الصفيون والتشيع في بلاد العرب     السعودية من إعاقة سبتمبر إلى قتل فبراير.. رحلة خراب     أطعمها في حياته فلازمته لحظة موته     تعذيب وقهر النساء في سجون الحوثي بصنعاء     صنعاء: الحوثيون يواصلون ابتزاز المواطنين بذريعة الاحتفال بالمولد النبوي     شرطة تعز تقبض على مشتبهين بتفجير سيارة النقيب السفياني بعد الحادثة بساعات     أمهات المختطفين تكشف عن تعذيب مروع لسجينات بمركزي صنعاء     وفد إماراتي إلى اسرائيل وتنقل للأفراد بدون فيزا     اليمن تعترض لدى مجلس الأمن حول إرسال إيران سفيرا لها إلى صنعاء     الحوثيون يشيعون قيادات عليا في قواتهم بعد مصرعهم بعدد من الجبهات     مليشيا الحوثي تقوم بدفن عشرات الجثث دون الإفصاح عن هويتها     بنات عدن يخرجن بصحبة أقاربهن بعد تزايد حالات الاختطافات     إذا كانت السعودية الحليف فلا غرابة بوصول السفير الإيراني إلى صنعاء     فضيحة تلاحق وزير التسامح الإماراتي بعد اعتدائه جنسيا على مواطنة بريطانية     تقرير يوثق تجنيد الحوثيين 5600 طفل منذ بداية العام    

الجمعة, 18 سبتمبر, 2020 07:05:00 مساءً

اليمني الجديد - بلقيس tv - محمد المياحي

منذ تدخل الأمم المتحدة في اليمن والكثير من التساؤلات تطرح حول الدور الحقيقي الذي تلعبه المنظمة العالمية منذ تعيين مساعد أمين عام الأمم المتحدة ومستشاره الخاص لشؤون اليمن جمال بن عمر مبعوثا، ثم إسماعيل ولد الشيخ، وأخيرا البريطاني مارتن جريفيت، فهل يخفف التدخل الأممي من شدة الأزمات التي تسببها الحروب والصراعات أم يزيدها وهل ينهيها أم يطيلها.
 
هل كان يجب التنبؤ بنتيجة التدخل الأممي في اليمن من خلال تجاربه الكثيرة الفاشلة أم كان على اليمنيين الرهان على الحظ وخوض تجربة مستقلة بعيدة عن الأحكام المسبقة،  وهل تمثل الأمم المتحدة وزنا ثقيلا أم أن دورها هامشي ومحدود، هل فشلت الأمم المتحدة في أداء دورها لأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة الأزمة اليمنية العميقة والمعقدة أم أنها تمارس دورا تأمريا واعيا، وهل منظمة الأمم المتحدة هيئة مستقلة أم أنها تتبع الدول الكبرى وتخدم مصالحها؟ هذا السؤال تحديدا أثاره مجددا دور الأمم المتحدة فيما تتعرض له مدينة مأرب من هجوم شديد ومتواصل من قبل جماعة الحوثي الانقلابية دون مراعاة للوضع الإنساني فيها، حيث يأتي هذا الهجوم في ظل صمت وتواطؤ من قبل مبعوث الأمم المتحدة في اليمن مارتن جريفيت.
 
في هذا الملف التحليلي سنستعرض أبرز المواقف والأدوار التاريخية للأمم المتحدة في اليمن خلال العقد الأخير، وسنحاول الوقوف على طبيعة الدور الأممي في المحطات البارزة والمواضيع التي تجلت فيها أدوار الأمم المتحدة وتحليل أبعاد هذه السياسات من واقع تجربة اليمنيين مع ما تقوم به الأمم المتحدة في بلادهم.
 
نظرية مثالية تنقضها التجربة
 
رغم ما تنطوي عليه ادعاءات مساعي الأمم المتحدة من فكرة أخلاقية تهدف لإرساء السلام الشامل ممارسة دور إنساني يُمَكِنُ قيام دول مستقرة ويعمل لإنهاء حالات الصراع والأزمات ولكن الكثير من الشواهد حول الدور المشبوه الذي تقوده الأمم المتحدة في اليمن يشير بوضوح إلى حالة تناقض شديد يحكم طريقة عملها في اليمن ويجعلها في موقف الاتهام، هذه القناعة لدى اليمنيين تزداد كل يوم بسبب مواقف عديدة هيأت الأمم المتحدة فيها الظروفَ ومختلف الدعم لتقوية الحوثيين وإضعاف الحكومة اليمنية، فضلا عن أن اللغة التي تستخدمها الأمم المتحدة في اليمن يصفها مراقبون بأنها انحياز صارخ لجماعة إرهابية على حساب الدولة الوطنية ومؤسساتها، إذ تعلو وترتفع الأصوات التي تطرح التساؤلات عن حقيقة دور الأمم المتحدة في اليمن، وما يدعو للاستغراب أن المجتمع الدولي والأمم المتحدة يمارسان هذا الدور المريب تحت مبرر وجوب التعامل مع الأمر الواقع لتجنب عواقب الحرب متجاهلين حقيقة أن هذا المنطق لن ينهي الأزمة اليمنية، كما أن هذه السياسة ليست أكثر من معالجات شكلية لصراعات مؤجلة، وعليه فإن هذه الحالة الازدواجية في التعامل مع الملف اليمني يلغم المستقبل ويؤثث لعالَمٍ من الأزمات والحروب، وهنا سيلاحظ المتابع للمحطات والتحولات في مسار الأزمة اليمنية حجم التآمر والتواطؤ الذي تعرضت له اليمن برعاية وإشراف الأمم المتحدة، فمنذ انطلاق ثورة الحادي عشر من فبراير - التي اعتبرها اليمنيون جواز عبور نحو إنجاز التحول الديمقراطي الحقيقي وتحويل قيم الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية إلى واقع - وصولا إلى اللحظات الراهنة التي يخوض فيها اليمنيون حرب استرداد الدولة ضد جماعتين انقلابيتين الأولى شمالية بشعارات طائفية عنصرية والثانية جنوبية بخطاب مناطقي وعنصري، كان أثر تدخل الأمم المتحدة عبر مبعوثيها إلى اليمن - جمال بن عمر و ولد الشيخ وأخيرا جريفيت - سلبيا بل وكارثيا على اليمنيين ودولتهم، وبدلا من أن يخدم هذا التدخل اليمنيين؛ فقد كان في خدمة أعدائهم الداخليين والخارجيين.
 
بداية اللعبة في اليمن
 
نجحت جهود الأمم المتحدة في إجهاض ثورة الحادي عشر من فبراير والتحايل على قوى الثورة الحزبية، تم ذلك عبر فرض خيار المبادرة الخليجية كحل وحيد للخروج من الأزمة، هذه المبادرة لم تكن في الواقع غير مؤامرة خليجية وتواطؤا أمميا للانحراف بمسار الثورة الشعبية في اليمن وخفض سقف مطالبها العالي آنذاك، إلى جانب أنه تم اعتبار تلك المبادرة تكتيكيا سياسيا مُنحت به قوى الثورة المضادة - التي قادها النظام السابق - الوقتَ لتستعيد أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها قبل أن تنقض لاحقا على الثورة وتياراتها الفاعلة، ذلك قد تم بدءا بافتعال الأزمات وإفشال عمل حكومة الوفاق الوطني التي قادت المرحلة الانتقالية مرورا بمسلسل الاغتيالات والتفجيرات الإرهابية وانتهاء بالسيطرة على صنعاء وإسقاط حكومة الوفاق الوطني في 21 سبتمبر/ أيلول 2014.
 
فرض جماعة متمردة سياسيا
 
بعد ثورة 11 فبراير/ شباط 2011 اجتمع اليمنيون بمختلف مكوناتهم في مؤتمر الحوار الوطني، في تلك المرحلة كانت جماعة الحوثي لا تزال في الواقع وفي نظر اليمنيين والعالم إحدى الجماعات المسلحة المتمردة، كما كان محظورا عليها المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني قبل أن تسلم سلاحها للدولة.
كان شباب ثورة فبراير قد فرضوا على جماعة الحوثي أن تترك سلاحها إن شاءت المشاركة في الثورة السلمية، تركت الجماعة السلاح ودخلت إلى ساحات الثورة، وكانت تلك محاولة منها لمسايرة المزاج والتوجه الثوريين بهدف التسلق على الثورة واستغلالها في الوصول للحكم، الجماعة التي كان لها سجل طويل من التمرد المسلح على الدولة وممارسة العنف بحق المخالفين فضلا عن العمل المعلن لصالح أجندات خارجية تضر بمصالح اليمن فشلت ولم تستطع أن تستغل قلة خبرة الشباب السياسية لتحقيق أجندتها الخفية من الانضمام للثورة، في المقابل فقد نجحت الجماعة في تحقيق ذلك مع قوى اعتقد الكثير طويلا أنها كيانات سياسية محترفة على أساس أنها تملك خبرة وتاريخا حافلا في دهاليز العمل السياسي، خلافا لما روج ولا يزال يروج له إعلام الثورة المضادة في تحميل شباب الثورة المسؤولية الأخلاقية عن انقلاب الحوثيين على الدولة، فإن الواقع يشير إلى أن جماعة الحوثي نفذت الانقلاب، أولا عبر الضغوط الكبيرة التي مارستها الأمم المتحدة - عبر مبعوثها حينذاك جمال بن عمر - على الأطراف والمكونات السياسية الأخرى المشاركة في مؤتمر الحوار، لكي تقبل بمشاركة الجماعة في مؤتمر الحوار،  رغم رفضها تسليم السلاح للدولة، وثانيا بالتحالف مع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، الذي بدأ ثورة مضادة، جعل فيها نفوذه السياسي والعسكري والجماهيري، تحت تصرف الحوثيين عند انقلابهم، بالإضافة إلى أن صالح استغل علاقته القوية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وأقنعها أن الحوثي شريك مناسب في مخطط إسقاط حكومة باسندوة، وتجدر الإشارة أن حكومة الوفاق حاولت تحجيم نفوذ الإمارات في اليمن، وألغت اتفاقية بين الرئيس السابق صالح والإمارات، بموجبها تم تأجير ميناء عدن للإمارات، وقد أضرت الاتفاقية باليمنيين ومنعتهم من استثمار مواردهم.
 
 إذن تقاطع المصالح بين هذه الأطراف - تحديدا - دفعتها للتآمر على مؤتمر الحوار الوطني، الذي أنتج دستورا وطنيا ووثيقة تاريخية، تلبي تطلعات اليمنيين في دولة تحقق أحلامهم، في المقابل تمت تغذية الصراعات وإشعال حروب داخلية وخارجية، لكن المفارقة أن برنامج الفوضى تم بجهود وتواطؤ من الأمم المتحدة ومبعوثيها في اليمن.
 
انقلاب عسكري برعاية أممية
 
لا يذكر اتفاق السلم والشراكة .... تاريخ إلا ويذكر معه جمال بن عمر مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن حينها، وكان الرجل الذي وُصِفَ لاحقا بالمهندس الأممي للانقلاب في اليمن قد اكتسب ثقة المجتمع الدولي منذ أول مهمة أوكلت إليه ونجح فيها، وتظهر خطورة الدور الذي قام به ابن عمر، في ممارسة ضغوط كبيرة لصالح إشراك جماعة الحوثي المسلحة في مؤتمر الحوار الوطني، ذلك أدى لمنحها نسبة تمثيل أكبر من حجمها الحقيقي، تجاوزت به مكونات سياسية كبيرة، ومع أن الرجل كان يعلم أن الحوثي من الجماعات التي لا تملك رصيدا شعبيا ولا ثقلا سياسيا، إلى جانب إدراكه أنه لن يأتي اليوم الذي يسلم فيه الحوثيون السلاح للدولة أو يتخلون عن ممارسة العنف، إلا أنه كثف جهوده من أجل انتزاع تلك الامتيازات لهم، وفي هذا الصدد لا يمكن تجاوز الحديث عن أن ابن عمر كان يتحرك ضمن مخطط مشبوه منذ أو يوم تسلم فيه ملف اليمن، وتحركاته التي سبقت تهجير سكان دماج في صعدة، ثم إسقاط عمران واقتحام اللواء العسكري 301، وقتل قائده العميد عبدالحميد القشيبي، واجتياح العاصمة صنعاء 21 سبتمبر/أيلول،  بالإضافة لمحاولة شرعنة  خطوات الحوثي باتفاق السلم والشراكة، وفي هذا الاتجاه، مارست الأمم المتحدة ضغوطا كبيرة على الأطراف السياسية، وأجبرتها على التوقيع على الاتفاق.
 
وبعد أن أصبح ابن عمر مغضوبا عليه يمنيا، وبات غير قادر على تحقيق مكاسب أخرى للحوثيين؛ تمت إقالته وتعيين الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد خليفة له، جاء تعيين ولد الشيخ مع دخول اليمن مرحلة سياسية هي الأخطر، بعد إعلان المملكة العرية السعودية ودول عربية أخرى ما سُمي بـ"عاصفة الحزم" يوم 26 مارس/ آذار 2015. سار ولد الشيخ  على نهج سلفه، وحاول مراكمة مكاسب جديدة للحوثيين عبر جولات مشاورات عديدة تم عقدها بين الحكومة الشرعية والحوثيين، الأولى بجنيف 15 يوليو/تموز 2015 والثانية في سويسرا يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 2015، والأخيرة بالكويت بين 21 أبريل/نيسان و6 أغسطس/آب 2016، وكانت مساعي ولد الشيخ تقود إلى شرعنة الانقلاب وإسقاط السلطة الشرعية، وفق خارطة طريق أممية طرحها، ويتضمن الجانب السياسي منها عزل الرئيس عبدربه منصور هادي، وتعيين نائب جديد توافقي لرئيس الجمهورية، تؤول إليه صلاحيات الرئيس، الأمر الذي أغضب الحكومة الشرعية ودفعها لرفض مقابلة ولد الشيخ في مناسبتين.
 
ازدواجية التعامل مع الملف الإنساني
 
بينما يهاجم الحوثيون مدينة مأرب، وتسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، لم تعد العواقب الإنسانية تحمل الأهمية التي حملتها مدينة الحديدة، في أجندة المبعوث الأممي مارتن جريفيت، الصمت المريب لجريفيت عما يجري على بعد كيلومترات قليلة في محيط مدينة مكتظة بمئات آلاف من السكان المدنيين يعيد إلى الأذهان الدور الذي لعبه الرجل نفسه في التحضير لمشاورات السويد في ديسمبر/كانون الأول 2018، ويذكر بالضغوط التي مارسها المجتمع الدولي على الحكومة الشرعية والتحالف لإيقاف معركة الحديدة، حيث تم إجبار الحكومة على الجلوس مع الحوثيين على طاولة المفاوضات في ستوكهولم، ما أدى لوقف تقدم القوات التابعة للتحالف والحكومة، ومع أن سيطرة الحوثيين على مأرب لا تخدم الوضع الإنساني في اليمن، إلا أن الأمم المتحدة تبذل كل جهودها بهدف تمكين الحوثيين منها، كما فعلت في الحديدة، ومارس جريفيت دور المتفرج على المعارك الدائرة على مشارف المدينة، ورغم أن مأرب تأوي أكثر من ثلاثة ملايين إنسان – معظمهم نازحون - لم يقدم جريفيت مقترحا لإيقاف المعركة، ولم يطالب بهدنة بين المتحاربين، وكانت اللحظة التي تحرك فيها الرجل، وبدأ في التعليق حول مأرب، عندما أصبحت موازين القوة في غير صالح الحوثي، إذ يبذل كل جهوده لمنع حدوث انهيار أو هزيمة في جغرافيا سيطرة الحوثيين، وجرى الحديث قبل فشل هجوم الحوثيين، وكأن جريفيت قد منحهم وقتا لإسقاط مأرب، ولم يأخذ في اعتباره أن انتصارهم في تلك المعركة، سيتسبب بأكبر أزمة إنسانية في البلاد.
 
منظمات حقوقية ولا حقوق إنسان
 
اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش الحوثيين بشكل خاص وبقية أطراف الصراع عموما بإعاقة وصول الإغاثات إلى المدنيين، وقال تقرير أصدرته المنظمة في 14 سبتمبر/أيلول الجاري "لدى الحوثيين سجل فظيع في منع وكالات الإغاثة من الوصول إلى المدنيين المحتاجين". وفي17 يونيو/ تموز 2019 أعلن مدير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ديفيد بيزلي، أنه يتم منعهم في مناطق سيطرة الحوثيين من إيصال المساعدات الغذائية إلى الأشخاص الأشدّ جوعاً في اليمن، وقد وثقت إحصاءات اللجنة العليا للإغاثة في اليمن احتجاز 88 سفينة إغاثية وتجارية ونفطية من قبل الحوثيين خلال الفترة من 2015 حتى 2018، ونهب واحتجاز 697 شاحنة إغاثية وتفجيرهم لـ 4 شاحنات منها. في المقابل يتجاهل مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن مارتن جريفيت، التقارير والأدلة، ويحرص على تسليم أغلب المساعدات الإنسانية لأيدي الحوثيين، وإذ يتعمد جريفيت تزييف الواقع في الإحاطات التي يقدمها أمام مجلس الأمن الدولي، وكان آخرها التي قدمها قبل أيام، وقال فيها "إنني قلق للغاية من التبعات الإنسانية الناجمة عن النقص في إمدادات الوقود في المناطق التي يسيطر عليها أنصار الله في شمال اليمن"، فإنه لم يذكر أن سبب المشكلة عدم التزام الحوثيين بتنفيذ بنود اتفاق السويد الذي أشرف عليه بنفسه، وعلى الرغم من قيام الحكومة اليمنية بتوفير بدائل لتخفيف المعاناة الإنسانية وطرح مبادرات لحل أزمة الوقود فإن الحوثيين يمنعون دخول ناقلات الوقود القادمة من مناطق سيطرة الحكومة اليمنية إلى صنعاء ورفضوا مناقشة أية مبادرة لحل الأزمة، ويتعمدون استمرارها، لا سيما أنهم يجنون عائدات عالية من أسواق الوقود غير الرسمية (سوداء) التي أسسها ويحتكر العمل فيها قيادات وتجار ينتمون للجماعة، ومع أن جرائم الحوثيين تجاوزت اليمنيين وذهبت بعيدا في استهداف فرق وبعثات الأمم المتحدة نفسها، حيث سجلت 16 واقعة اعتداء على منظمات تابعة للأمم المتحدة والعاملين فيها تنوعت بين القتل والخطف والابتزاز وإغلاق المكاتب بالقوة، إلا أن المبعوث الأممي لا يغير موقفه تجاه الجماعة، ويستمر في تدليلها وتغطية جرائمها.
 
يفرض الحوثيون حصارا خانقا على مدينة تعز، التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية، ويمنعون فرق التحقق الأممية من دخولها؛ لاستقصاء الوضع وإيصال المساعدات الإغاثية للمحاصرين، لكن المنظمات الحقوقية لا تتحدث عن الغطرسة التي تمارسها الجماعة، وتستهدف جماعة الحوثي المدنيين في الأحياء السكنية والأسواق والمساجد وقاعات المناسبات والسجون والمنشآت العامة في تعز ومأرب وعدن عبر القذائف والصواريخ والطائرات الحربية المسيرة، كما يقوم مسلحو الجماعة بقنص الأطفال والنساء في مدينة تعز ومأرب. وفيما يتعلق بقضية ناقلة النفط المتهالكة "صافر"، التي يهدد تسرب مليون برميل نفط خام منها في البحر الأحمر بتدمير أنظمة بيئية بأكملها، والقضاء على سبل عيش ملايين اليمنيين، وترسو العملاقة "صافر" قبالة ساحل يمني يسيطر عليه الحوثيون، ويرفضون السماح بإصلاحها، وقال بيان أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش: "تؤخر السلطات الحوثية بلا مبالاة وصول خبراء الأمم المتحدة إلى ناقلة النفط المتهالكة"، ومن جانب آخر تنطلق حملات شعبية تطالب الحوثيين بإصدار تصاريح لأعضاء فريق التقييم الأممي؛ لتسهيل وصولهم إلى ناقلة النفط؛ ليتم فحصها وتقرير الأضرار فيها والمباشرة في إصلاحها، ورغم البيانات التي تصدرها المنظمات الحقوقية المحلية في جرائم الحوثيين، فإن الأمم المتحدة ترفض إدانة جرائم الحوثي وقت وقوعها، وتكتفي أغلب المنظمات الحقوقية - عدا منظمتين أو ثلاث منظمات تصدر تقارير مهنية - بإصدار تقارير تستخدم فيها لغة إنشائية وتعميمية، وتساوي فيها بين أخطاء وتجاوزات الحكومة اليمنية وانتهاكات وجرائم الحوثيين، ويؤدي هذا الموقف الأممي إلى إعاقة تضامن الشعوب العربية مع اليمنيين الذين يرفضون نظاما طائفيا، بالإضافة لتشويش الرأي العالمي عن حقائق الصراع اليمني، وفق معادلة واضحة، أحد طرفيها جماعة إرهابية عنصرية ترفض مبدأ المواطنة المتساوية والتعايش، والطرف الآخر شعب يتم قتله واضطهاده من قبلها، وبينما يسود في أوساط الرأي العام العالمي جهل بتفاصيل المشهد اليمني وأطراف الصراع فيه، والجهات المتسببة باصطناع ومفاقمة معاناة اليمنيين، وتعتقد غالبية منهم أن السعودية تخوض حربا عبثية ضد اليمن، فإنهم غير مطلعين على المشكلة الرئيسية، إذ لا يملكون معلومات عن انقلاب الحوثي على الدولة، وحروبه ضد المدنيين وتطرفه الديني، ومن جانب آخر فقد ساهم الدور المشبوه للمبعوث الأممي - ضمن عوامل أخرى - في تراجع أو تحول موقف دول وشخصيات حقوقية عالمية كانت داعمة لموقف الحكومة اليمنية الشديد تجاه الحوثيين، ويأتي تضليل العالم عن الحقائق السياسية والحقوقية ضمن سياسة شاملة تتبعها الأمم المتحدة في التعامل مع الشأن اليمني، تمارس فيه خطابا ينحاز لصالح جماعة الحوثي ولا ينحاز للقضية الحقوقية والإنسانية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن التحالف السعودي الإماراتي متورط في ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، ويعمل لصالح مشاريع خاصة ومشبوهة، ودخل في مواجهات مباشرة مع الحكومة اليمنية، دعم خلالها متمردين انفصاليين في جنوب اليمن، قادت مؤخرا انقلابا على الدولة في عدن وسقطرى. وبينما تدين المنظمات الحقوقية جرائم التحالف –  في نطاق عملها الحقوقي – تغيب تقارير أغلب المنظمات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة عن إدانة جرائم الحوثيين بحق المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية أو في مناطق سيطرة الحوثيين.
 
يحتوي سجل جماعة الحوثي الإجرامي على أكبر وأسوأ سلسلة انتهاك لحقوق الإنسان في تاريخ اليمن الحديث، حيث يستخدم الحوثيون الألغام الأرضية المحظورة، والتي تسببت في الكثير من الضحايا المدنيين، كما توسعت الجماعة في عمليات الاغتيال والإعدام خارج القانون، وخطف وتعذيب المعتقلين السياسيين، وتفجير المنازل والمنشآت العامة، وكانت الجماعة بعد سيطرتها على العاصمة صنعاء قد أسست نظاما قمعيا استخباراتيا، تنتهك به المجال الخاص للأفراد والمجموعات، وتصادر الحريات الشخصية، خصوصا المعارضين السياسيين، إلى جانب ذلك يقوم الحوثيون باستقطاب وتجنيد الأطفال، أما من يرفض القتال معهم، أو إلحاق أبنائه بهم، من عموم الشعب، فيتم إجباره على دفع مقابل مالي، بالإضافة إلى الترويج لثقافة العنف والكراهية، وفرض مناهج تعليم طائفية، وتكفير المخالفين، وتوظيف الخطاب الديني في شرعنة الانقلاب والجرائم، ورغم النهج المليء بالجرائم والانتهاكات الفظيعة للحوثيين، فإن تناول المنظمات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة له لا يتسم بالحياد والموضوعية ولا يتمتع بالنزاهة والمسؤولية الأخلاقية.
 
سرقة أموال المساعدات الإنسانية
 
قدرت منظمة الأمم المتحدة أن هناك ما يقرب من 4 ملايين نازح يمني، فيما يحتاج أكثر من 25 مليون شخص إلى مساعدة عاجلة، وقالت المنظمة إن نقص التمويل اللازم سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الوضع، وإنها تعاني من عجز في تمويل أنشطتها، ودعت الجهات المانحة إلى زيادة الدعم قبل أن يفقد المزيد من الأبرياء حياتهم، إذ أعلنت حاجة اليمن إلى 2.4 مليار دولار أمريكي لاحتياجاته الإنسانية خلال العام2020، ورغم ما يجب أن تخضع له أنشطة المنظمات الإغاثية من سياسات إدارية وإجراءات رقابية صارمة بالتزامن مع قلة التمويل الذي قالت إنها تعاني منه، إلا أن منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في 14 سبتمبر/أيلول الجاري بعنوان "عواقب قاتلة" قالت إن بعض أسباب منع وكالات الإغاثة من الوصول إلى المدنيين المحتاجين "هي تحويل المساعدات إلى مسؤولي الحوثيين وأنصارهم ومقاتليهم" كما تم الكشف في تحقيق لوكالة اسوشيتيد برس عن أن أجزاء كبيرة من أموال المانحين تذهب إلى الحسابات الشخصية لموظفي الأمم المتحدة، وتحدث التحقيق عن صفقات الفساد والمحسوبية التي تجري منذ بدء الحرب بين مكتب الأمم المتحدة وجماعة الحوثي، وتلقت جماعة الحوثي دعما أمميا مباشرا تطور إلى صورة شراكة مشبوهة تتعلق بصفقات فساد تورط فيها مسؤولون لدى الأمم المتحدة، حيث تتحدث التحقيقات عن مواجهة موظفين تابعين للأمم المتحدة تهما بتمكين الحوثيين من سرقة المساعدات الإغاثية، وإيداع ملايين الدولارات في حسابات مصرفية شخصية للعاملين في المنظمات، وتوقيع عقود مشبوهة غير مستوفية الشروط، بالإضافة لمخالفات في توظيف غير مؤهلين بأجور عالية، والسماح لقيادات الحوثي بالتنقل في مركبات تابعة لمنظمة اليونسف التابعة للأمم المتحدة، وإقامة علاقات وثيقة مع أجهزة الأمن التابعة للحوثيين، ورغم الحملات التي طالب فيها ناشطون يمنيون بتحقيق حول شفافية برامج المساعدات، وتقديم تقارير مالية عن كيفية تدفق مئات الملايين من الدولارات، ومصير المساعدات التي خصصت لليمن منذ عام 2015، إلا أن المنظمات تتجاهل تلك المطالبات، هذا التحقيق يسنده تحقيق سابق لصحيفة الغارديان البريطانية ذكر فيه أن برنامج الأغذية العالمي رصد 7 مراكز لتوزيع الأغذية تابعة لإدارة الحوثيين في صنعاء تشترك في عمليات اختلاس المساعدات الغذائية، كما ظهرت مساعدات خاصة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في مناطق حرب حوثية، وبينما تؤكد تحقيقات أسوشيتد برس أن المساعدات الدولية المقدمة للبلاد تكفي لاحتواء أزمة المجاعة، فإن معظمها يتعرض للنهب من قبل جماعة الحوثي بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أن أغلب موظفي المنظمات التابعة للأمم المتحدة العاملة في اليمن منتمون أو موالون لجماعة الحوثي.
كانت الحرب في اليمن قد فتحت الباب واسعاً أمام المنظمات الإغاثية التابعة للأمم المتحدة، لكن المنظمات التي من المفترض أن تؤدي عملا إنسانيا يساعد المدنيين، ويسهم في تخفيف وطأة الحرب عنهم، ثبت تورطها في صفقات فساد، وقيامها بدعم وتمويل جماعة الحوثي، التي تعتبر السبب الأول في صناعة ومفاقمة الوضع المأساوي في اليمن، مما أفقد اليمنيين الثقة بالأمم المتحدة كوسيط نزيه في هذه الحرب.
 
أخيرًا.. مارتن جريفيت وإكمال المهمة
 
منح المجتمع الدولي الضوء الأخضر للحوثيين قبل أشهر؛ لبدء الهجوم على مأرب وإسقاط المدينة، لكن الحوثيين تأخروا في حسم المعركة، وباتوا يشعرون بالعجز عن تحقيق أي تقدم محدود قد يرفع معنويات مقاتليهم، وتعرضوا لاستنزاف شديد تسبب بخسارة بشرية وعسكرية كبيرة، تحولت موازين القوة وأصبحت القوات الحكومية تشن هجوما عكسيا على الحوثيين، وبدلا من أن يسيطر الحوثيون على مأرب؛ بدأوا يخسرون المواقع التي سيطروا عليها مطلع العام الحالي، في محافظة الجوف، وأثناء ذلك انتظر مارتن جريفيت أن ينجز الحوثيون معركة مأرب لكي يذهب إلى الدعوة لجولة مشاورات جديدة، يكون فيها موقف وفد الحوثيين قويا، بينما وفد الشرعية ضعيفا بعد أن خسر أقوى أوراقه على طاولة المفاوضات، وأهم مدينة تمتلك الحكومة اليمنية حضورا حقيقيا فيها، ذلك الحال كان سيتيح لجريفيت فرض شروط ثقيلة وربما مذلة على الشرعية، وانتزاع انتصار ساسي سهل منها للحوثيين، ومع أن جريفيت قد أعلن في إحاطته عن جولة مشاورات جديدة، وتوقع عقدها في سويسرا بعد أسبوع من إحاطته بين الحكومة الشرعية والحوثيين إلا أن الدعوة جاءت بعد تأكد فشل الحوثيين في دخول مأرب، بهدف الضغط من أجل إيقاف تقدم القوات الحكومية الرامي لاستعادة السيطرة على مركز محافظة الجوف والبيضاء ومديرية نهم في صنعاء، كما ألمح في إحاطته قبل أيام قائلا: "ما من مكان يعكس أهمية خيار السلام أكثر من مأرب حيث يستمرّ الاقتتال العنيف لا بل يتصاعد على حدودها خاصة على حدودها مع محافظات الجوف وصنعاء والبيضاء"..
يحاول مارتن جريفيت تحريض الرأي العام العالمي ضد الحكومة اليمنية، وبصرف النظر عن تفاصيل ادعاءات الشرعية، سيدفع البريطاني جريفيت المفاوضاتِ من أجل أن تقدم الحكومة مزيدا من التنازلات، وانعكاسا لما يعتمل في خيال جريفيت فإنه لا بد وأن توافق الحكومة المعترف بها دوليا - كما حدث سابقا - على تقديم تنازلات، تنتهي أخيرا بتسوية سياسية، تتخلى فيها عن شرعية وجودها، ويُمنح الحوثيون بموجبها اعترافا رسميا داخليا وخارجيا.
طبقت الأمم المتحدة هذه الخطة، على مناطق نزاع مختلفة في العالم، وها هي تستنسخ نفس التجربة على اليمن، تسقط الدول والحكومات القائمة وتمنح المشروعية للجماعات الانقلابية، وفي كل مرة سيحدث الأمر تحت دعاوى إحلال السلام وإنهاء النزاع.
 
وبناء على استقراء توجهات ومواقف اللاعبين الخارجيين الفاعلين في الساحة اليمنية، فإن هنالك سيناريوهين يمكن توقعهما، يتعلقان بمستقبل اليمن حسب ما يجري الإعداد له معهم من قبل الأمم المتحدة ومبعوثها، السيناريو الأول، أن يتم الذهاب لإعلان انفصال اليمن إلى شطرين، جنوبي وآخر شمالي، ويبقى هذه الاحتمال مرهونا بقدرة الحوثيين والمجلس الانتقالي وحلفائهما على هزيمة قوات الحكومة الشرعية وإخراجها من المناطق التي تسيطر عليها، وتحديدا في مأرب وتعز وشبوه، وعليه يتقاسم الحوثي والانتقالي الجغرافيا اليمنية، حسب خريطة ما قبل الوحدة 22 مايو/ آيار1990، أما السيناريو الثاني، فتقدم الأطراف الرئيسية تنازلات تكفي للقبول بإقامة نظام محاصصة على أساس طائفي ومناطقي تتقاسم سلطاته تلك الأطراف( الشرعية اليمنية، جماعة الحوثي، المجلس الانتقالي الجنوبي)، هذا السيناريو متوقف على إمكانية قبول الحكومة اليمنية بالتسوية المذكورة سلفا، وفي هذا السياق يأتي دور الأمم المتحدة، عبر الضغط وتهيئة الظروف والإشراف لإتمام هذا المخطط الذي يراد تطبيقه في اليمن.
وهذا قد يفسر المناقشات المكثفة، التي أشار جريفيت قبل أيام إلى أنه يبذلها منذ ستة أشهر، وقال إنها قد خرجت في صورة مسودة متقدمة للإعلان المشترك، قبيل الاتفاق على صيغتها النهائية بين الحكومة والحوثيين ثم إعلان السلام، ولا شك أنه سلام مسلوق على طريقة الأمم المتحدة وأسلوبها المعروف في إدارة المشكلات المعقدة بحلول تسكينية مؤقتة دون معالجة جذرية لجوهر الأزمة وبما يضع حدا لمعاناة الشعوب ويصنع سلامًا مستديمـا بين أبنائها.
 




قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة