني الجديد - عبدالسلام قائد

قبل محاولة وضع الحلول لأي أزمة سياسية يجب أولا معرفة الأسباب التي أدت إلى اندلاع تلك الأزمة، وفي الحالة اليمنية فإن السبب الرئيسي لاندلاع الأزمة يتمثل في أن معظم المجتمع اليمني ما زال يعيش زمن ما قبل الدولة، أو مجتمع اللادولة، ولذا من الطبيعي أن يتخلى عن فكرة الدولة لصالح جماعات صغيرة تنتمي لزمن ما قبل الدولة، زمن سلطة شيخ القبيلة وزعيم السلالة وعاقل القرية، وليس زمن الدولة والمؤسسات والقوانين وسلطة أصحاب الكفاءات الذين يتم اختيارهم بواسطة الانتخابات، وفي مجتمع اللادولة تكون القابلية للعبودية الفردية أو العائلية أو السلالية هي الشائعة، بل تكون هي الحالة الطبيعية التي يجب أن تكون سائدة.
 
يقول بيار كلاستر في كتابه "مجتمع اللادولة" إن إحدى فقرات فيما يتعدى الخير والشر يبدأ على النحو الآتي: إذا كان صحيحا أنه في كل الأزمنة، ومنذ وجد البشر، كان يوجد أيضا قطعان بشرية (الأخويات الجنسية، الجماعات، القبائل، الأمم، الكنائس، الدول)، وأعداد كبيرة من البشر تخضع دوما إلى عدد صغير من الزعماء، وبالتالي إذا كان الخضوع هو أفضل ما مورس وتُعهّد بين البشر، يحق لنا أن نفترض بأن كل واحد يمتلك أساسا في ذاته حاجة فطرية للخضوع على شكل وعي صوري يأمره: "افعل هذا دون نقاش"، "امتنع عن فعل ذاك دون نقاش".
 
ومع أنه لا يمكن التعميم وإدانة المجتمع اليمني بشكل عام بأنه يعيش زمن اللادولة كحالة ثقافية سائدة، إذ هناك نسبة كبيرة من السكان لديهم وعي سياسي يشكل الحارس الأمين على مفهوم الدولة من الانهيار الكلي، لكن المعضلة الحقيقية الماثلة أمامنا هي أننا مجتمع بلا دولة، بسبب عدم وجود سلطة مركزية ذات سيادة، لكنها مع ذلك تمتلك آليات سيطرة اجتماعية يمكن وصفها بأنها أكبر من حكومة وأقل من دولة، وتعاني من أزمتي الشرعية والسيادة بسبب تكالب الجماعات البدائية التي تحولت إلى مليشيات مسلحة بدعم إقليمي متعدد المشارب.
 
إن الميزة البارزة للدولة هي سيادتها، أي سلطتها المطلقة وغير المقيدة، وتتطلب قوانينها إذعان كل من هم يعيشون داخل أراضيها، والشرعية هي الصفة التي تحول القوة العارية إلى سلطة شرعية تقوم طاعتها على الواجب وليس الخوف، وفي غياب الشرعية لا يستطيع الحاكم الاستمرار إلا اعتمادا على الخوف والإكراه بالتهديد والعنف، وهذا ما يتجسد في مناطق سيطرة الحوثيين والانفصاليين كجماعات بدائية همجية ذات سلطة قهرية غير شرعية.
 
يقول أرسطو إن الحكم يكون شرعيا فقط عندما يعمل لصالح المجتمع ككل وليس من أجل المصالح الأنانية للحكام، بينما يعتقد روسو أن الحكومة تكون شرعية إذا كانت معتمدة على إرادة عامة، وهذا ينفي صفة "الشرعية" عن كافة المكونات اليمنية أو أطراف الصراع، بما في ذلك السلطة الشرعية ذاتها.
وفي خضم أزمة الحكم، يبرز الدافع العدواني للجماعات البدائية التي تحولت إلى مليشيات مسلحة، كأسلوب قهر وإخضاع المجتمع لطريقة حكم غير سوية وعديمة الأخلاق وتشكل انتهاكا صارخا للحقوق والحريات والأخلاق، وقد افترض لورتز في كتاب عن العدوان (1966) أن العدوان دافع طبيعي وجد في كل الأنواع، بما في ذلك النوع البشري، ويوصف ذلك السلوك بأنه غريزي وذو علاقة بالملكية الخاصة. وهذا يعني أن الدافع العدواني لدى الحوثيين يأتي لاعتقادهم بأن السلطة والثروة العامة هي ملكية خاصة بهم، وكذلك الأمر بالنسبة لبقية المليشيات الانفصالية وغيرها.
والدافع العدواني سلوك غريزي مناقض للعقل، ينتج عن غياب تأثير التفكير العقلي على السلوك البشري، ونقص التربية بسبب غلبة الطبيعة البشرية، فكيف يمكن لشخص قدم من كهوف صعدة أو شعاب الضالع أن يقتنع بفكرة الدولة والديمقراطية وهو نشأ في محيط اجتماعي تنقصه التربية وتغلب عليه طبيعة بدائية فوضوية وصفات جوهرية همجية غير قابلة للتغيير، أي أنها فطرية وطبيعية، في ظل غياب أي صفات حضارية لا تكتسب إلا من خلال التعليم أو من خلال التجربة الاجتماعية.
 
إن الحياة السياسية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحياة الاجتماعية، والسياسة هي انعكاس للتوترات والصراعات الاجتماعية، والعنف والحرب انهيار للعملية السياسية، فالحرب ليست سياسة ولا فعل سياسي، وبما أن الحياة الاجتماعية والتوترات الاجتماعية يغلب عليها الطابع البدائي الهمجي، فإن ذلك ينعكس على التوترات والصراعات السياسية، في ظل غياب كلي لما يمكن أن تمثله التربية والتعليم والخبرة من تأثير يؤدي لإحداث نقلات اجتماعية وسياسية تدريجية ترسخ مفهوم الدولة والتخلص من أساليب السيطرة والحكم الهمجية والانتقال إلى مرحلة الدولة ومؤسساتها الدستورية.
 
وفي المجتمعات البدائية يتم شيطنة السياسة والسياسيين مقابل تمجيد شيخ القبيلة أو زعيم السلالة أو عاقل القرية باعتباره مصدرا للحكمة والإلهام، حتى وإن كان مجرد حمار ناطق، وهناك من ينظر للسياسة ككلمة قذرة، فهي تقتضي الخداع وعدم الأمانة والفساد، وتنشأ هذه الصورة من الارتباط بين السياسة وسلوك السياسيين الذين قدموا أصلا من مستنقعات الكذب والخداع وليس من جامعات ومعاهد علم السياسة.
 
هناك أزمة فعلية في نظر المجتمعات البدائية للسياسة والممارسات السياسية، خاصة ما يتعلق بالتعريف التقليدي للسياسة الذي أعلنه بسمارك، ويفيد أن السياسة ليست علما وإنما هي فن، أي فن الحكم، وهذا الفن هو الذي يفهمه السياسيون الأغبياء بأنه مجرد كذب وتلون وخداع.
تتجلى السياسة الحقيقية في أن التوفيق بين المصالح المتنافسة والمجموعات المتنافسة يتطلب أن تكون السلطة منتشرة بشكل واسع عبر المجتمع، وليست حكرا على عائلة أو سلالة أو قرية، فقد صورت السياسة في أحيان كثيرة بأنها فن الممكن، كوسيلة لحل الصراعات بالحل الوسط، والتوفيق والمفاوضات. لقد قدم هذه الرؤية برنارد جريك في كتابه "دفاع عن السياسة"، حيث ينظر إلى السياسة على أنها "الحل لمشكلة نظام ما باختيار التوفيق بدلا من العنف والإكراه".
 
كما أنه في المجتمعات البدائية والمتخلفة، فإن فكرة عصرية وحضارية مثل الديمقراطية تتحول إلى معضلة حقيقية وخطر عظيم، فكيف يمكن أن نطمئن لتصويت شخص في الانتخابات قدم من كهوف صعدة أو شعاب الضالع، فالديمقراطية الانتخابية قد تتحول إلى حكم استبداد الأغلبية الهمجية المفتقدة للتربية والسلوك البشري السوي.
إن الخطر من الديمقراطية لا ينبع من خطر حكم الأغلبية، بقدر الخوف من طبيعة الأغلبية في أغلب المجتمعات، إن لم يكن كلها. وتفترض مثل هذه الأطروحات، مرددة التحفظات القديمة بشأن الحكم الشعبي، أن الديمقراطية تضع السلطة بين أيدي من هم غير مؤهلين للحكم، مثل الجماهير غير المثقفة، وأولئك الذين تسيطر عليهم على الأرجح الهوى والغريزة أكثر من الحكمة.
لقد حذر أورتيجا يي جاسيه في كتابه "تمرد الجماهير" من أن ديمقراطية الجماهير قادت إلى الإطاحة بالمجتمع المتحضر والنظام الأخلاقي، مما يمهد الطريق لأن يتولى السلطة حكام مستبدون احتكاما لأكثر غرائز الجماهير حقارة.
 
وبينما يؤكد الديمقراطيون المبادئ الداعية للمساواة، يميل المنتقدون، أمثال أورتيجا، لاعتناق المفهوم المحافظ جدا للتسلسل الهرمي الطبيعي، وهذا يتجسد في النظام الانتخابي الأمريكي، الذي يبدو شبيها إلى حد ما بفكرة "أهل الحل والعقد" في الشريعة الإسلامية.
 
ما سبق يعني أن الديمقراطية والانتخابات ليست هي الحل الأمثل لأزمة السلطة في اليمن في الوقت الحالي، والحل البديل يتمثل في القضاء على المليشيات الهمجية البدائية ذات النزعة السلالية والعائلية والمناطقية، ثم إقامة نظام حكم استبدادي مستنير تتولاه الطبقة المستنيرة في المجتمع، يتولى تأهيل المجتمع وتعليمه وتمدينه بالقوة وتثقيفه القيم الوطنية والحضارية حتى يصبح مؤهلا لممارسة الديمقراطية، وإلا فكيف نقنع شخصا من صعدة يقاتل لأجل حكم سلالي أن ينتخب رئيسا من حضرموت، أو نقنع شخصا من الضالع يقاتل لأجل حاكم قروي أن ينتخب رئيسا من تعز؟ افتونا يا أولي الألباب.
 




قضايا وآراء
غريفيث