الجيش يكشف بالأسماء عن أخطر خلية تجسس تابعة للحوثيين في مأرب (فيديو)     اللجنة الأمنية بتعز تصدر 14 قرارا مهما     منظمة دولية تدعو الإدارة الأمريكية لوقف مبيعات الأسلحة للإمارات     انهيار متسارع للعملة اليمنية مقابل العملات الصعبة واستفادة مباشرة للحوثيين     جلسة استماع للصحفيين المفرج عنهم من سجون جماعة الحوثي بمأرب     وزير الخارجية اليمني: استقرار اليمن من استقرار المنطقة بالكامل     منظمة دولية: استهداف الحوثيين للأحياء السكنية بتعز ترتقي لجريمة حرب     منظمة دولية تدعو الحوثيين للإفراج الفوري عن صحفي يمني     إحصائية جديدة .. وفاة نحو 233 ألف يمني بسبب الحرب في اليمن     افتتاح مخيم الوفاء الخيري لذوي الاحتياجات الخاصة بمأرب     مرخة العلياء الحلم الذي أصبح حقيقة     مجزرة جديدة للحوثيين بتعز تخلف قتلى في صفوف الأطفال والنساء     تنديد واسع بعنف الشرطة الفرنسية على مصور من أصول سورية     كلمة الرئيس هادي بمناسبة 30 من نوفمبر     محافظ شبوة يعقد اجتماعا بإدارة وطواقم مستشفى عتق العام    

الثلاثاء, 11 أغسطس, 2020 10:20:00 صباحاً

اليمني الجديد - محمد العليمي
عندما التقت الخالة "ش" بأبيها عبر سياج السجن الذي كان يفصل بينهما في محافظة إب قالت والدموع تنهمر من عينيها متذكرة بوضوح أحداث ذلك اليوم: أرجوكم أخرجوني من هذا المكان، حتى ولو إلى منصة الإعدام، المهم أن لا أبقى هنا.

لم يكن الأب "صلاح" الذي يعيش في منتصف العشرينيات من عمره، والذي ينحدر من قرية رحبان التي تقع جغرافيا ضمن مديرية بعدان يعلم أن رحلة الثلاثة الأيام التي سيستغرقها في الذهاب إلى مدينة إب قد تكلفه الكثير، ما تراءى أمامه في ذلك الوقت، أن تلك الأفواه الثلاثة التي يعود إليها كل مساء بحاجة إلى عمل أكثر.
التفت ثلاث مرات قبل أن يغادر المنزل، ثم قال: لن أغيب أكثر من ثلاثة أيام. اليوم الأول للسفر، واليوم الثاني لتوزيع الكمامات، وسأعود في اليوم الثالث إلى صنعاء.
 
لقد تناقلت تلك الجثة الصغيرة سبعة عشر يدا لامرأة ورجل، بما فيها أبو الخالة القاتلة "ش" وأخوها، وقطعت أكثر من مائتي كيلو متر داخل حافلة أجرة للوصول من صنعاء إلى إب، ولكن أحدا لم يتوقع أن تلك الطفلة الملفوفة داخل قطعة قماش بيضاء لم تمت بشكل طبيعي.

صدمت أحداث القصة القرية بأكملها، فلم يسبق أن كان في تاريخ تلك العائلة التي ارتكبت هذه الجريمة قاتلٌ ما.
 
الرواية القادمة من مصادر عدة، وكانت في مجملها تعتمد على بعض أهالي القرية أن العنف الممارس من قبل الأب تجاه أبنائه كان كفيلا بأن يحتل العنف مساحة داخل حياة الأبناء.
 
كان أبو الخالة "ش" يواجه الأخطاء الصغرى لأبنائه بعواقب وخيمة، ربط الابن الثالث ذات مرة على شباك نافذة المنزل ليومين دون طعام، وقد تصل القسوة إلى أن يهدد أحد أبنائه بالسلاح، أو يحبسه لثلاثة أيام داخل غرفة معزولة.
بهذه الطريقة تفسر القرية العنف الناشئ لدى الأسرة التي تنتمي إليها الخالة "ش".
 
في الحوار الذي أجريتُه مع أقارب الطفلة الضحية بعد شهر من الحادثة لم يستطع أبو الطفلة "سبأ" تقديم فهمه عن قسوة امرأته المفاجئة، والتي تزوجها لتساعده في تربية طفليه، اللذين انفصل عن أمهما الأردنية، فلم تكن تظهر على الخالة "ش" طوال مدة زواجهما التي استمرت لسبعة أشهر أي علامات القسوة أو النوايا الإجرامية المبيتة.
 
في الساعة الحادية عشرة ظهرا رن تلفون الأب "صلاح". في المكالمة تلقى الأب من زوجته "ش" معلومات بأن أعراض ضيق التنفس ظهرت على طفلته "سبأ" التي تبلغ من العمر عامين ونصف، وتم نقلها إلى المستشفى لكنها فارقت الحياة.
لم تنقل الخالة "ش" الطفلة إلى المستشفى، بل نقلتها إلى مركز صحي قريب من منزلها الكائن في قاع القيضي.
الدكتور الذي كشف عن الجثة داخل المركز الصحي الصغير قال لفتاتين كانتا قد رافقتا الخالة "ش": إن الطفلة عانت من آثار ضرب وتعذيب شديد، وأضاف بأنها توفيت قبل أن تصل إلى المركز بنحو ساعة أو أكثر. حين حضرت شقيقة صلاح "الأب" انتحت الفتاتان بها جانبا، ونقلتا كلام طبيب المركز الصحي.
 
وعندما فُتحت الجثة لمعاينتها استطاعت شقيقة صلاح التقاط عدد من الصور لجميع أنحاء الجسد. صورة للعنق، وصورة للظهر، وصورتان للوجه الذي بدا عليه آثار التعذيب. الكدمات واضحة والبقع السوداء متجمعة في منتصف الظهر وحتى الكتف الأيمن، في الأرداف أيضا، وهذه المعلومات التفصيلية ذُكرت في جميع التقارير الجنائية. في اليد اليسرى تجمعت أكثر من عشر بقع سوداء وكدمات كانت أكثرها اتساعا عند حدود المفصل بين الكف والساعد.
 
البحث الأولي الذي أجراه يوسف، شقيق صلاح حين وصلته صور الطفلة "سبأ" حول أسباب اسوداد أعين الشخص المتوفى أظهرت أن تلك العلامات لا تظهر على ميت، إلا إذا كان سبب وفاة الشخص هو الخنق أو التعرض لطلق ناري من خلف الرأس، أو ذبحة صدرية. ولأنه استثنى إمكانية الطلق الناري والذبحة الصدرية، فإن الاحتمال الوحيد الذي بدا ليوسف هو أن الطفلة توفيت خنقا، وهو ما اعترفت به الخالة "ش" بعد أيام من تلك الحادثة، وأصبح مدونا في التقرير الجنائي.

تولت أم عزام غسل الطفلة، أثناء ذلك تم التقاط صور أخرى للضحية. ولم يكن مخططا الذهاب بالجثة إلى قرية رحبان في إب للدفن، لكن والد الطفلة الذي كان متواجدا في إب ساعتها أصر على دفن فتاته في إب، وهو الذي نحا بالقصة هذا المنحى، وغيّر دون إرادة منه مخططات زوجته "ش" لدفن جثة الطفلة في صنعاء.

كان على متن السيارة السائق والخالة وأبو الخالة وعمة الطفلة "سبأ"، وقد جلست عمة الطفلة المفجوعة خلف كرسي السواق مباشرة، وبجانبها الخالة التي ظلت تحتضن طوال الطريق جثة تلك الطفلة التي قتلتها خنقا.

تم تمرير الجثة على أنها طفلة حية، ولم تعلم النقاط المنتشرة بين المدينتين على مدى تلك المسافة الطويلة، ورغم وجود ركاب آخرين في الحافلة بأن الطفلة التي تحتضنها إحدى المرأتين كانت لميتة قد غادرت الحياة قبل ساعات الظهيرة.
حين وصلت السيارة إلى القرية بعد وقت الغروب كان القبر جاهزا للدفن، دفنت الجثة الصغيرة مع حديث طويل دار في القرية بأن كورونا سبب الوفاة، وكانت شائعات أعراض وباء كورونا الذي انتشر منذ أشهر، وزادت الثقافة الشعبية في تحويله إلى أشد أمراض التاريخ فتكا في بيئة لا تعرف مصادر تلقي المعلومات قد جعلت عائلة الطفلة "سبأ" في الريف حين رأت كدمة بسيطة على صدغها الأيمن قبيل الدفن بلحظات أن قالت: إن تلك علامات فايروس كورونا، رغم أن التناولات الشعبية بما فيها تلك التي تناقلتها عجائز القرية بإيمان مطلق لم تقل أبدا أن الكدمة يمكن أن تكون أحد أعراض هذا الوباء.
 
ومع بدء انتشار أجزاء من القصة الحقيقية إلى أن تكشفت الحقيقة الصادمة عاشت القرية لأيام عدة حالة من الخوف، ولم يكن متداولا على كل ألسنة نساء ورجال القرية وأطفالها في المجالس أو اللقاءات العابرة في الطرقات أو على أبواب الدكاكين الصغيرة غير حديث الطفلة "سبأ" والخالة القاتلة.
غابت عن الأب رؤية الكدمات على طفلته التي وصلت إلى المدينة التي كان قد ذهب إليها قبل ثلاثة أيام، وقد انشغل أثناء عملية الدفن بمواساة طفله الآخر والوحيد الذي بقي له بعد وفاة طفلته ، ومحاولة طمأنته، لأنه كان قد رأى مسحة خوف عليه لم يعهدها من قبل.
 
الدليل الآخر الذي قوى موقف الأسرة القائلة بأن الفتاة تعرضت لخنق هو الذهاب بأخي "الطفلة" إلى مركز صحي للكشف عليه في منطقة "طبيع" التي تبعد نحو عشرة كيلو مترات عن القرية، وهناك قال الطبيب في تقريره: إن الطفل تعرض لكدمات وضرب عنيف. تكلم الطفل بعد أن تلقى في ذلك المركز الإسعافات الأولية: إن "ماما" يقصد الخالة "ش" قد خنقت "سبأ" وأشار بيده إلى عنقه.
 
كان محمد قد تعرض للتعذيب أيضا من الخالة "ش"، وعندما ذهبوا به إلى مستشفى الثورة العام في مدينة إب بعد مقتل أخته بثلاثة أيام، وتحديدا في الثاني والعشرين من يونيو الماضي، كتب الطبيب المختص بعد إجراء فحوصات بالموجات فوق الصوتية: إن الطفل يعاني من نزيف داخلي في البطن، بسبب تمزق في الفص الأيمن من الكبد.
 
أما الطفلة "سبأ" المتوفية فقد أحصى التقرير الصادر من صنعاء وجود تسع مناطق محمرة من أثر الكدمات في جسد الطفلة ذي العامين والنصف.
الاعتراف الذي قدمته الخالة "ش" لإدارة أمن بعدان بعد القبض عليها لم يأخذ وقتا طويلا للحصول على تفاصيل الجريمة منها، وهي خنق الطفلة "سبأ" حتى الموت، ومحاولة خنق الطفل "محمد".
 
الاعترافات بالنسبة لأسرة "سبأ" ليست كافية لإدانة الخالة القاتلة، وبناء على نصيحة حقوقيين ومحامين طالبت الأسرة بإصدار أمر بحفر القبر، واستخراج الجثة، وكتابة تقرير جنائي عن الحادثة. وبعد محاولات واسعة استخدمت فيها العلاقات مع المسؤولين لحث النيابة العامة على إصدار الأمر جاء أمر إدارة البحث الجنائي بعد يومين باستخراج الجثة.
في منتصف النهار احتشد حول القبر الذي يبلغ طوله مائة واثني عشر سنتيمترا وعرضه أربعة وسبعين سنتيمترا لاستخراج الجثة أكثر من خمسين من أهالي القرية كلهم من الرجال، إلى جانب ملازمين ورائد هم المنتدبون من إدارة البحث الجنائي.
نبش أربعة أشخاص من أسرة الطفلة القبر الواقع داخل مقبرة كبرى في الجزء الجنوبي للقرية، حمل أحدهم الجثة التي كادت من هول القضية أن تسقط، أما جميع أهالي القرية فقد كانوا يتابعون بخوف مفاجئ مجريات هذا النبش من داخل المقبرة ومن على أسطح المنازل، والذي حدث لأول مرة في تاريخ تلك القرية.
التقط المكلفون من النيابة صورا لعملية النبش بأجهزة التصوير التي حملوها معهم.
أخرجت الجثة قبل أن تنتفخ، لكن أجزاء منها تلونت بفعل مرور ثلاثة أيام على الدفن، وتحلل بعض الأعضاء الداخلية، صبغة سوداء على طول الوجه تشبه الفحم الحجري المستخرج من المناجم، أو ثاني أكسيد الكربون، وتتركز أكثر في منتصف الجبهة إلى حدود الأنف، أما العينان وما حولهما فقد بدا التحلل واضحا، إذ غارت العينان أكثر، وبدا التفسخ واضحا عليهما مع الجلد المحيط بهما، وهذا التفسخ السريع للجلد المحيط بالعينين جاء نتيجة للخنق الذي تعرضت له الطفلة، فقد سجلت الصور التي التقطت عقب وفاة الطفلة مباشرة اسودادا حول العينين.
حمل الأب "صلاح" جثة طفلته إلى سيارة هايلوكس قديمة الطراز ومحطمة بفعل الطرقات الريفية الصعبة، وكان يرتدي أثناء ذلك ثيابا سوداء يبدو أنها مصادفة ولا علاقة لها بمراسيم العزاء. وقد شاهدت اللجنة كما كتبت في تقريرها آثار دماء على رأس الكفن ثم أرسلت الجثة إلى مستشفى ناصر لمعاينتها بشكل كامل، وحين رأى الأب "صلاح" آثار الدماء على رأس الجثة تذكر بأن أحاديث زوجته المستمرة لم تكن مجرد أمنيات امرأة ترى قلب زوجها يتوزع في ثلاثة نفوس، فقد قالت له مرات كثيرة في الليالي الطويلة وهي تشير إلى الطفلين بتذمر، إن الله رزقها "طبينتين بدلا من واحدة". فكان يكتفي بأن يقول لها، إنني تزوجتك لتساعديني في رعاية هذين الطفلين.
 
تقرير الطبيب الشرعي المكلف من النيابة العامة الذي صدر بعد عشرة أيام على وفاة الطفلة ذكر أن سبب الوفاة هي مضاعفات الخنق اليدوي والعنف الخارجي البالغ الشدة.
التحقيقات لم تبين كيف ظهرت هذه الكدمات على الطفلين، غير أن الخالة قالت في إحدى جلسات الاعتراف إنها استخدمت الأحذية في ضرب الطفلين.
لم يستغرق الأمر منذ أن جاءت الدورية العسكرية التابعة لإدارة أمن بعدان لأخذ الخالة القاتلة أكثر من ساعات عدة حتى اعترفت الخالة بالجريمة، وتناقلت إلى القرية القلقة أنباء هذا الاعتراف المشؤوم، لتعيش القرية على صدى الأحاديث المتناقلة والتخيلات الواسعة أسوأ لياليها كآبة، بينما تعيش القاتلة أسوأ أيامها داخل السجن، محطمة بفعل ذاكرة الجريمة، وتنبؤات المستقبل المجهول.





قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ