في ذكرى سبتمبر.. القاضي الارياني ونضال الحرية (2)     ندوة فكرية بمأرب تقرأ "الحصاد المر" لـ نكبة 21 سبتمبر على اليمن     محاولات ثورية وتنويرية مهدت لثورة سبتمبر في مواجهة نظام الإمامة البائد     كتاب جديد للباحث محمد الحاج حول التاريخ اليمني القديم عبر استنطاق 60 نقشا مسنديا     كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا    

الخميس, 20 أغسطس, 2020 06:34:00 مساءً

اليمني الجديد - ثابت الأحمدي

وردت كلمة "ورخ" في النقوش العربية الجنوبية أصلا لكلمة التاريخ المتداولة اليوم التي يرجعها البعض إلى الأصل السامي "أرخو" التي تعني بالأكادية القمر، وبتغير منازل القمر تتغير الأيام، وبالتالي يعني التأريخ، وفي العبرية "يرح" أو "يارح" وتعني أيضا القمر، ولعل الاختلاف بين اللغتين في اللفظ فقط. وقد أشارت النقوش السبئية إلى هذا اللفظ في أكثر من عبارة؛ حيث استعمل اليمنيون القدماء: السبئيون والمعينيون والقتبانيون والحضرميون والحميريون كلمة "ورخ هـ و" في كتاباتهم بالمعنى العلمي نفسه، المستعمل اليوم في كلمة "أرخت بها" أو "تاريخها".
 
وعرف اليمنيون التقويم من وقت مبكر كغيرهم من ذوي الحضارات العريقة التي كانت تؤرخ لأحداثها بتقويماتها الخاصة، خلافا للشعوب البدائية التي كانت تؤرخ بالأحداث، أو كانت بلا تقويم تاريخي تعتمد عليه في التوثيق، وكان التاريخ أو التوثيق على أشكال غير الشكل المعروف اليوم، بصيغ تعارفوا عليها آنذاك، وذلك لإثبات وثائقهم أو نصوصهم الدينية أو القانونية أو السياسية، فيكتبون الحدث منسوبا للشهر، فاسم الملك الحاكم، وعادة ما يتم تدوين نسختين أو نقشين للموقف الواحد في أكثر من مكان، وكانت المعابد والأسواق العامة هي موضع كتابة هذه النصوص عادة، كونها أماكن عامة. وقد تم العثور في النقوش على المعينية على نصوص بضيغة: "ي و م ن ت/ ص ح ف ت ن/ و ص ل و ت ن/" أي يوم الوثائق والقوانين وإعلانها للعامة، وأطلق المعينيون على أحد شهورهم اسم: "ورخ صفحتن" أي شهر الوثائق. انظر: التشريعات في جنوب غرب الجزيرة العربية حتى نهاية دولة حمير، نورة النعيم، 156.
 
وقد كان لكل حضارة من الحضارات القديمة تقويمها الخاص المعتمد على الشمس أو القمر، وعادة ما تختلف التقويمات عن بعضها بنسب متفاوتة، غير أن ما هو موحد تقريبا لدى كل التقويمات في مختلف الحضارات هو عدة الشهور اثناعشر شهرا، وعدة أيام الشهر المتراوحة فيما بين 29 ـ 31. وكذا أيام الأسبوع سبعة أيام على تفاوت في الأيام بين الحساب الشمسي والحساب القمري. وكانت الشهور في بداية الأمر تأخذ من حيث مسمياتها الترتيب العددي، لا الاسمي، فكانوا يقولون: الشهر الأول، الشهر الثاني.. الثالث.. وهكذا. ولم تأخذ التسمية المعروفة اليوم إلا في وقت متأخر.
 
ومن التقويمات التاريخية القديمة التقويم الفرعوني والتقويم البابلي والتقويم الإغريقي والتقويم الصيني والتقويم الهندي والتقويم الفارسي، والملاحظ أن هذه كلها حضارات موغلة في القدم، ولها تجاربها الخاصة مع تقويماتها وسنواتها الشمسية أو القمرية.
ونتوقف عند التقويم العربي في شبه الجزيرة العربية أولا قبل أن نتكلم عن تقويمات حضارة جنوب الجزيرة العربية.
فقد كان عرب شبه الجزيرة العربية، وخاصة عرب الشمال يعتمدون ما يمكن أن يسمى بالتقويم النجمي، المتعارف عليه، وغير المكتوب أو المدون في الغالب، حدسوه بالتجربة والخبرة وطول الوقت، وتم استخدامه في الجانب الزراعي، كما تم استخدامه كثيرا أيضا في الجانب الديني. وقد برع العرب في معرفة أوقات النجوم الطالعة والآفلة، ومعرفة درجاتها وتباعدها عن بعضها، وما يرتبط بها من حرارة وبرودة ورياح وأمطار وغيرها، فارتحلوا وأقاموا من خلالها. وقد صدق الله عز وجل حين قال: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون). ولذا كثر التغني في الشعر العربي بالنجوم على فأخذت حظا وافرا من الحضور الشعري في الذهنية العامة حتى تسمى به البعض وتكنى وتلقب، واشتهرت نجوم دون أخرى كالشعرى اليمانية والشعرى الشامية، وكذا سهيل اليماني والسماك، وغيرها..
وإلى جانب التقويم النجمي أيضا اعتمدوا بدرجة ثانية على التقويم القمري، ثم التقويم الشمسي بدرجة ثالثة. وقسموا بموجبه فصول السنة إلى أربعة فصول، هي: الربيع والخريف والصيف والشتاء. وقسموا إلى كل فصل إلى شهور، وهي بأسماء أخرى غير المتداولة اليوم كالتالي:
محرم: المؤتمر. صفر: ناجر. ربيع الأول: خوان. ربيع الآخر: وبْصان. جمادى الأولى: حنين. جمادى الآخرة: رُبَّة. رجب: الأصم. شعبان: عادل. رمضان: ناتق. شوال: وعل. ذو القعدة: ورنة. ذو الحجة: بُرك.
 
وسمي شهر محرم بالمؤتمر لأن الناس يأتمرون فيه بترك القتال. وسمي صفر بذلك لأن ناجرا من أسماء الحرب، أي شهر الحرب. ورسمي ربيع الأول بذلك لأن الحرب تشتد فيه فتخونهم فتنقصهم، وربيع الثاني سمي وبْصان: من الوبص وهو البريق للقتال. وسمي جمادى الأولى باسم حنين لحنين العرب إلى أوطانهم وهم في الارتباع. وسمي جمادى الآخرة بذلك لأنه تجتمع به لجماعة من الشهور التي ليست بحرم. وسمي رجب بالأصم، لأن الناس لا يسمعون فيه قعقعة السلاح لأنه من الأشهر الحرم. وسمي شعبان بعادل لأنهم يعدلون فيه عن الإقامة لتشعبهم في القبائل, وسمي رمضان بناتق لكثرة المال عندهم بعد الإغارات في الشهر السابق. وسمي شوال بالوعل من وعل إذا لجأ فقد كانوا يهربون من الغارات. وسمي ذو القعدة ورنة من ورن إذا تحرك, وكانوا يتحركون فيه للحج. وسمي ذو الحجة بُرك لأن الحج يقع فيه، وفيه تكون البركة.
أما أسماء الأسبوع في الجاهلية فهي كما يلي:
الأحد: أول
الاثنين: أهون
الثلاثاء: جُبار
الأربعاء: دبار
الخميس: مؤنس
الجمعة: عروبة
السبت: شيار.
وقد جمع هذه الأيام أحد الشعراء الجاهليين بقوله:
أؤمل أن أعيش وأن يومي بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن يفتني فمؤنس أو عروبة أو شيار.
أما عن الحضارة اليمنية القديمة فقد أثبتت النقوش أكثر من تقويم لها، كالتقويم السبئي، والتقويم الحضرمي، والتقويم المعيني، والتقويم القتباني، والتقويم الحميري.
وتعدد التقويمات دليل على تعدد الرؤى ودقة الحسابات الفلكية التي يعتمد عليها المزارعون والصيادون ورجال الدين وكذا التجار في رحلاتهم التجارية.
 
وكان التقويم السبئي ـ كما يذكر البعض ـ يؤرخ بسنوات الكاهن الذي يتولى الكهانة في المعبد لمدة سبع سنوات، ومن أسماء الشهور السبئية التي وردت في النقوش القديمة: ذا فلسم، ذا نعم، ذا ألأت، ذا سبأ، ذا دين، ذا سحر، ذا نسور، كشبم، دثا، ذا يصرر، ذا أبهى، ذا نيلم، ثور، ذا هوبس، ذا مليت، ذا سلام، ذا صيدم، ذا فقحوم...إلخ.
وهناك أيضا التقويم القتباني، ومن شهوره: شهر ذا برم، شهر ذا صراب، ذا بشمم، ذا تمنع، ذا سحر، ذا أبهو، ذا مسلعت، ذا ذبحتم..
 
وفي التقويم الحضرمي تم العثور في النقوش على أسماء شهور، أرخ القدامى بها، مثل: شهر صيد، شهر، شمس، شهر تردم، شهر كيبهي.
 
وفي التقويم المعيني أيضا تم العثور على اسماء بعض الشهور، مثل: ذا أثرت، ذا أبهى، ذا موصبم، ذا شمسي، ذا نور، ذا سمعي، ذا طفنت، ذا نعر.
 
ولبراعة اليمنيين في مختلف العلوم ــ ومنها علم الفلك ــ فقد نظم أحدهم ــ ويلقب بالبحر النعامي ــ قصيدة في أسماء الشهور الحميرية، وما يقابلها من الشهور الرومية، وما يصلح فيها للناس في معاشهم ونشاطهم من مأكل ومشرب ونحوه، وما ينبغي له تجنبها في كل موسم أو فترة زمنية، حفاظا على صحة الإنسان، ولا تزال هذه الثقافة سائدة لدى الفلاحين الريفيين إلى اليوم، فلديهم تفاصيل متوارثة عن أغذية الصيف، وأغذية الشتاء؛ بل حتى عن الأوقات التي يكون الإكثار من الجماع فيها مضرا، والأوقات التي لا يكون فيها مضرا. "هكذا عرف بلقبه "البحر النعامي" دون أن يعرف المترجمون اسما له، وهو من علماء القرن السادس الهجري".
كما اشتهر آخرون في علوم الجبر والمقابلة والمساحة، منهم العلامة جمال الدين محمد بن أبي بكر الأشخر، من علماء القرن العاشر الهجري، له "الإراحة في علم المساحة". وأيضا العلامة حسين بن عبدالله الوصابي له "التحفة الوصابية في الأعمال الحسابية". والعلامة حسين بن عبدالله بن محمد الوصابي، من مواليد مدينة زبيد سنة 1302هـ، تلقى علومه ومعارفه في مدينة زبيد وبرع في كثير منها، وكان مرجعية علمية من مراجع عصره. رحل إلى صنعاء، وأيضا إلى بلاد الشام، وعمل مدرسا في الجامع الأموي بدمشق. له أيضا: النفحة الزبيدية في المسائل الرملية، والرحلة الشامية، والرحلة الصنعانية. انظر: حسين بن محمد الوصابي، مجلة الإكليل، العدد: 26، 2002م، 195.
ولآخرين مئات المخطوطات في هذا المجال، سواء ما كان منها اليوم قيد الحفظ أو قيد الإهمال، أو ما اندرس منها وهلك.
التقويم الحميري
يعتبر التقويم الحميري آخر التقويمات اليمنية القديمة وأكثرها دقة وعلمية، لأنه جاء نتيجة تراكمات للحضارات اليمنية السابقة، فأزاح الطريقة التقليدية السابقة، والتي تداخلت معها الأحداث التاريخية وتاريخ الملوك الذي أخذ جدلا واسعا، كما لم تأخذه أي حضارة قديمة، وقد تم العمل به في العام 115 قبل الميلاد، على أصح الأقوال. انظر: التقويم في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، وجدان مصطفى عسيري، رسالة ماجستير، جامعة الملك عبدالعزيز، 2009م، ص: 162 فما بعدها.
 
وتربط الباحثة في التاريخ اليمني القديم الدكتورة اسمهان سعيد الجرو ظهور التقويم الحميري بتوحد القوتين السياسيتين السبئية والحميرية في العام 115 قبل الميلاد، واللتين كانتا قائمتين على نسق التاريخ بأسماء أشخاص، ليحل محله التاريخ والتقويم الحميري الذي بدأ من هذا العام، وهو الذي ساد بعد ذلك. انظر: دراسات في التاريخ الحضاري لليمن القديم، أ. د. اسمهان سعيد الجرو، دار الكتاب الحديث، 2003م، 259.
 
وظل كذلك إلى أن اعتمد التاريخ الإسلامي الهجري المعروف بعد الإسلام أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أي أنه ظل متعارفا عليه ومعمولا به لما يزيد عن ستمئة سنة. وينسبه البعض إلى مبحض بن أبحض الحميري.
وهذه فصول السنة وشهورها في التقويم الحميري
 
ــ فصل الصيف ويسمى "دثأ" وفيه الشهور التالية:
 
ذا ثبتن "ذَ الثابة" أول شهور السنة الزراعية، ويقابله شهر ابريل في الميلادية - نيسان في السريانية.
ذا مبكر "مبكر"، يقابله شهر مايو في الميلاديه - أيار في السريانية.
ذا قيظن "ذَا القياظ"، يقابله شهر يونيو في الميلاديه - حزيران في السريانية.
فصل الخريف ويسمى "خرف" وفيه الشهور التالية:
ذا مذرأن "ذا المذرأ"، يقابله شهر يوليو في الميلاديه ـ تموز في السريانية.
ذا خرفن "ذ الخريف"، يقابله شهر أغسطس في الميلادية ـ آب في السريانية.
ذا علن "علان"، يقابله شهر سبتمبر في الميلادية ـ أيلول في السريانية.
فصل الشتاء ويسمى "سعسع" وفيه الشهور التالية:
ذا صربن "ذا الصراب"، يقابله شهر أكتوبر في الميلادية - تشرين الأول في السريانية.
ذا مهلتن "ذا المهلة"، يقابله شهر نوفمبر في الميلادية - تشرين الثاني في السريانية.
ذا ألن/ ذ ألل "ذا الآل"، يقابله شهر ديسمبر في الميلادية - كانون الأول في السريانية
فصل الربيع ويسمى "مليم" وفيه الشهور التالية:
ذا دثأ "ذ الدثأ"، يقابله شهر يناير في الميلادية - كانون الثاني في السريانية.
ذا حلتن "ذ الحلة"، يقابله شهر فبراير في الميلادية - شباط في السريانية.
ذا معن "ذا المعين"، يقابله شهر مارس في الميلادية - آذار في السريانية. انظر: معمر الشرجبي،
 




قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة