الاربعاء, 01 أبريل, 2015 01:26:00 صباحاً

اليمني الجديد - خاص
لم يكن يعلم محمد الملقب بالمرتاح, والذي للقبه نصيب في مقتله, لم يكن يعلم وهو يضحك بأنها ستكون ضحكاته الأخيرة التي لم تعجب أحدهم, أو أعدها سخرية منه واستهزاء, فهو من الأوصياء الجدد على هذه البلاد, ممن لا يجوز الضحك وربما البكاء في حضرتهم, التي عدوها مقدسة أو هكذا زين لهم..

ففي مغرب أمس الأول, وفي إحدى حارات العاصمة صنعاء, كانت الليلة الأخيرة والابتسامة التي ودع فيها محمد الدنيا, وهو لا يدري لِمَ قُتل, ولماذا أقدم قاتله على قتله بهذه الطريقة, التي أثارت استغراب الناس واستهجانهم وإن لم يفصحوا عن ذلك, وإن أفصحوا لوجدوا مصيراً لا يقل عن مصير ابن حارتهم, الذي كما قالوا لا ناقة له ولا جمل في كل ما يحصل في البلاد, فما الذي زرعه ليجني رصاصة حوثي استقرت في صدره, بالقرب من قلبه, وكأنها أرادت أن تلامس حرارة قلبه وهو يفقدها رويداً رويداً لتستقر في راحة يد أبيه وهو يودعه الوداع الأخير, وهي الحرارة أيضاً التي يشعر بها أولياء دم من يتساقطون في أرض صيرة وما جاورها, حيث للموت هناك حكاياته مع الغضب الحوثي, الذي أراد أن يصل إلى كل أجزاء الوطن, انتقاماً من هذا الشعب الذي اعتبره بالأمس مظلوماً, فناضلوا من أجله فأراد أن يكافئهم بطريقته التي تشبه كثيراً مجير أم هاشم في التراث العربي.

محمد.. الذي يعاني من مرض نفسي, اكتسب حبّ أبناء حارته ومعارفه, فهو يعيش مع ضحكاته الدائمة, وقفشاته الساخرة, فكثيراً ما يردد "اضحك للدنيا تضحك لك" فسمي بالمرتاح, كصفة دائمة له, لكن ارتياحه لم يدم فهناك من أراد أن يقضي على راحته وحياته الملئية حيوية وجنوناً من نوع خاص, وفي الوقت نفسه هناك من أقسم بأن على الفرح والسعادة والطمأنينة وأخوات ذلك أن تغادر حياة اليمني في الشمال وفي الجنوب على حد السواء, خصوصاً بعد أن بدأت الطلعات الجوية للتحالف العربي عملها على قصقصة أجنحة الحوثي وحلفائه , التي أصابتهم جميعاً بالهوس والجنون, وهو الجنون الذي لا يشبه جنون محمد الوديع, فحين كانت الطائرات تفرغ حمولتها على مواقع مختلفة, كان أحدهم يفرغ رصاص بندقيته على صدر محمد المرتاح, وهو غير بعيد عن منزله, كان يضحك كعادته, لكنها الضحكات التي فهمها قاتله بأنه يرقص ويهلل للطائرات المغيرة, مما اعتبرها خيانة, ولا يحق ذلك, وهو لا يعلم بأن أمثال محمد لا يفكرون بالخيانة أو مقايضة مبادئهم بحفنة من المال أو الوعود, التي كانوا وزعوها مجاناً ليعودوا حاصدين أرواح الناس دون مقابل.

غير بعيد منه عامل إحدى البوافي, القادم من محافظة تعز, لا همّ له إلا الحصول على لقمة عيشه وإعالة أسرته التي تنتظر حوالته آخر كل شهر, التي قد لا تأتي هذا الشهر, فهو عائلهم الوحيد, لذا كثيراً ما تبتهل إلى السماء بأن تحفظه وترزقه وتبعد عنه أولاد الحرام, بعد عاصفة الحزم, وجد من عصف بحياته وأدخل السجن دون سبب سوى أنه لم يوافق أحدهم الذي قدم عليه وهو يكيل اللعنات والسباب على مدينة تعز وأبنائها ممن وصفهم بأقذع الألفاظ وأحطها, فما كان منه إلا الرد بالمثل, ليجد نفسه بعد برهة بيد جنود قدموا على طقم أمني, لم يراعوا في اقتياده أي معنى للإنسانية, أو المواطنة, وكأنهم يقتادون مجرماً خطيراً, لا مواطن لم يتحمل غضبتهم الجنونية, ولا تصرفاتهم التي كشفت حقيقتهم, وسقطت ورقة التوت سريعاً, فهم لا يختلفون كثيراً عن المليشيات التي يعرفها العالم أجمع, ممن تعمل على معاقبة كل الناس دون شيء إلا إشباع غريزتهم التسلطية, كما أنهم يشبهون الأنظمة البوليسية التي تعامل شعبها كعدو, أو كمجرم يستحق العقاب, أو مواطن لكن من الدرجة الثانية أو أدنى من ذلك.

هكذا وجد الحوثيون في حال لا يحسد عليها, هم وحلفاؤهم من أنصار النظام السابق, بعد أن وجهت إليهم العاصفة ضربتها التي لم يضعوا لها حساباً, وقد ظنوا بأن لا قادر عليهم, ولا مفر من بطشهم وجبروتهم, وحين حصلت الضربة شلت قلوبهم, ولم تشل أيديهم وأقدامهم, فجاسوا في الديار, تقتيلاً واعتقالاً وانتهاكاً وتكميماً للأفواه ولوسائل الإعلام, التي لم تسلم من غضبتهم, التي لم تراع إلاًّ ولا ذمة, ولم تفرق بين بشر أو حجر, ولا صغير أو كبير, مقاتل أو مسالم.

ففي الوقت التي تُدك حصونهم, بعد أن ظنوا بأنها مانعتهم من العذاب, انتشروا في الأرض اليمنية, لا ليبتغوا فيها من رزق الله, بل عن نصر زينته لهم قلوبهم بأنهم سيحققونه بجنونهم, الذي اعتادوا عليه من قبل, وقد وجدوا الإذن من كبرائهم, الذين لم يعلموهم السحر, إنما القتل والترويع والفساد في الأرض, فهم يوجهونهم أنى شاءوا, وكأنهم أرادوا تفريغ طاقة غضبهم في هذا الشعب الذي صبر عليهم كثيراً فاستذلوه, وقد شبه لهم ذلك.

فبدلاً عن البحث عن مخارج والحفاظ على ما تبقى من كرامة أو سيادة, هم بها اليوم يتغنون, أعلنوا في المدائن حاشرين لقواتهم ومعسكراتهم في كل المحافظات, بعد أن بدأت تزحف منها, ولا وجهة لها غير عدن ومنابع النفط, التي إن سيطروا عليها, فلن يستطيع أحد بعدها الثورة عليهم, أو محاربتهم, لتبدأ فصول أخرى من الألم لم يحسبوا لها حساباً, بأن الإنسان اليمني أصبح لا يقبل ذلك ولن يرضى به بتاتاً, فتصدت لهم اللجان الشعبية التي بدأت تتشكل بعد أن أحست بأن لا حوار معهم حقيقي إلا منطق القوة الذي لا يفهموا غيره كما يبدو, فغدوا اليوم بين أن يموتوا بغيظهم, أو يقتلهم جنونهم وزحفهم غير المبرر, فها هي الأنباء تأتي تباعاً بأن جثث الكثير منهم لا تجد من يواري سوأتها.





قضايا وآراء
انتصار البيضاء