اليمن تحتج بعد لقاء جمع الصليب الأحمر مع المبعوث الإيراني في صنعاء     مخاطر تباطؤ السعودية في حسم معركة مأرب لصالح الشرعية     مصرع عشرات الحوثيين في أعنف مواجهات بجبهات مأرب     انتصارات ساحقة للجيش في تعز والمليشيا تقصف مستشفى الثورة     وثائق جديدة حول تورط الصندوق السيادي السعودي بمقتل خاشقجي     لقاء يجمع قيادات وزارة الدفاع في مأرب لمناقشة أوضاع الحرب     لماذا تبدو معركة مأرب فاصلة (تقدير موقف)     هجوم صاروخي جديد على قاعدة عين الأسد بالعراق     المحافظ بن عديو يشارك بحفل تخرج دفعة جديدة للقوات الخاصة بشبوة     عقوبات أمريكية جديدة تستهدف اثنين من قيادات مليشيا الحوثي     العميد شعلان.. البطل الذي أرهق أحفاد الإمامة ودحر فلولها في بلق مأرب     قيادي بحزب الإصلاح: مأرب تخوض معركة اليمنيين الفاصلة     مطالبات محلية ودولية لوقف استهداف الحوثيين للنازحين في مأرب     الجيش يصد هجوم الحوثيين بنهم ويدعو الصليب الأحمر لانتشال جثث القتلى بالجوف     عائلة عفاش حين أفسدت الماضي والحاضر    

الجمعة, 02 أكتوبر, 2020 08:16:00 مساءً

اليمني الجديد - بلقيس tv - محمد المياحي

 
ثمة عبارة سياسية حديثة، تكاد تكون بمثابة قاعدة تفسيرية تلخص الفشل المديد لسياسة أمراء النفط "العربان" في كل محاولاتهم التاريخية للعب دور خارجي، حيث يقال: ما من طرف تدعمه السعودية إلا كان مصيره المحتوم الفشل وإفشال الحليف في نفس الوقت، بصرف النظر عما إذا كان هذا الحليف يقف على الجانب الصحيح من التاريخ أم لا. 
 
حدث ذلك في السبعينيات من القرن الماضي حين وقفت المملكة بكامل ثقلها مع الجانب الملكي في حربهم؛ لتقويض الجمهورية الوليدة واستعادة ملكهم المسلوب، وتكرر الأمر بصورة أخف بدعم المملكة للطرف الانفصالي في حرب 94 م ومحاولة البيض تقويض الوحدة اليمنية، وانتهى به الحال لنفس مصير الملكيين، بعد أن تمكن جيش الوحدة من اكتساب المعركة وإفشال المخطط. 
 
 
 
وبعد 8 سنوات من قيام الجمهورية اليمنية، وبالتحديد بعد أن فشلت المملكة وحلفائها من الإماميين في هزيمة الجمهوريين في صنعاء، اضطرت السعودية للاعتراف بالجمهورية اليمنية، وبدأت بمهادنتها وبناء علاقات معها كونها صارت أمرًا واقعًا لا سبيل لدحره. 
 
 
 
لكن السعودية لم تعترف بالجمهورية عن قناعة وتصالح معها، كنظام اختاره اليمنيون بحرية؛ بل كواقع مرير، اضطرها للتعامل معه وفي نفس الوقت ظلت تحاول بكل السبل نخر الجمهورية من الداخل، عن طريق شراء الولاءات القبلية وإفساد الحياة السياسية بالمال والعمل لتثبيت نظام سياسي هجين وإبقائه في حالة من الهشاشة الدائمة، بشكل لا يمثل أي نموذج قابل للنهوض أو تحقيق استقلال سياسي كامل وغير قابل لهيمنة الجارة الكبرى، بل نظام هش يتوجب إبقاؤه في حالة دائمة للحاجة إليها. 
 
 
 
ظلت المملكة تمارس سياسة الاحتواء للجمهورية ونظامها السياسي طيلة عقود، ومثلما فشلت في هزيمة الجمهوريين حين كانت معادية لهم، إلا أنها أفشلت جمهوريتهم حين صادقتهم. 
 
 
 
واستمر أمر الجمهورية اليمنية مدجنة وهشة، حتى قيام الثورة الشبابية، وهنا قامت السعودية بمواصلة ذات الدور، فقد بذلت جهدها لتطويق الفعل الثوري وإنجاز تسوية تضمن بقاء النظام السياسي الجمهوري رهينا لها، وبهذا تمكنت من إنهاء الحالة الثورية لصالح عملية سياسية تحت السيطرة. 
 
 
 
مرت الأيام وكادت المبادرة تفضي لواقع جديد ونظام سياسي نابع من قلب الإرادة الشعبية، وفي ظله قد لا تكون الجمهورية منصاعة لها بشكل كامل. لكن في هذه اللحظات برز مهدد جديد للجمهورية اليمنية، تمثل في التحركات العسكرية للحوثيين، وبينما كان بإمكان السعودية إسناد النظام التوافقي في حينها، وهو نظام ناتج عن المبادرة الخليجية التي رعتها المملكة، إلا أنها غضت الطرف وسمحت بسقوط صنعاء ، ثم بعدها بأشهر عادت لدعم الرئيس التوافقي وقد تمكن الحوثي من التهام كامل البلد وصارت الجمهورية في مهب الريح. 
 
 
 
دولة تتحرك بهذه العقلية المتذبذبة والبطيئة، من الواضح أن الفشل حليف طبيعي لكل تحركاتها، فهي دولة بلا أي خيال استراتيجي، تتصرف وفقًا لمزاج عشوائي وارتجالي ودونما أية منهجية منظمة تنطلق منها في اتخاذ مواقفها مع هذا الطرف أو ضده، قبل أن يكون حليفها قد سقط أو خصمها قد انتصر. 
 
 
 
بالمقابل، يحضر لدينا النموذج المصري للتدخل لإسناد الجمهورية الوليدة بعيد قيام ثورة 26 سبتمبر، وهو نموذج يجري المقارنة بينه وبين نموذج تدخل العربان الحديث. ومع أن هدف التدخل الرئيسي والمعلن للطرفين، القديم والحديث، هو دعم النظام الجمهوري إلا أن  الحدثين يكادان يمثلان نموذجين مختلفين تمامًا عن بعضهما من حيث مجريات التدخل وطبيعة وسلوك الحلفاء والنتائج المتحققة. 
 
 
 
تمكن عبدالناصر من تثبيت الجمهورية الناشئة في صنعاء وهي في أشد لحظاتها ضعفًا، وأمّنَت مصر العاصمة صنعاء للقادة الجمهوريين ليخوضوا حربهم وينتصروا على خصومهم الملكيين، في حين فشلت السعودية تأمين مدينة يمنية واحدة ليمارس رئيس الجمهورية صلاحيته منها ويدير حربه ضد الإماميين الجدد المنقلبين عليه. 
 
 
 
أرسلت مصر آلاف الجنود المصريين والخبراء والإداريين فور سيطرة الجمهوريين على صنعاء وحصنت عاصمتهم من السقوط، فيما انتظرت السعودية 6 أشهر بعد سقوط صنعاء بيد الحوثيين ثم قامت بالتدخل متأخرة وطوال 5 سنوات ظلت عالقة في الصحاري والجبال ولم تتمكن من طرق أبواب العاصمة صنعاء. 
 
 
 
عملت مصر طوال خمس سنوات من تدخلها العسكري في اليمن(1962_1967) على دعم اليمنيين في الجانب التنموي وبما يعزز من حضور مؤسسات الدولة ويُمكِّن النظام الجمهوري من رعاية مصالح مواطنيه في كل الجوانب، تعليميًّا واقتصاديًّا وخدميًّا، حيث لم تكتف مصر بإرسال قوات عسكرية للدفاع عن الجمهورية، بل أرسلت بموازاة الدعم العسكري، نخبة كبيرة من المعلمين والاقتصاديين والفنيين والمثقفين والرياضيين، الذين انتشروا في كل ربوع البلاد للإسهام في استنهاض اليمن وانعاش الحياة المدنية فيه. 
 
 
 
بمقابل هذا، عملت السعودية على تدمير كل موارد الدولة اليمنية الحالية وأعاقت الحكومة من السيطرة على مصادرها التنموية الذاتية وأبقتها رهينة كليًّا لها وبما يمنعها من تحقيق أي استقلال سياسي ممكن، ناهيك أنها لم تكترث للدمار الذي أصاب الحياة المدنية بالشلل، ولا يبدو أنها تفكر كثيرًا بالجانب الموازي للحرب والمتعلق بتطبيع الحياة العامة وتخفيف آثار الكارثة، باستثناء خدمات إنسانية أشبه بمهدئات مؤقتة لا تترك أي أثر نهضوي على المدى البعيد. 
 
 
 
أخيرًا: وبصرف النظر عن طبيعة الفوارق الكثيرة بين التدخلين، والبون الشاسع بينهما، إلا أن الخلاصة المركزية من الحدثين تتجلى بوضوح في الآتي: سوء نوايا العربان تجاه اليمن منذ زمن، مقابل صدق نوايا المصريين في دعم اليمنيين وإسناد جمهوريتهم، عدم وضوح رؤية السعودية في كل تدخلاتها الخارجية في اليمن لجانب امتلاك المصريين لرؤية واضحة في دعمهم للجمهورية اليمنيين والانحياز التام لكل ما يمثل عمقًا للأمن القومي العربي. إسهام السعودية في تشتيت الصف الجمهوري وإضعافه والسيطرة على القرار السياسي للحكومة في كل صغيرة وكبيرة، مقابل إسهام مصر في توحيد المعسكر الجمهوري قدر الإمكان، حتى في تدخلاتها السياسية في الشأن الداخلي، كانت تفعل ذلك لإنهاء أسباب التفكك وحسم الصدامات لصالح خلق أجواء سياسية مستقرة تخدم معركتهم للدفاع عن الجمهورية.
 




قضايا وآراء
غريفيث