اللجنة الأمنية بتعز تصدر 14 قرارا مهما     منظمة دولية تدعو الإدارة الأمريكية لوقف مبيعات الأسلحة للإمارات     انهيار متسارع للعملة اليمنية مقابل العملات الصعبة واستفادة مباشرة للحوثيين     جلسة استماع للصحفيين المفرج عنهم من سجون جماعة الحوثي بمأرب     وزير الخارجية اليمني: استقرار اليمن من استقرار المنطقة بالكامل     منظمة دولية: استهداف الحوثيين للأحياء السكنية بتعز ترتقي لجريمة حرب     منظمة دولية تدعو الحوثيين للإفراج الفوري عن صحفي يمني     إحصائية جديدة .. وفاة نحو 233 ألف يمني بسبب الحرب في اليمن     افتتاح مخيم الوفاء الخيري لذوي الاحتياجات الخاصة بمأرب     مرخة العلياء الحلم الذي أصبح حقيقة     مجزرة جديدة للحوثيين بتعز تخلف قتلى في صفوف الأطفال والنساء     تنديد واسع بعنف الشرطة الفرنسية على مصور من أصول سورية     كلمة الرئيس هادي بمناسبة 30 من نوفمبر     محافظ شبوة يعقد اجتماعا بإدارة وطواقم مستشفى عتق العام     مصرع قيادي كبير في تنظيم القاعدة في كمين بأبين    

الثلاثاء, 06 أكتوبر, 2020 10:02:00 مساءً

اليمني الجديد - حسين مديحج

هذا هو الجزء الثاني ضمن جولة في مذكرات أحمد محمد نعمان، وفيها سيرة حياته الثقافية والسياسية. وقد حاولت أن أقدم فيها عصارة حياته وأقف على كبرى الأحداث المؤثرة الواردة فيها والمواقف التي شكلت مدخلاً صلباً في بناء شخصيته، بُغيةَ فتح نافذة لقراءة مذكراته والوقوف عليها والاستفادة من دروس الماضي الذي يعيد نفسه في قوالب جديدة في الزمن الراهن.
 
" في تعز، أثارت طريقة التدريس الجديدة جلبة أدت إلى طرد حيدرة مجدداً وإغلاق المدرسة، وتبعه نعمان مقرراً الذهاب إلى الحج ومنه سافر إلى مصر حيث عزم على الدراسة في الجامعة المصرية، ولعدم تحصله على شهادة البكالوريا اضطر لدخول الأزهر دونما رغبة، فلم يكن الالتحاق بالجامعة هدفاً في الأساس وإنما الكتابة عن مظالم اليمن في صحيفة (الشورى) التي يصدرها الفلسطيني أبو الحسن محمد علي الطاهر، وكانت من الصحف القليلة التي تصل إلى أغلب الأقطار العربية بما فيها اليمن. وتتحلى بالجرأة الكافية لنقد الحكام وبيان عوارهم، وكان لها تأثير كبير على اليمنيين، ويكتب المهجريون إلى أبو الحسن عن الأوضاع في الداخل ويستقدمون الصحيفة، وتكونت بين الأستاذ نعمان وأبو الحسن علاقة وطيدة، وحرص على العكوف في مكتب الصحيفة وفيه تعرف على ثلة من المكافحين الأولين ضد الاستعمار واستمع إلى حديثهم طويلاً.
كان من جملة القاصدين للصحيفة الأمير شكيب أرسلان (أمير البيان)، وتعرف الأستاذ عليه وصاحبه لفترة، وصار كاتباً لديه في الصحيفة يكتب له كل يوم حوالي ساعة، ولما غادر أرسلان إلى سويسرا أرسل للأستاذ رسالة يطلب منه القدوم والعمل معه مقابل عشر جنيهات شهرياً إلى جانب تعليم أولاده العربية، ولكن لسوء الحظ لم يكن يمتلك جوازاً وما كان بمقدوره إخراجه، فلم يستطع تلبية الدعوة واللحاق بشكيب.
بدأت علاقة الأستاذ بالإمام أحمد قبل توليه الإمامة منذ أن كان في اليمن حيث جرت بينهم مراسلات كثيرة، وتلقى من خلاله الدعم لإقامة الدروس في مدينته، وتحسنت العلاقة أكثر أثناء تواجده في مصر فكان يرسل إليه النقود لمساعدته على الدراسة، وكان على موعد لافتتاح صحيفة (اليمن الخضراء) بإشراف الإمام أحمد، ولما عاد الأستاذ إلى اليمن خاف على نفسه وأمّنها بخطبة مؤثرة حول الحضارة الفاسدة والنساء السافرات - يقصد بذلك مصر- وحماية الله لليمن من الوقوع تحت وطأة الاستعمار، وتأثر الإمام أحمد بها وبكى، بعدها سلّمه إدارة المعارف وساهم في إنشاء كتاتيب في القرى لتعليم القرآن والفقه، وكانا أديبين يتبادلان الشعر في المجالس وعلى مقربة نفسية من بعض، ونقد الحركة الأدبية في ذلك العصر بأنها محصورة بين الثناء على الإمام وطلب العفو منه، وفي هذه الأثناء اشتدت المجاعة على الناس وبدأ الارتياب يداخل قلب الإمام أحمد منه بسبب الوشايات المتكررة.
على إثر ذلك آثر النعمان الهرب برفقة صديقه الزبيري إلى عدن وانضم إليهم الشامي والموشكي وأعلنوا عن تأسيس (حزب الأحرار اليمنيين) وأخرجوا أول ميثاق لحزب الأحرار أحدث ضجّة كبيرة في وقتها وأصدروا صحيفة (صوت اليمن)، ولحق الأمير ابراهيم أحد أولاد الإمام يحيى بتنظيم الأحرار مما شكل أكبر دعاية لهم وقطعت بهم مسافات طويلة، ومن عدن كانوا يرسلون المذكرات للاستنجاد والاستغاثة بالجامعة العربية والبلدان العربية، وعقد الندوات والجلسات الكثيرة لتدارس الأزمة اليمنية وسبل المعالجة، ولما جاءت الحرب العالمية الثانية مُنعت الأنشطة السياسية في عدن بما فيها الكتابة، فاحتالوا على المنع بتقديم كتاباتهم على أنها مواضيع أدبية تنشر في صحيفة (فتاة الجزيرة) التي يديرها الأستاذ محمد علي لقمان أحد مصادر الفكر في عدن، وفي تلك الأثناء دعمت صحيفة (الرابطة العربية) المصرية تنظيم الأحرار وساهمت في نشر قضيته، واستطاع الأحرار الحصول على صحيفة خاصة في مصر سميت بـ (الصداقة) تحت إدارة المسمري ويحيى زبارة وآخرون، كما تمكنوا في عدن من شراء مطبعة خاصة بهم غير أن الإمام أحمد تمكن منها وصادرها بعد أحداث ١٩٤٨م.
 
فجّر العمل النضالي المنظم في عدن والاتصال المباشر بالداخل ثورة ١٩٤٨ والتي سميت بثورة (الدستور) وانتقل الأستاذ نعمان إلى الداخل اليمني للمساهمة في قيادة الثورة إلا أنها فشلت في أقل من شهر على انطلاقها وسيق الجميع إلى السجون بما فيها سجن (نافع) الشهير بحجة الذي كان مؤلفاً من طبقات تحت الأرض أشبه بدهاليز تضم غرفاً عارية من الفرش، وبعد ١٨ يوماً من عذابات النفس والجسد في السجن بدأت سلسلة من الإعدامات المنظمة وكان كل سجين يترقب موعده فإذا نودي باسم أحدهم ودّع أصدقائه وذهب إلى ساحة الإعدام فلا يعود بعدها، وكان الحال الذي صوّره الأستاذ في مذكراته قائلاً "ونصاب نحن بشيء من الشلل في نفوسنا وجفاف وزهد في كل شيء وكل واحد منا ينتظر الموت".
 
ويبدو أن صلة الأستاذ الوثيقة بالإمام أحمد جنبته القتل رغم تورطه في التخطيط لمقتل أبيه الإمام يحيى وتغيير نظام الحكم، كما خفف عنه السجن وسمح له بالخروج منه صباحاً للتدريس في مدرسة بحجة وأتاح لعائلته زيارته إلى أن خرج من السجن وعمل إلى جانب البدر ابن الإمام أحمد، وساهم في إفشال حركة الثلايا سنة ١٩٥٥م ورأى فيها ثورة "بلهاء"، ووصمها الإرياني في مذكراته بـ "انقلاب"
 
بعدها هرب نعمان برفقة الزبيري إلى مصر لاستئناف المسيرة والدفاع عن القضية في اللحظة التي فتن فيها بعبد الناصر ورأى فيه الخلاص العربي وحَلُم بوحدةٍ تضم اليمن إلى مصر، وصُدم الإمام أحمد بالنعمان يتحدث من صوت العرب فلم يتمالك نفسه وضرب المذياع على الأرض وحطمه، كما أعاد بث صوت اليمن مجدداً وتوقفت بعد تهديد الإمام بالانضمام لحلف بغداد، ولما انضم الإمام لاتحاد الدول العربية مع الجمهورية العربية المتحدة وجد الأحرار أنفسهم خارج اللعبة بعد أن كانوا الأنبياء الداعين للعروبة، وأصبح الإمام ثالث ثلاثة مع عبدالناصر وشكري القوتلي رئيس سوريا، ولكن سرعان ما ذبّ الخلاف بينهم ونظم الإمام قصيدة هاجم فيها التأميم والاشتراكية، ورد عبدالناصر بإلغاء الاتحاد.
استغل النعمان والزبيري هذه الفرصة وحرصوا على استئناف جهودهم السابقة وإذا بهم يواجهوا بالتغييب ويفاجؤوا بإحلال البيضاني مكانهم يذيع من صوت العرب وتنشر مجلة روز اليوسف كل ما يذيعه، وكان خطابه عنصرياً تفريقياً يفاصل الشعب بناء على قبائلهم ومذاهبهم، ويهاجم الأحرار القدامى لاتزانهم الذي أضعف شعلة حماس الشباب حد قوله، كل ذلك كان تحت دعم ورضى الجانب المصري.
 
قامت ثورة ٢٦ سبتمبر وفاجأت الجميع بما فيهم النعمان، وأركب البيضاني على ظهرها واصطدم بالقبائل اليمنية في بدايات الثورة ورجع النعمان إلى اليمن بعد مدة حيراناً من مآل الثورة قائلاً: "لا توجد حكومة! ما يوجد هو الجيش المصري والسلال والضباط يقتلون ويخربون وينهبون.. فأين وجه الثورة؟"، وعاد إلى القاهرة مجدداً وشغر منصب مندوب اليمن في الجامعة العربية.
 
عاد للاستقرار في اليمن بعد مضي فترة طويلة سنة ١٩٦٤م خلال فترة الإعداد لتأسيس مجلس الشورى الذي عيّن رئيساً له ووُضع له شعار اقتبس من القرآن في سياق ذكر الحضارة السبئية القديمة {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون} النمل [32 ]، ولما وجد النعمان أن قراراته كرئيس للمجلس خاضعة لإرادة السلال رئيس الجمهورية والجائفي رئيس الوزراء وهم بدورهم ممثلين لرغبة المصريين قدّم استقالته من الرئاسة.
 
وبسبب العلاقة غير الصحية بالخارج وخصوصاً بمصر قرر النعمان بمعية الإرياني والزبيري الاستقالة من عملهم الرسمي ونشروا موقفهم في كتيب حمل عنوان (نحن والمصريون)، بعدها التفّ حولهم مشائخ القبائل وتبعهم في الاستقالة أغلب أعضاء الوزارة ووقّعوا على عريضة بالإصلاح المطلوب صاغها الثلاثي النعمان والإرياني والزبيري، وتعرضوا على إثر ذلك للتنكيل والمراقبة والسباب من على إذاعة صنعاء وحوصرت بيوتهم وشددت الحراسة عليها.
 
والحقيقة أن علاقة السلال بالنعمان لم تكن جيدة ففي أحد مجالس مصر التي جمعتهما بالرئيس جمال عبد الناصر حدثت مشادة كلامية وتلاسن بين السلال والنعمان حينما قال السلال أن نعمان لا يريد الجمهورية فرد عليه القول بأنه عاجز عن أن يكون مع الإمام من العكفة - حرس الإمام- ولا أريد أن تعود الملكية لأكون رئيس العكفة، وكان يعرّض بوظيفة السلال قبل الثورة، فنهض السلال تاركاً الاجتماع، والنعمان في مذكراته يتهكم بالسلال في أكثر من موضع ويصفه بالضعف والارتهان للخارج ونرى مثل ذلك في مذكرات الإرياني ولكن بصياغة ألطف.
 
أدى الخلاف الحاصل بين الحكومة اليمنية إلى وقوف مصر في جانب السلال والزج بطرف النعمان إلى (السجون الحربية للتأديب والتهذيب والإصلاح) في مصر الجديدة بين القتلة تحيط بهم الحشرات من كل جانب والجدران ملطخة بالأوساخ، ونافذة صغيرة أعلى الغرفة أشبه ببئر مظلمة، وقال النعمان مرة للحارس لما تأذى من الحال الذي بلغه "لا نريد حرية القول، أعطونا حرية البول"، وجلسوا تسعة أشهر وعشرة أيام في الزنزانة لا يعرف أحد منهم عن الآخر، مغيّبون تماماً عن الخارج لا يرون شمسه ولا يعرفون أخباره، يرمى إليهم الطعام في أوقات غير منتظمة ويمنعون النوم أحياناً، ولما خرجوا منه إلى سجن آخر أخف بعد انقضاء هذه المدة تزامناً مع هزيمة ١٩٦٧م أتيح لهم رؤية بعض وفوجئوا بأن بينهم وزير الخارجية ووزير التعليم ورئيس الأركان ومدير مكتب رئيس الوزراء وغيرها من الأسماء الكبيرة في الدولة، ولم يفرج عنهم إلا بعد سنة واثنان وعشرون يوماً، ومهما بلغت المصائب بدولة أو حجم الخلافات فيها لن تصل إلى مثل هذه الحالة المذلة من التبعية والعمى والسكوت على حبس حكومة في بلد آخر وتعرضهم للمهانة.
 




قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ