منظمة دولية تدعو الحوثيين للإفراج الفوري عن صحفي يمني     إحصائية جديدة .. وفاة نحو 233 ألف يمني بسبب الحرب في اليمن     افتتاح مخيم الوفاء الخيري لذوي الاحتياجات الخاصة بمأرب     مرخة العلياء الحلم الذي أصبح حقيقة     مجزرة جديدة للحوثيين بتعز تخلف قتلى في صفوف الأطفال والنساء     تنديد واسع بعنف الشرطة الفرنسية على مصور من أصول سورية     كلمة الرئيس هادي بمناسبة 30 من نوفمبر     محافظ شبوة يعقد اجتماعا بإدارة وطواقم مستشفى عتق العام     مصرع قيادي كبير في تنظيم القاعدة في كمين بأبين     وكيل محافظة تعز يزور الشماتيين ويلتقي بقيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية     قراءة في الربح والخسارة في تصنيف الحوثية حركة إرهابية     اغتيال أكبر عالم نووي إيراني ولا مخاوف من اندلاع حرب في المنطقة     كيف حول الحوثيون قطاع الاتصالات إلى شبكات تجسس مرعبة     قراءة في جذور الخلاف ومداخل التقارب بين المؤتمر والإصلاح     الجيش يدعو الصليب الأحمر التدخل لانتشال جثث مليشيا الحوثي بمأرب    

الأحد, 06 سبتمبر, 2020 10:20:00 مساءً

اليمني الجديد - ثابت الأحمدي

 
لا عطرَ بعد عروس كما يُقال. ولا أظنني سأضيف شيئا واحدًا إلى أمجاد الحجرية مهما سودتُ الصفحات أو نظمت الكلمات، ففي المقال السفر الذي كتبه قلم المفكر والسياسي عادل الأحمدي عن الحجرية قبل أشهر قليلة ما يعيدُ الاعتبار لها، وفيه ما يغني عن مقالي هذا. وعني في هذا المقال سأتناولُ الحجرية من واقع ريادتها ودورها الكبير في ثورة 26 سبتمبر 1962م؛ ذلك أن سبتمبر المعظم هي قانون القوانين عندي.وهي القيمةُ التي تنتهي عندها كلُّ القيم.
 
والواقع أن الحديثَ عن دور الحجرية من لواء تعز في 26 سبتمبر يعيدنا إلى ما قبل هذه الفترة بسنوات؛ بل تعود بواكير العمل الوطني لأبناء الحجرية إلى مطلع ثلاثينات القرن الماضي، قبل أن تتأسس حركة النضال في 1935م، وقبل أن تتأسس جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصنعاء، أو جمعية الأحرار، فالجمعية اليمانية الكبرى بعدن.
 
في مطلع الثلاثينيات أسس مجموعة من تجار الحجرية المتنقلين في عدن جمعية التعاون اليمنية، برئاسة الشيخ ناشر عبدالرحمن، وهي وإن كانت ذات طابع خيري إنساني إلا أنها لم تبتعد عن العمل السياسي، كما هو الشأن مع نادي الإصلاح العربي، ثم "هيئة الاتحاد والترقي العريقي" لاحقا في الحبشة التي يبدو أنها تأثرت باسم جمعية الاتحاد والترقي السياسية التركية التي أسسها بهاء الدين شاكر، لمعارضة الخلافة العثمانية مطلع القرن العشرين.
 
في بداية الأربعينيات كانت عدن، ثم أسمرة وأديس أبابا والصومال وجيبوتي مسرحًا كبيرا لنشاط أبناء الحجرية الذين اضطرهم النظام الإمامي الكهنوتي لمغادرة البلاد، وقد كانوا ملوكا فلاحين في أراضيهم، وكادا يمسكون برأس المال الحبشي لا في شرق أفريقيا وحدها؛ بل لقد تجاوزوا ذلك إلى الهضاب الداخلية في أواسط أفريقيا، وظلوا كذلك حتى انقلاب منجستو هيليا مريام عام 1975م الشيوعي العتيد ضد سلفه الامبراطور هيلا سلاسي، ثم التأميم الذي لحق الانقلاب، فعادوا بثيابهم التي عليهم من حيث أتوا؛ أما أملاكهم وتجاراتهم التي جمعوها خلال عقود سابقة فقد أصبحت ملك الدولة الجديدة. وهذا هو قدرُ اليمني الذي جسده صوريا البردوني في قصيدته الشهيرة "غريبان وكانا هما البلد" وأيضا مطهر الإرياني في قصيدته "البالة". والتي تحكي تغريبة اليمني البئيسة في شرق أفريقيا. وثمة قصيدة حملت اسم الديوان للشاعر محمد أنعم غالب بعنوان "غريب على الطريق". حكت تفاصيل تلك العذابات.
 
لا أدري ماذا سيكون حال ونشاط حزب الأحرار، فالجمعية اليمانية الكبرى في عدن، منتصف أربعينيات القرن الماضي لولا أحمد عبده ناشر العريقي ورفاقه من أبناء الحجرية؛ حيث كانت جريدة "صوت اليمن" الناطقة بلسان الجمعية مقترحا من مقترحات أحمد عبده ناشر على كل من الأستاذ نعمان والزبيري والقاضي الإرياني ومحمد علي الأسودي وعبدالله سلام حاجب، أما المطبعة الخاصة بها وبأدبيات الأحرار فهي أيضا من تبرعاته هو ورفاقه في المهجر الذين أقنعهم بالتبرع بقيمة مطبعة للجمعية اليمانية في عدن، وممن لعب دورًا بارزًا في هذا أيضا الشيخ جازم الحروي الذي تبنى عملية شرائها وأوصلها إلى عدن، وأخرون أيضا معه.
كان أبناء الحجرية في كل من عدن وأسمرة وأديس أبابا وجيبوتي يكدون ليلا ونهارا في العمل في مختلف المجالات، متبرعين بجزء من أموالهم الذي اكتسبوه بعرق جبينهم لعمل الخير، وللقضية الوطنية؛ بل لقد كان الشيخ ناشر عبدالرحمن العريقي تاجرا كبيرا في نيروبي عاصمة كينيا، وظل ينفق ماله دعما للأحرار، حتى نفد آخر ريال معه، فعاد من كينيا إلى صفوف الأحرار بعدن، ثم صنعاء، واستضافه سجن حجة بعد فشل الثورة، وأفرج عنه، وواصل نضاله بعد ذلك، وكان هو من يكتب المنشورات بيده، واستمر على هذه الحال حتى وفاته في أسمرة قبيل قيام الثورة بأشهر.
صدرت صحيفة "صوت اليمن" لأول مرة في 31 أكتوبر 1946م، ممولة من عرق وكد أبناء الحجرية في المهجر، الحمّال في الميناء، والسكرتير في المكتب، والتاجر وصاحب المطعم والبوفية كلهم على حد سواء لم ينسوا قضية الوطن الكبرى مع أن بعضهم قد استقر عائليا هناك واستوطن؛ لكنهم اقترحوا صدور الصحيفة، ثم اشتروا المطبعة، ثم مولوا إصدار الصحيفة المناهضة للنظام الكهنوتي الرجعي، وأقضت مضجع السيف أحمد في تعز الذي يعرف عن طريق جواسيسه الأحوال المادية لرموز المقاومة هناك: نعمان والزبيري والإرياني.
 
تلك الصحيفة كانت كوة الضوء الأولى التي انطلقت منها بشائر الوعد وملامح النصر القادم، وكانت تصل صنعاء سرا، ولسريتها يتم الإقبال عليها بجنون، فتقرأ كاملة وتناقش وتكون مادة سياسية في دواوين القات في صنعاء وذمار وإب وتعز. في وقت لا صحف فيه ولا مجلات ولا إذاعات عدا إذاعة وصحيفة الإمام فقط..!!
تلك الصحيفة التي أهاجت الثور المسعور "أحمد"، والتي شكلت بواكير الوعي الثوري مكتوبا كانت تمويل أبناء الحجرية في المهجر. وحين التحق السيف إبراهيم نجل الإمام يحيى بالثوار في عدن قطع عنه والده نفقته المعينة له، فتعهد التاجر أحمد عبده ناشر أمين صندوق المهاجرين مع رفيقه عبدالقوي الخرباش بتحمل نفقات الأمير في عدن، وإرسالها شهريا من الحبشة، مقابل الإبقاء عليه ضمن قوام المعارضة.
 
وفي منتصف الأربعينيات كانت قد برزت شخصية شابة ومتحمسة بعنفوان الشباب هي شخصية عبدالغني مطهر، والذي عمل مساعدا لأمين صندوق المهاجرين، الذي كان يمد الأحرار بالمال حتى قيام ثورة 48م. وأستطيع القول هنا أن عصب ثورة 48م هو المال الحجري.
 
ولطبيعة الأخلاق الإنسانية التي يحملها ابن الحجرية بأصالته وتمدنه ورقيه فقد ظل تبرعهم المالي قائما حتى بعد فشل الثورة، ولم يصبهم اليأس جراء ما حدث، بل لقد قرروا رعاية أبناء الثوار الذين أعدمهم الطاغية أحمد أو ألقى بهم في السجن، وأيضا مواصلة التبرعات كما كانت لصالح القضية الوطنية. وكان هؤلاء التجار بمثابة الآباء والأخوة الكبار لعائلات المناضلين وأبنائهم، ناهيك عمن استضافوهم من الأحرار في الحبشة على نفقتهم، حفاظا على روحهم المعنوية. وعلى قصر حكومة الدستور عقب ثورة 48م فقد قامت على مال التاجر عثمان قائد سلام الذي أقرض الإمام عبدالله الوزير قرضا كبيرا، وعقب سقوط إمامة الوزير أعلن هذا التاجر إفلاسه، وتاجر آخر اسمه عثمان قائد العريقي أنفق ما يزيد عن مئة ألف روبية، كما هو الشأن أيضا لدى التاجر شايف محمد سعيد الذي أنفق ثروته كلها في قضية انقلاب 1955م وبعده، وفي دعم بعض الصحف والمنشورات خاصة؛ بل لقد دعم صحيفة صوت السلام التي كان يصدرها الشيخ عبدالله علي الحكيمي في لندن. وكان يمثل حلقة الوصل قبل ذلك بين الأحرار في عدن وأيضا في المهجر، لنشاطه الدؤوب الذي لا يمل.
 
إن طلقات الرصاص التي اخترقت جسد الطاغية أحمد في الحديدة من مسدسي: العلفي واللقية كانت على نفقة المناضل عبدالغني مطهر، ومع هذا فقد تنكر له بعض رفقاء النضال وأودعوه سجن القلعة في صنعاء عقب قيام انقلاب/ حركة خمسة نوفمبر 67م، ناسين أو متناسين نضالاته المشهودة منذ الأربعينيات بالمال والجهد.
لقد كانت تجارةُ الحجرية ــ وتحديدًا الأغابرة والأعروق ــ الرافد الرئيس لنضالات الأحرار اليمنيين منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 62م، وكان رأس المال الحجري هو عمود الاقتصاد الوطني بعد ذلك، وعلى رأسهم رجل الأعمال المعروف هايل سعيد أنعم العريقي، كما كانت الحجرية هي الرافد الأول بالخبرات والكفاءات العلمية والعملية التي انتشرت في شتى بلاد اليمن ما بين طبيب ومعلم وسياسي ومثقف وخباز ومصور وفنان وميكانيكي.. إلخ. ومعهم انتشرت قيم حب الخير واحترام العمل.
 
نتذكرُ الحجرية مقترنة بالتكنوقراط من رجالات الدولة.. بالأحزاب السياسية.. بالمقاولات.. بالتجارة.. بالهندسة.. بالأدب والفن.. بالاغتراب.. بهائل سعيد أنعم وأعماله الخيرية.. بأول بنك مركزي.. بالنشيد الوطني للفضول.. بأنغام أيوب طارش.. بجمهورية سمير اليوسفي.. بلوحات هاشم علي.. باستديوهات العبسي.. بمخابز الشيباني.. بجبن شمير.. بحلويات القبيطة.. بشجاعة إبليس الثائر في وجه الظلم.. بساعة الرحمن لمنى علي.. إنها الحجرية.. ألمان اليمن بلا منازع. وإن شئت قل: الحُجريّة روحُ اليمن.
 




قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ