في ذكرى سبتمبر.. القاضي الارياني ونضال الحرية (2)     ندوة فكرية بمأرب تقرأ "الحصاد المر" لـ نكبة 21 سبتمبر على اليمن     محاولات ثورية وتنويرية مهدت لثورة سبتمبر في مواجهة نظام الإمامة البائد     كتاب جديد للباحث محمد الحاج حول التاريخ اليمني القديم عبر استنطاق 60 نقشا مسنديا     كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا    

الأحد, 30 أغسطس, 2020 10:43:00 مساءً

اليمني الجديد - ياسر عامر

بالنسبة لي فإن أعظم ما تنبأ به البردوني، ليس الأحداث، فأنا، شخصيا، لا أؤمن بهذا، بل الاستشرافات التي مثلت مستوى من مستويات تحليل الظاهرة الاستعمارية في العالم، والرأسمالية على وجه الخصوص.
 
كان البردوني قد أشار، في مطلع الثمانينيات، إلى القوة الناعمة، التي يأتي بعضها على شكل مساعدات إنسانية، وأشار إلى دورها في تهيئة المجتمعات العربية للاستعمار الثقافي والاقتصادي.
 
في قصيدته "الغزو من الداخل"، قال البردوني بيتا أشار فيه لهذا الشكل "الكولونيالي" الجديد في البقعة العربية، وألمح لعمليات تجميل الدور القبيح للدول المستعمرة والغازية، فقال:
 
وفي صدقات وحشيٍ : يؤنسن وجهه الصخري
 
في واقع الأمر، فإن مصطلح "القوة الناعمة" يُعزى للأمريكي جوزيف ناي، الذي كان قد تحدث عنه في 1990، وأشار إلى مستويات تأثيره في السياسة الدولية، ثم تناول المصطلح بشكل أوضح في 2004 من خلال كتابه الشهير "القوة الناعمة .. وسائل النجاح في السياسة الدولية"، لكن البردوني سبقه بنحو عشر سنوات على الأقل، فقال:
 
غــزاة لا أشـاهـدهـم : وسيف الغزو في صـدري
فقد يأتون تبغا : في سجائر لونها يغري
وفي صدقات وحشيٍ : يؤنسن وجهه الصخري
 
في هذه القصيدة، أشار البردوني إلى تطور الشكل الكلاسيكي للاستعمار، فقال إن الاستعمار قد يأخذ شكلا اقتصاديا وثقافيا، هو أشد وطأة من شكله العسكري.
 
وبطبيعة الأمر، لم يكن قد شاع في عهد البردوني الهمبرجر والبيتزا والكوكاكولا، تلك الأصناف التي غزت المجتمعات، وفرضت نفسها كثقافة أمريكية، بغية عولمة النمط الأمريكي على كل الثقافات والأدمغة، بما فيها الثقافة العربية، وتهيئة النفسيات لقبولها.
 
في اليمن لا يعرفون "الحريرة" المغربية، وفي المغرب لا يعرفون "الفحسة" اليمنية، لكنَّ البلدين معا يعرفان البيتزا والبرجر والكوكاكولا، المنتجات التي أتت من وراء البحار، وفرضت نفسها كأنماط غربية أسهمت بتغريب العقلية العربية بشكل أو بآخر، أو على الأقل أوجدت قابلية للاستعمار لدى الذهنية العربية، وهو الأمر الذي أثاره مالك بن نبي في نظريته الشهيرة "القابلية للاستعمار".
 
أشار البردوني لذلك الأمر، وعده شكلا من أشكال الغزو، وبالطبع لم يذكر البرجر، فهو لم يكن منتج العصر حينها، بل ذكر السجائر والويسكي والكولونيا وغيرها، فقال:
 
فظيع جهل ما يجري : وأفظع منه أن تدري
غــزاة لا أشـاهـدهـم : وسيف الغزو في صـدري
فقـد يأتـون تبغـا فــي: سجائـر لونهـا يـغـري
..
..
وفـي قنينـة الوسـكـي: وفـي قـارورة العـطـر
وفي أقراص منـع الحمـل: فـي أنبـوبـة الحـبـر
ويستخفـون فـي جلـدي : وينسلـون مـن شعري
 
ذلك الأمر يتجاوز الأصناف والسلع عند البردوني، إلى الأنماط الثقافية في الملابس، الذي استدعى منها "البنطلون"، وكيف أن المجتمعات في تلك الحقبة باتت تنظر لمرتدي البنطلون كأستاذ، وبالضروة إنسان مثقف، فقال:
 
وفـي ســروال أسـتـاذٍ : وتحـت عمامـة المقـري
 
ولعلنا اليوم نستطيع تفسير وفهم تلك الأصوات التي تدعو للتطبيع مع إسرائيل، بحجة الاستفادة من خبراتهم الصناعية؛ فقد نجح المعسكر الاستعماري في تهيئة نفسياتنا لقبول هذا الطرف المستعمر، حتى وإن كان مغتصبا للأرض مصادرا للحق.
 
في القصيدة، اندهش البردوني لعدم إدراك المجتمعات لهذه الأشكال الاستعمارية الجديدة، وتحسر أكثر على إدراكها والاستسلام لها، فقال:
 
فظيعٌ جهل ما يجري: وأفظع منه أن تدري
 




قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة