قبيلة حجور تصدر بيانا حول اعتقال النقيب خليل الحجوري من قبل التحالف     "التهاني".. كجريمة بحق اليمن!     مؤامرة السهم الذهبي والمحافظة المزعومة     واشنطن تدين عودة مليشيا الحوثي إلى اختطاف موظفين في سفارتها بصنعاء     قصة الصرخة الحوثية "الموت لأمريكا"     فريق طبي بمستشفى يشفين ينجح في إجراء عملية معقدة لأحد المرضى     مركز المخا للدراسات الاستراتيجية يستضيف ورشة حول العلاقات اليمنية الصومالية     قراءة في دوافع انسحاب القوات المشتركة من الساحل الغربي ( تقدير موقف)     الإعلان عن تأسيس أول منظمة عالمية SYI للدفاع عن المهاجرين اليمنيين خارج وطنهم     معلومات وتفاصيل تكشف عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات المشتركة المفاجئ في الحديدة     محمد آل جابر بريمر اليمن     تحرك دولي ومحلي واسع للتحقيق مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في أكبر قضايا فساد     انتصار الريمي.. الإصرار على البقاء في زمن الحرب     معين عبدالملك لدى اليمنيين.. رئيس حكومة في عداد الموتى والمفقودين     محافظ مأرب يترأس اجتماعا طارئا للجنة الأمنية حول مستجدات المحافظة    

الأحد, 30 أغسطس, 2020 10:43:00 مساءً

اليمني الجديد - ياسر عامر

بالنسبة لي فإن أعظم ما تنبأ به البردوني، ليس الأحداث، فأنا، شخصيا، لا أؤمن بهذا، بل الاستشرافات التي مثلت مستوى من مستويات تحليل الظاهرة الاستعمارية في العالم، والرأسمالية على وجه الخصوص.
 
كان البردوني قد أشار، في مطلع الثمانينيات، إلى القوة الناعمة، التي يأتي بعضها على شكل مساعدات إنسانية، وأشار إلى دورها في تهيئة المجتمعات العربية للاستعمار الثقافي والاقتصادي.
 
في قصيدته "الغزو من الداخل"، قال البردوني بيتا أشار فيه لهذا الشكل "الكولونيالي" الجديد في البقعة العربية، وألمح لعمليات تجميل الدور القبيح للدول المستعمرة والغازية، فقال:
 
وفي صدقات وحشيٍ : يؤنسن وجهه الصخري
 
في واقع الأمر، فإن مصطلح "القوة الناعمة" يُعزى للأمريكي جوزيف ناي، الذي كان قد تحدث عنه في 1990، وأشار إلى مستويات تأثيره في السياسة الدولية، ثم تناول المصطلح بشكل أوضح في 2004 من خلال كتابه الشهير "القوة الناعمة .. وسائل النجاح في السياسة الدولية"، لكن البردوني سبقه بنحو عشر سنوات على الأقل، فقال:
 
غــزاة لا أشـاهـدهـم : وسيف الغزو في صـدري
فقد يأتون تبغا : في سجائر لونها يغري
وفي صدقات وحشيٍ : يؤنسن وجهه الصخري
 
في هذه القصيدة، أشار البردوني إلى تطور الشكل الكلاسيكي للاستعمار، فقال إن الاستعمار قد يأخذ شكلا اقتصاديا وثقافيا، هو أشد وطأة من شكله العسكري.
 
وبطبيعة الأمر، لم يكن قد شاع في عهد البردوني الهمبرجر والبيتزا والكوكاكولا، تلك الأصناف التي غزت المجتمعات، وفرضت نفسها كثقافة أمريكية، بغية عولمة النمط الأمريكي على كل الثقافات والأدمغة، بما فيها الثقافة العربية، وتهيئة النفسيات لقبولها.
 
في اليمن لا يعرفون "الحريرة" المغربية، وفي المغرب لا يعرفون "الفحسة" اليمنية، لكنَّ البلدين معا يعرفان البيتزا والبرجر والكوكاكولا، المنتجات التي أتت من وراء البحار، وفرضت نفسها كأنماط غربية أسهمت بتغريب العقلية العربية بشكل أو بآخر، أو على الأقل أوجدت قابلية للاستعمار لدى الذهنية العربية، وهو الأمر الذي أثاره مالك بن نبي في نظريته الشهيرة "القابلية للاستعمار".
 
أشار البردوني لذلك الأمر، وعده شكلا من أشكال الغزو، وبالطبع لم يذكر البرجر، فهو لم يكن منتج العصر حينها، بل ذكر السجائر والويسكي والكولونيا وغيرها، فقال:
 
فظيع جهل ما يجري : وأفظع منه أن تدري
غــزاة لا أشـاهـدهـم : وسيف الغزو في صـدري
فقـد يأتـون تبغـا فــي: سجائـر لونهـا يـغـري
..
..
وفـي قنينـة الوسـكـي: وفـي قـارورة العـطـر
وفي أقراص منـع الحمـل: فـي أنبـوبـة الحـبـر
ويستخفـون فـي جلـدي : وينسلـون مـن شعري
 
ذلك الأمر يتجاوز الأصناف والسلع عند البردوني، إلى الأنماط الثقافية في الملابس، الذي استدعى منها "البنطلون"، وكيف أن المجتمعات في تلك الحقبة باتت تنظر لمرتدي البنطلون كأستاذ، وبالضروة إنسان مثقف، فقال:
 
وفـي ســروال أسـتـاذٍ : وتحـت عمامـة المقـري
 
ولعلنا اليوم نستطيع تفسير وفهم تلك الأصوات التي تدعو للتطبيع مع إسرائيل، بحجة الاستفادة من خبراتهم الصناعية؛ فقد نجح المعسكر الاستعماري في تهيئة نفسياتنا لقبول هذا الطرف المستعمر، حتى وإن كان مغتصبا للأرض مصادرا للحق.
 
في القصيدة، اندهش البردوني لعدم إدراك المجتمعات لهذه الأشكال الاستعمارية الجديدة، وتحسر أكثر على إدراكها والاستسلام لها، فقال:
 
فظيعٌ جهل ما يجري: وأفظع منه أن تدري
 




قضايا وآراء
انتصار البيضاء