الحزب الاشتراكي في ميزان المجلس الانتقالي     مليشيا الحوثي تحرق مسجدا بمحافظة ذمار     مدرسة أويس بجبل صبر آيلة للانهيار.. 40 عاما بلا ترميم     الصفيون والتشيع في بلاد العرب     السعودية من إعاقة سبتمبر إلى قتل فبراير.. رحلة خراب     أطعمها في حياته فلازمته لحظة موته     تعذيب وقهر النساء في سجون الحوثي بصنعاء     صنعاء: الحوثيون يواصلون ابتزاز المواطنين بذريعة الاحتفال بالمولد النبوي     شرطة تعز تقبض على مشتبهين بتفجير سيارة النقيب السفياني بعد الحادثة بساعات     أمهات المختطفين تكشف عن تعذيب مروع لسجينات بمركزي صنعاء     وفد إماراتي إلى اسرائيل وتنقل للأفراد بدون فيزا     اليمن تعترض لدى مجلس الأمن حول إرسال إيران سفيرا لها إلى صنعاء     الحوثيون يشيعون قيادات عليا في قواتهم بعد مصرعهم بعدد من الجبهات     مليشيا الحوثي تقوم بدفن عشرات الجثث دون الإفصاح عن هويتها     بنات عدن يخرجن بصحبة أقاربهن بعد تزايد حالات الاختطافات    

السبت, 20 يونيو, 2020 09:54:00 صباحاً

اليمني الجديد - الجزيرة نت

هذا الحوار هو الجزء الأول من أصل جزأين مع الأكاديمي الأميركي ستيفان داي، وهو أحد الباحثين المتخصصين في الشأن اليمني، ويستعرض في هذا الجزء عددا من الأفكار الأساسية التي تُعَدُّ مهمّة للمطلعين والراغبين بفهم اليمن، كمجتمع، وسياسة، كما أن لمسيرة الدكتور داي الفكرية والبحثية فائدة للصحفيين والباحثين الجادّين في فهم مجتمعاتهم. في حين سيُركِّز الجزء الثاني على المشهد اليمني عقب ثورة فبراير(شباط) وصولا ليومنا الحالي، أما هذا الجزء فسيتطرق للأفكار التالية:
الدوافع المُوجِّهة لاختياره اليمن كمسار للتخصص، ومنهجيته الفكرية والسياسية لفهم الواقع الاجتماعي والسياسي اليمني.
ملاحظاته حول الفوارق القائمة في الموارد السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم اليمنية.
سبب رفض أطروحة الدكتوراه الخاصة به من قِبل عدد من الباحثين الرئيسيين في اليمن، وهي الأطروحة التي حملت نتائج جريئة أثبت الزمن صحة استنتاجاتها.
سياسات الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وتأثيراتها على البنية الاجتماعية.
التقسيم المناطقي لليمن، شمال وجنوب، ومدى واقعيته ودقّته.
الأسباب التي أدّت إلى فشل المرحلة الانتقالية عقب اندلاع الثورة، رغم كل الاهتمام المحلي والدولي الذي حظيت به، وتحول اليمن في النهاية إلى حرب ضروس.
نشرتْ "دار بلجريف مكميلان" في مطلع العام الجاري كتابا جديدا حول اليمن، يحمل عنوانه "الديناميات العالمية والإقليمية والمحلية في الأزمة اليمنية"، اشتركتَ في تحريره مع نويل بريوني، وقد استحسنه الأكاديميون والمهتمون بالشأن اليمني. قبلها بسنوات نشرتَ في عام 2012 كتابك المميز الموسوم بـ "المناطقية والثورة في اليمن"، كما نشرت عديد المقالات والأبحاث حول اليمن. 
- حدِّثنا كيف بدأت علاقتك باليمن وما المسوغات التي دفعتك لاختيارها موضوعا لأبحاثك؟ 
الدكتور ستيفن داي: لقد بدأ اهتمامي باليمن عندما كنت في السنة الثانية من دراستي للدكتوراه في جامعة جورجتاون في الفترة 1990-1991، بالتزامن مع الفترة التي تحقّقت فيها الوحدة الوطنية بين شطرَيْ البلاد وفقا لمقتضيات التعددية الديمقراطية. قبلها بدأت الدراسات العليا في عام 1981، حينما كانت تجري في الأوساط الأكاديمية نقاشات مستفيضة حول تجارب الانتقال الديمقراطي حول العالم، والتحق اليمن بركب الدول القليلة في العالم العربي التي بدأت بإجراء انتخابات حرة مثل الجزائر والأردن.
 
 
 
وقد بدأت الاهتمام بدراسة اللغة العربية منذ أواسط الثمانينيات حتى أتمكّن من فهم السياسات الجارية في العالم العربي. سافرت بعد تخرجي في الجامعة عام 1985 إلى مصر وفلسطين والأردن، وأدركت من تلك الرحلة مدى محدودية إلمامي بشؤون المنطقة. لذلك، قرّرت مواصلة دراساتي العليا حولها، فتقدّمت في عام 1988 إلى برنامج دراسة الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة جورجتاون وحصلت منها على منحة دراسية للدكتوراه من مركز الدراسات العربية المعاصرة.
 
 
كتاب "الديناميات العالمية والإقليمية والمحلية في الأزمة اليمنية"
عندما التحقتُ بالدراسة، كان مشرفي الرئيسي في الجامعة هو الدكتور حنّا بطاطو، المؤرخ وعالم الاجتماع الأميركي الفلسطيني، والذي كان قد كتبَ دراسة مطولة عن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لفترة الثورة في العراق في أواخر الخمسينيات(1). وحينما بدأت الدراسة، فكرتُ في كتابة أطروحة حول العراق أو فلسطين، إلا أن الدكتور بطاطو اقترح عليّ اليمن باعتباره حقلا دراسيا جديرا بالدراسة بالنظر إلى التحولات المثيرة الجارية هناك.
 
 
 
بعد الحرب الأميركية الأولى في العراق مطلع 1990، فكّرتُ في كتابة أطروحة حول العراق، غير أنني تراجعت عن الفكرة لصعوبة سفر طالب أميركي إلى بغداد لإجراء بحث سياسي في مثل تلك الظروف. وفي أعقاب انهيار مؤتمر مدريد للسلام، عملتُ لوقت قصير على أبحاث تتناول القضايا الفلسطينية، لكنني فقدت الاهتمام بتلك المواضيع عقب انتخاب بيل كلينتون وتوقيع اتفاقية أوسلو للسلام، حيث شعرت أن عملية السلام ستؤول إلى الفشل حينما تتمكّن جماعات الضغط الإسرائيلية من النفوذ في واشنطن تحت كنف إدارة كلينتون.
في ذلك الوقت لم أكن أعرف الكثير عن اليمن سوى إلمامي ببعض مخلَّفات سياسات الحرب الباردة المتصلة بالخلافات القديمة بين الشمال والجنوب بما في ذلك دعم الاتحاد السوفيتي -وقتها- للحزب اليمني الاشتراكي الحاكم في عدن. إلى جانب ذلك، كان لي اهتمام سابق بالاقتصاد السياسي لشبه الجزيرة العربية، حيث كتبتُ بحثا حول ترحيل السعودية نحو مليون من العمال اليمنيين من أراضيها في عام 1990، ضمن مقرر حلقة دراسية كان درّسها لنا الدكتور بطاطو في عام 1991 حول السعودية.
 
 
 
إضافة إلى ما سبق، أخبرني الدكتور بطاطو أن العيش في اليمن قد يُتيح فرصة عظيمة ليس لإجراء البحث فحسب وإنما لإتقان اللغة العربية. وكنت حتى ذلك الوقت (1992) قد أمضيت ثلاثة أعوام في تعلّم اللغة العربية الفصحى، وقد قيل لي إن العربية الدارجة في اليمن قريبة إلى "الفصحى"، مما يجعل فرصة تعلُّمها أسهل للمتعلِّم خاصة مع قلة المتحدثين بالإنجليزية في صنعاء وفي المدن اليمنية الأخرى. وهكذا، سلكت مسارا مختلفا عن المسار الذي يتبعه عديد الطلاب الأميركيين في القاهرة أو بيروت.
 
 
 
وبعد اجتياز اختبار التأهل لمواصلة بحث الدكتوراه في خريف 1993، اشتريت تذكرة سفر للذهاب إلى اليمن. غير أن الحرب الأهلية القصيرة، التي وقعت هناك في ربيع 1994، جعلت دخول البلاد في تلك الظروف ضربا من المستحيل، وبالتالي تأجل سفري إلى اليمن لعام آخر، أي حتى ربيع 1995. وحتى عندما وصلت إلى صنعاء، لم أكن واثقا من إمكانية إجراء بحث سياسي في البلاد نظرا لحساسية الأجواء المحيطة بحرب 1994. ذلك لأنني كنت أريد دراسة انتخابات إبريل/نيسان 1993، ومدى مساهمتها في إحياء نزعة الاصطفاف السياسي على أساس الشمال والجنوب في اليمن، الذي انتهى في نهاية المطاف إلى نزاع مُسلّح.
 
 
 
- مَن يقرأ أبحاثك حول اليمن -لا سيما كتاب المناطقية والثورة- يلاحظ أنك دائما تربط بين الاضطرابات الجارية في اليمن بالأحداث السابقة في التاريخ. وقد كتبت مرة تقول إن مَن يريد فهم اليمن فلينظر في الديناميات السياسية الداخلية والفوارق القائمة بين الناس في المجالات الاجتماعية والاقتصادية. فهلَّا أوضحت هذه النقطة أكثر؟ 
الدكتور ستيفن داي: أثناء إعداد بحثي للدكتوراه كنت مهتما بالنظر في الديناميات السياسية الداخلية في اليمن من خلال الفوارق القائمة بين الناس في مجالَيْ الاقتصاد والسلطة الاجتماعية. ويعود هذا التوجُّه بالأساس لتأثير مشرفي في جامعة جورجتاون آنذاك، الراحل حنّا بطوطو، الذي طبّق المنهجية نفسها في عمله البارز الذي أنجزه في السبعينيات حول العراق. في الحقيقة، الدكتور حنّا بطوطو كان عالما بارعا تعلمت منه الكثير من الدروس في حياتي الأكاديمية.
 
كتاب "المناطقية والثورة"
عندما وصلت إلى صنعاء عام 1995، سنحت لي الفرصة للحديث مع عديد من الشخصيات اليمنية، خاصة الزملاء العاملين في مركز الدراسات والبحوث اليمني تحت إدارة الدكتور عبد العزيز المقالح(2)، حول الأوضاع السياسية الداخلية في البلاد. في الواقع، كنت محظوظا بالتعرف المبكّر على شخصيات مهمة كانت تُدرك تبعات سياسات الدولة الداخلية على قضية الوحدة الوطنية في المستقبل. وقد شملت قائمة معارفي في تلك الفترة كلًّا من الدكتور عبده علي عثمان من مركز الدراسات والبحوث اليمني، والدكتور محمد المتوكل من جامعة صنعاء، والبروفسيور عثمان المخلافي من المعهد الوطني للعلوم الإدارية والدكتور أحمد البشاري، ومجموعة من الباحثين من جنوب اليمن، الذين كانوا يعملون مع منظمات أجنبية غير حكومية. وأُشير هنا أيضا إلى أن الدكتور أحمد البشاري، كان قد نشر بعد فترة قصيرة من وصولي إلى صنعاء كتابا يحمل عنوانه "مستقبل الحكم المحلي في الجمهورية اليمنية". وتبيّنت من اطلاعي على ذلك الكتاب أن الرئيس علي عبد الله صالح كان قد تعهّد، أثناء حرب 1994، بتطبيق نظام لا مركزي في الحكم يقضي بنقل السلطة إلى مجالس محلية منتخبة. من هنا، أدركت أن دراسة العلاقات القائمة بين السلطة المركزية والمحلية في البلاد قد تكون الطريقة المثلى لدراسة قضية الوحدة الوطنية.
 
 
 
على ضوء ذلك، قمت بتصميم استبانة شاملة بمساعدة الدكتور عبده علي عثمان والدكتور مخلافي، تُوزَّع على المحافظات اليمنية كافة مع خطاب تعريفي من الدكتور عبد العزيز المقالح، لتقديمي لكل محافظي الأقاليم في البلاد. هكذا بدأت رحلتي البحثية في عام 1996، وتنقلت خلالها في جميع أنحاء البلاد من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب لجمع المعلومات.
 
 
 
أول ما لفت انتباهي من خلال المقابلات التي أجريتها مع اليمنيين في المحافظات خارج صنعاء هو اختلافهم الثقافي والاجتماعي البيّن. يصدق هذا الأمر بصفة خاصة على الذين يعيشون على طول ساحل البحر الأحمر وتهامة وفي عدن والجنوب وفي المنطقة الوسطى الواقعة بين صنعاء وذمار وفي حضرموت في الشرق. وقد دفعني ذلك للاعتقاد أن الحدود القديمة القائمة بين الشمال والجنوب لا تعدو أن تكون حدودا سياسية سطحية مصطنعة تُخفي فوارق محلية عديدة أكثر أهمية.
 
 
 
والحال هذه، فقد كشف لي إجراء بحث ميداني على مستوى المحافظات في اليمن أن الواقع في اليمن كان أكثر تعقيدا مما صُوِّر في دراسات سابقة عن البلد. وبما أن معظم الدارسين الغربيين الذين عملوا في اليمن كانوا يرون أن الوحدة الوطنية باتت راسخة في التسعينيات في اليمن، فقد اعتبرت أطروحتي -التي تتحدث حول تعدُّد الانقسامات المناطقية- تحديا للتصورات السائدة في الدراسات اليمنية. الحق، لم تحظَ أطروحتي للدكتوراه قبولا واسعا في ذلك الوقت، بل إنني واجهت صعوبة بالغة في الحصول على شهادة الدكتوراه من الجامعة، بسبب رفض الشخصيات الرئيسية لنتائج بحثي. رغم ذلك، كنت واثقا من صحة الأدلة التي تدعم أطروحتي.
 
 
 
استندت الأطروحة إلى نظرية حول الهوية السياسية في الدولة الوطنية الحديثة طوّرها عالم اجتماع أميركي في الثمانينيات يُدعى بندكت أندرسن(3). وبحسب أندرسن، فإن مفاهيم الوحدة الوطنية هي بالأساس تصورات سياسية "متخيّلة"، وبالتالي، فالسياسات في الدولة الوطنية تتطوّر -بحسب هذه الرؤية- حينما تتصدّى جماعة جديدة من "أصحاب المشاريع السياسية" إلى كسب ثقة الجمهور أو الرأي العام حول قضية وطنية مشتركة. ومن ثم يتوقف قبول المواطنين بهذه الجماعة الوطنية "المتخيّلة" على قدر قيام الجماعة في تحقيق مصالحهم.
 
 
 
إضافة إلى ذلك، كنتُ قد اطّلعت قبلها على النظريات الأنثروبولوجية التي تعمل على تحديد وتفسير تشكُّل هويات الجماعات بحسب التنافس على الموارد. فكلما زادت الفوارق الاجتماعية والثقافية بين مَن هم "داخل المجموعة" مع مَن هم "خارج المجموعة"، زاد التنافس على الموارد. انطلاقا من دمج تفسير النظريات الأنثروبولوجية مع رؤية أندرسن حول القومية "المتخيّلة"، قلت إن نجاح اليمن في تحقيق جماعة جديدة "متخيّلة" كأمة واحدة مرهون بنجاح الرئيس علي عبد الله صالح وحزبه الحاكم في إدارة التنافس في البلاد من خلال ضمان توزيع عادل للموارد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وإذا لم يحصل ذلك، فسيكون من الصعب على البلاد تجنُّب مغبة التشرذم إلى مناطق عديدة على طرفَيْ مناطق الحدود القديمة.
 
 
 
وللتأكُّد من صحة فرضيات أطروحتي، قمتُ في الفترة 1996-1998 بالبحث عن المؤشرات الدّالة على الفوارق القائمة في الموارد السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ستة أقاليم يمنية. فوجدتُ أن كل الأدلة التي توصلت إليها تدعم خلاصة مفادها أن عناصر مؤثرة من المناطق الجبلية المحيطة بصنعاء تقوم باستغلال موارد الأقاليم الأخرى لمصالحها الخاصة، وبالنتيجة تزداد الفوارق في المكتسبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتتصاعد الهويات المناطقيّة التي تُفضي في نهاية المطاف إلى تقويض عرى الوحدة الوطنية "المتخيّلة" في اليمن.
 
 
 
بعد حصولي على الدكتوراه في 2001، عدتُ إلى اليمن في مناسبتين في 2002 و2005. وعندما لاحظت تصاعد دلائل بروز الهويات المناطقيّة وتضعضع الهوية الوطنية المشتركة، شعرتُ بضرورة مراجعة وتحديث أطروحتي ونشرها في كتاب، خصوصا بعد تصاعد تمرد الحوثيين وبروز حركة احتجاجات الحَراك الجنوبي في 2007. وقد تبلورت هذه المراجعة في كتابي "المناطقيّة والثورة في اليمن"، فدفعتُ به إلى دار نشر جامعة كامبريدج في أكتوبر/تشرين الأول 2010، أي قبل شهرين من اندلاع ثورات "الربيع العربي"، ثم طَلب مني الناشر إضافة خاتمة وفصل جديد يُغطي أحداث الربيع العربي التي جرت في مطلع 2011.
 
 
 
عند الحديث عن ثورة فبراير/شباط 2011 في اليمن يلجأ المحللون إلى ربطها مع حركة الاحتجاجات العربية التي باتت تُعرف بثورات الربيع العربي، إلا أنك في كتابك "المناطقيّة والثورة في اليمن" تميل إلى تمييزها عن باقي الثورات. لِمَ ذلك؟ 
الدكتور ستيفن داي: أجل، أنا أُميّز بين الثورة التي جرت في اليمن في 2011 وبين ثورات الدول الأخرى التي تُصَنَّف عادة تحت لافتة دول "الربيع العربي"، مثل تونس ومصر وليبيا والبحرين. محل الاختلاف هو أن ما حصل بتلك الدول في عام 2011 جاء مفاجئا تماما للناس، فلا أحد توقَّع قبل ديسمبر/كانون الأول 2010 أن حكومات هذه الدول ستنهار بتلك الصورة المفاجئة. في حين أن ما حدث في اليمن عام 2011 لا يمكن اعتباره مفاجئا تماما، فقد شهدت البلاد احتجاجا واسعا في عموم المحافظات الجنوبية منذ العام 2007، كما واجهت صراعا مسلحا في المناطق الشمالية منذ 2005.
 
 
ذكرت في كتابك أن ثورة 2011 وفّرت فرصة ذهبية لليمنيين لتجاوز الانقسامات، كيف ذلك؟ 
الدكتور ستيفن داي: صحيح، ذكرت ذلك في خاتمة كتاب "المناطقيّة والثورة"، وقلت إن ثورة 2011 أوجدت ظروفا مواتية لإنقاذ مشروع الوحدة الوطنية في اليمن، وذهبت إلى أن تحقيق ذلك يتوقف على قدرة البلاد على إعادة هيكلة السلطة حتى تتوقف الجماعات السياسية النافذة في المناطق الجبلية المحيطة بصنعاء عن استغلالها المفرط للموارد في الأقاليم الأخرى. وفي هذا الصدد، هناك مسألتان مهمتان يجب أخذهما في الاعتبار:
 
 
 
الأولى:
سعى مؤتمر الحوار الوطني الذي عُقد تحت رعاية الأمم المتحدة في اليمن إلى إعادة هيكلة سلطات الدولة وفقا لنظام الفيدرالية اللا مركزية -كما كنت أوصيت في كتابي- لكن مخرجاته لم تحظَ بقبول واسع في البلاد، وبالتالي لم تُنَفَّذ بالمرة.
الثانية:
كان هناك عقبتان تواجهان تنفيذ الدستور الفيدرالي الجديد تمثّلتا في جماعة الحَراك الجنوبي والتحالف النفعي لعلي عبد الله صالح مع الحوثيين من أجل الثأر من قيادة حزب الإصلاح.
 
 
الجدير بالذكر هنا أن مؤتمر الحوار الوطني كان قد منح حركتَيْ الحوثيين والحَراك الجنوبي "اعترافا خاصا"، تقرّر بموجبه تخصيص فريقين، من بين الفِرَق الإحدى عشرة العاملة في المؤتمر، لمعالجة تظلماتهم. ومع أنه لا توجد أي مجموعة سياسية أخرى في اليمن حظيت بمثل هذا الاعتراف، فإن حركتي الحوثي والحَراك الجنوبي كانتا من أشد معارضي تطبيق الدستور الفيدرالي الذي تمخّض عن توصيات مؤتمر الحوار الوطني.
 
 
 
وقد ذكرت في كتابي الصادر عام 2012 أن قيادات الحَراك الجنوبي خفّفت من نبرة مطالبها الرامية إلى تحقيق الاستقلال أثناء ثورة 2011، بغية التركيز على مهمة التخلص من نظام صالح. وأعتقد أن ذلك كان قرارا تكتيكيا من قيادة الحَراك لتفويت الفرصة على نظام صالح من القيام بتعبئة الرأي العام ضدهم في حالة الإعلان عن "انفصال جديد" في البلاد. في نهاية المطاف، فإن إصرار الحراكيين على قضية الاستقلال جعل مهمة إقناعهم بمخرجات الحوار الوطني ضربا من المستحيل. وحتى أكون مُنصفا، فإن موقف الحَراك الأوّلي في أواخر 2011 وحتى بداية 2012 كان يقف في حدود عملية "فض الارتباط"، في انتظار ما تُسفر عنه نتائج الاستفتاء الإقليمي حول استقلال الجنوب. وهذا ما لم يحصل بالطبع، حيث لم تكن الأمم المتحدة والكيانات الراعية للمرحلة الانتقالية في اليمن بعد 2011، أي رغبة في السماح بإجراء استفتاء حول استقلال الجنوب.
 
 
 
الشيء نفسه بالنسبة للحوثيين وصالح، فقد سعى هذا المحور أيضا إلى إعاقة مهمة تطبيق الدستور الفيدرالي الذي تمخّض عن توصيات مؤتمر الحوار الوطني. فعلى غرار قيادات الحراك، عارض هذا المحور فكرة تنفيذ الفيدرالية اللا مركزية في حكم البلاد، لكن لأسباب مختلفة. ففي حين سعى الحراكيون لتحقيق الاستقلال، فإن صالح كان يسعى إلى استرجاع السلطة المركزية في عموم البلاد لصالح الجيل الجديد في أسرته. أما الحوثيون، فقد سعوا بدورهم إلى تحقيق نوع من السيطرة على البلاد شبيهة بتلك التي حقّقها صالح خلال العقود الثلاثة من حكمه. وبصورة أوضح فقد سعت القيادات الحوثية إلى إحياء سلطة الإمامة الزيدية التي كانت قائمة في اليمن قبل الستينيات.
 
 
 
دعنا ننتقل لكتاب "الديناميات العالمية والإقليمية والمحلية في الأزمة اليمنية"، حيث يُستفاد مما ذكرته أنك قرّرت: "مع استمرار الأزمة اليمنية أن تكتب كتابا جديدا حول الديناميات الإقليمية المحيطة بالأزمة (بحيث) يتيح للمرء رؤية الحرب في اليمن بمقاربتين، ومن جوانب مختلفة". 
الدكتور ستيفن داي: في اعتقادي أن فهم ما يجري في اليمن يحتّم على المرء تبني منظورين في المقاربة: مقاربة تنطلق من رؤية الأمور من الداخل إلى الخارج، ومقاربة ثانية تبدأ بالنظر في الأمور من الخارج إلى الداخل. فمنذ بداية الاحتجاجات في عام 2011، كان هناك حضور لافت للعديد من الجهات الفاعلة في اليمن، وقد بدا واضحا أن مشاركة الجهات الأجنبية في اليمن كان أكثر مما كانت عليه في دول الربيع العربي الأخرى. حتى في كتابي السابق، لفتُ الانتباه إلى أن ممثلي الجهات الخارجية، مثل مجموعة أصدقاء اليمن ومنظمات الإغاثة المختلفة وسفراء مجموعة الدول العشرة، باتوا فعليا على الأرض قبل اندلاع الاحتجاجات. وبمجرد اندلاع الاحتجاجات، شرع "أصدقاء اليمن" في التدخل وقاموا بدور وساطة انتهت في نهاية الأمر بالتأثير على مخرجات الفترة الانتقالية، أعني أنهم وضعوا المعايير لما يجب أن تسير عليه أمور الثورة مثل منح الحصانة لعلي عبد الله صالح، بمعنى العفو عنه وعن الجرائم التي ارتكبها في الماضي والسماح له بالاحتفاظ بدور مهم في البلاد.
 
 
 
سوف نعود لمناقشة دور الأمم المتحدة ومجموعة دول الـ 10. هل لك أن تُحدِّثنا أكثر عن منهجية الكتاب وأهمية المقاربة المزدوجة في تناول الأزمة اليمنية؟ 
الدكتور ستيفن داي: كما بيّنتُ في مقدمة الكتاب، انبثقت فكرة مشروع هذا الكتاب من حوار لي مع سفير عربي كان يُقيم في صنعاء قبل فترة الحرب، التقيتُ به في خريف 2015. وحينما حدّثته عن كتابي السابق الصادر في 2012، تنبّه السفير للمعنى المزدوج الذي تحمله عبارة "Regionalism" في عنوان الكتاب: "المناطقيّة والثورة"، فقد اعتُمِدت عبارة "المناطقيّة" مقابلا لـ "Regionalism" كما يستخدمها اليمنيّون عند وصف القضايا المحلية المختلفة في البلاد. اقترح عليّ السفير تأليف كتاب آخر يدرس الديناميات الإقليمية (Regional) المحيطة بالأزمة اليمنية من منظور المنظمات الإقليمية، مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربي. على ضوء ذلك، بدأت في عام 2016 التخطيط لكتابة مسودة بحث تتبنّى مقاربة تنطلق من النظر إلى الأزمة من الخارج إلى الداخل، أي بالتركيز على دور مجلس التعاون الخليجي على الداخل اليمني. لكن مع استمرار الحرب في اليمن، أدركت أنه من الضروري توسيع نطاق المقاربة لخارج الجهات الإقليمية مثل دول مجلس التعاون الخليجي لتشمل اللاعبين الدوليين الرئيسيين على "المستوى العالمي"، كدور الولايات المتحدة والمملكة المتحدة باعتبارهما الدولتين الغربيتين الرئيسيتين اللتين شاركتا في حرب اليمن بالإضافة إلى الأمم المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
 
 
 
تنبع أهمية اعتماد المقاربتين لفهم الأزمة اليمنية -أي النظر من الداخل إلى الخارج ومن الخارج إلى الداخل- من تعقيد المشهد السياسي اليمني، وقد أشرت إلى هذه المسألة في مقدمة الكتاب حينما قلت إن تعقُّد المشهد السياسي في اليمن مسألة معروفة تاريخيا وسببها موقع البلاد الإستراتيجي القريب من باب المندب، الذي يعمل بمنزلة "بوابة الأمن الخارجي" للعبور إلى قناة السويس في مصر. فمنذ القرن التاسع عشر، كان هناك تنافس بين العثمانيين والبريطانيين لفرض نفوذهم على البلاد، وهو ما جعل اليمنيين ينتبهون لأهمية بلادهم الجيو-إستراتيجية، فتعلّموا أساليب يُوقِعون بها بين الجهات الفاعلة الخارجية لمنفعتهم الخاصة. على سبيل المثال، ذكرت في الكتاب عند الحديث عن العقود الثلاثة الطويلة لحكم صالح أن السياسيين اليمنيين عُرِفوا بمهارتهم البارعة في لعبة الإيقاع بين الجهات الخارجية لدرجة أنهم يعرضون خدمتهم للعمل مع قوى أجنبية متنافسة في وقت واحد، كما فعل صالح في أواخر أيام الحرب الباردة حينما حافظ على علاقات جيدة مع كلٍّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ومنح تسهيلات للقوات الجوية الأميركية والسوفيتية في صنعاء.
 
 
 
والحال هذه، فمن أجل تفسير أسباب إخفاق الانتقال السياسي في اليمن في الفترة 2011 إلى 2014، ثم انحدار البلاد سريعا في أتون حرب مدمرة في أوائل عام 2015، يجب على المرء دراسة التفاعلات المعقدة بين الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية والعالمية.
 
 
 
في مقدمة الكتاب، كان أفضل تشبيه وجدته لشرح التحليل المعقد الذي يستخدم مقاربات متعددة، داخلية وخارجية، هو فيلم المخرج الياباني أكير كوروساوا الموسوم بـ "راشومون" في خمسينيات القرن العشرين. كل مَن شاهد فيلم "راشامون" لكوروساوا سوف يفهم في الحال دلالة ومعنى مقاربة الكتاب التحليلية. ذلك أنّ الفيلم يحكي القصة مرّة بعد مرّة من المنظورات الفريدة لشخصيات مختلفة في الفيلم. ويحمل منظور كل شخصية رواية ذاتية للأحداث مع جزء من الحقيقة وعناصر من الزيف. لكن مُشاهِد الفيلم يكتسب فهما أفضل لما نسميه "الواقع/الحقيقة"، إذ يأخذ في حسبانه كيفية وصف جميع شخصيات الفيلم ما جرى في الواقع. بمعنى ما، فإن هذا الأمر ذاته ينطبق على كتابنا، فهو عبارة عن مجموعة محققة من الفصول كتبها مساهمون مختلفون، طُلب منهم أن يكتبوا من المنظور الخاص لمختلف الفاعلين، أجانب ومحللين منخرطين في أزمة اليمن. 
 
 
 
عند مراجعة الأدبيات المتصلة باليمن نلاحظ الاهتمام الكبير الذي تُوليه للفترة الانتقالية وبخاصة مداولات مؤتمر الحوار الوطني، التي يُشار إليها عادة كواحدة من أهم محطات المرحلة الانتقالية التي كان يمكن أن تساهم في صُنع إجماع يمني حول قضايا الحكم. فالسؤال هو: لماذا فشلت المرحلة الانتقالية، رغم كل هذا الاهتمام المحلي والدولي الذي حظيت به، وتحوَّل اليمن في النهاية إلى حرب ضروس؟ حدِّثنا عن المعوقات التي واجهت المرحلة الانتقالية وأدّت في نهاية المطاف إلى فشل تجربة الانتقال الديمقراطي في البلاد. 
الدكتور ستيفن داي: في اعتقادي أن المرحلة الانتقالية في اليمن واجهت جملة من المشكلات الجسيمة، وقد بدأت المشكلات -حسب تقديري- من عجز القائمين على أمر الدولة في إعادة هيكلة الأجهزة العسكرية والأمنية في البلاد بما يساعد على تعزيز الوحدة الوطنية، حيث ظلّت هناك الوحدات العسكرية ومجموعات المليشيا تعمل بصورة منفصلة ومتنافسة فيما بينها، كما تبيّن للناس بعد اندلاع الحرب في أواخر 2014. المشكلة الثانية تمثّلت في نقص الموارد المالية التي من شأنها التخفيف من أعباء المعيشة. وأزعم أن نقص الموارد كان سببا رئيسا وراء فشل الفترة الانتقالية، فهو أكثر عامل ساهم في تزايد سخط المجتمع وارتفاع البطالة وتراجع إمدادات المياه والكهرباء. كل المشكلات المزمنة في اليمن صارت أسوأ تقريبا في هذه المرحلة، ولذلك كان يُفترض أن تقوم الدول المانحة خلال تلك الفترة بتقديم مساعدات أكبر تساهم في تحقيق استقرار الاقتصاد.
 
 
 
لكن بعد اندلاع الحرب وتدهور الأوضاع في اليمن، سارع المانحون بما فيهم منظمات الأمم المتحدة إلى تدشين حملات واسعة تستهدف مساعدة اليمنيين. لماذا لم يفعلوا ذلك من قبل؟ لِمَ الانتظار إلى حين وقوع الكارثة؟ كيف تناولتم تعاطي المنظمات الدولية مع الأزمة اليمنية؟ 
الدكتور ستيفن داي: بالنسبة لهذه القضية فقد عالجتْها "هيلين لاكنر" ضمن فصل في الكتاب يتناول دور الأمم المتحدة في الأزمة اليمنية. وعلى الرغم من أنها ركّزتْ تحليلها على دور المؤسسات السياسية للأمم المتحدة، فإنها نوّهت في بداية الفصل إلى ضرورة النظر في المشكلات المتصلة بالمساعدات الإنسانية والاقتصادية في البلاد. بصورة خاصة أشارت إلى الأضرار التي لحقت باليمن -لا سيما في الفترة الانتقالية- بسبب فشل مجلس التعاون الخليجي و"مجموعة أصدقاء اليمن" في الوفاء بتعهّداتهم بتقديم مساعدات إلى اليمن في عام 2012، بقيمة 8 مليارات دولار. وبحسب رأي الكاتبة -وأنا اشاطرها هذا الرأي بالطبع- كان ينبغي للأمم المتحدة وسائر الجهات الدولية الفاعلة، لا سيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أن تعطي الأولوية القصوى لقضية المساعدات الإنسانية والاقتصادية في الفترة 2012-2014.
 
 
 
وقد تناولت بدوري هذه القضية في الفصل الذي ساهمتُ به في الكتاب حول دور الولايات المتحدة، وذكرت أن المسؤولين الأميركيين قد أخطؤوا في تكريس أولويتهم في اليمن لقضايا الأمن ومكافحة الإرهاب في الفترة 2012-2014. أثناء إعداد هذا الفصل أجريت مقابلات عديدة وتحدّثت مع سفراء أميركيين عملوا في اليمن منذ أواخر التسعينيات وحتى الوقت الحاضر. وقد شكا معظمهم من تبدل سياسات المساعدات الأميركية تجاه اليمن، ففي حين كان التركيز في التسعينيات على المساعدات الاقتصادية بنسبة 80% والمساعدات العسكرية والأمنية بنسبة 20%، فإن هذه المعادلة انعكست بنهاية ذلك العقد، حيث أصبحت الولايات تمنح مساعدات بنسبة 80% للجانب العسكري وأقل من 20% للمساعدات الاقتصادية. استمر هذا الوضع على ما هو عليه حتى بداية الفترة الانتقالية في اليمن في أواخر 2011. الأميركيون المطلعون على الأوضاع في اليمن، ممّن يعرفون الاحتياجات المادية الحقيقية للبلاد، ظلّوا يدعون على الدوام إلى ضرورة تغيير هذه المعادلة، فحاولوا إقناع المسؤولين في إدارة أوباما بتقديم المزيد من المساعدات الاقتصادية والإنسانية، إلا أن المسؤولين الذين يعملون في الأمن القومي في البيت الأبيض لم يأبهوا بهذه التوسلات.
 
 
 
حسنا، لِنَعُد إلى مناقشة المعوقات الأخرى. 
الدكتور ستيفن داي: في تقديري، هناك عائق ثالث واجه الفترة الانتقالية وتَمثّل في التحديات التي أحاطت بقضية الوحدة الوطنية داخل اليمن. منذ بداية الوحدة في عام 1990، كانت هناك خلافات وصراعات بين اليمنيين حول هذا المشروع الوطني. وقد لاحظت من خلال البحث الذي أجريته في أواخر التسعينيات أن جراح الحرب الأهلية لعام 1994 لم تلتئم منها النفوس أبدا. الحكومة في صنعاء بدلا من أن تحاول معالجة تلك الجراح بصورة حقيقية عملت على تأزميها. ونتيجة لذلك، فقدت شرائح من السكان في أجزاء مختلفة من البلاد إحساسها بالهوية اليمنية المشتركة وبدؤوا في تبني هويات محلية ومناطقيّة قوية. وكما تعلم، بروز الهويات بتلك الصورة كان موضوعا رئيسيا في كتابي الصادر في عام 2012. في ذلك الكتاب، توصّلت إلى استنتاج عام مفاده أن مصالح اليمنيين المشتركة في جميع مناطق البلاد سَتُتيح للذين يسعون إلى الإطاحة بعلي عبد الله صالح من السلطة الفرصة لإصلاح الوحدة اليمنية على أساس جديد. وعلى الرغم من إدراكِ تعاظم نبرة الهويات المحلية والمناطقيّة داخل البلاد، فقد كان يحدوني بعض الأمل أن اليمنيين سيقدرون على المحافظة على الوحدة اليمنية. لاحقا، عندما ذهبت إلى اليمن في صيف 2013 للتحدث حول خيار تبني النظام الفيدرالي في مؤتمر عُقِد على هامش مؤتمر الحوار الوطني، أُتيحت لي الفرصة لمشاهدة إحدى جلسات مؤتمر الحوار وتحدّثت مع مندوبين يُمثِّلون توجُّهات مختلفة وشعرت بدرجة ما من التفاؤل بأن اليمنيين سيتمكّنون من إيجاد طريقة للتغلب على انقساماتهم.
 
 
 
المشكلة الجنوبية معروفة بالطبع، وهناك شبه إجماع بين اليمنيين لمعالجة جذور المشكلة. مع ذلك، لاحظنا أن هناك مناطق في الجنوب مثل حضرموت والمهرة لا تزال تُشدِّد على هويتها اليمنية. كيف ترى هذه المسألة؟  
الدكتور ستيفن داي: هذا صحيح، بالطبع هناك تركيز كبير على الخلاف القديم بين الشمال والجنوب في اليمن، لكن واقع الأمر في اليمن -كما ذكرت من قبل- أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، فهناك هويات مناطقيّة متعددة لسكان البلاد، تتجاوز التصنيفات القائمة على أساس الشمال والجنوب. وفي رأيي، لم يكن هناك أي معنى أو مبرر لوجود حدود فاصلة بين الشمال والجنوب في اليمن، فهي بالأساس حدود رُسِمت من قِبل القوى الإمبريالية الأجنبية في أواخر القرن التاسع عشر. ولذلك تجدني أتفق مع أولئك النفر في اليمن ممّن يعتقدون أن سياسات الحرب الباردة في الستينيات، التي شهدها اليمن بعد اندلاع "الثورتين"، هي التي أضفت صبغة سياسية مصطنعة على الحدود بين الشمال والجنوب. وبسبب اختلاف توجُّه الثورتين في أواخر الستينيات اتخذت الحكومتان في الشمال والجنوب مسارين مختلفين.
 
 
مع ذلك، سنحت فرصة مبكرة لليمنيين لتوحيد شطرَيْ البلاد خلال حقبة إبراهيم الحمدي وسالم ربيع علي في منتصف السبعينيات، لكن هذه الفرصة ضاعت للأسف عندما قُتِل الرجلان لأسباب سياسية. بعد ذلك، فاقمت حِدّة التنافس الأيديولوجي في ظل الحرب الباردة فرصة حل مشكلة الانقسام بين الشمال والجنوب في اليمن. وقد أخطأ السياسيون من الجانبين بالتركيز الشديد على الأيديولوجية السياسية عند حل الخلافات. وللأسف استمر هذا النهج حتى بعد تحقيق الوحدة في عام 1990، حيث واصل السياسيون الشماليون في استخدام خطاب الحرب الباردة الأيديولوجي نفسه ضد المنافسين في الجنوب، وهو ما ساعد -في نهاية المطاف- في إطالة أمد الانقسام المصطنع بين الشمال والجنوب.
 
 
إن الواقع في اليمن -كما أشرت في خاتمة كتابي لعام 2012- هو أن التقسيم على أساس الشمال والجنوب يُخفي انقسامات عديدة بين السكان. ومع أن هذا الوضع لا يزال صحيحا حتى اليوم على جانبَيْ الحدود القديمة بين الشمال والجنوب، فإن الكثير من المراقبين من خارج اليمن فشلوا في إدراك أن اليمن أكثر تعقيدا من مجرد الانقسام بين الشمال والجنوب. في كتابنا الأخير، عندما كتبت فصلا في الجزء الثالث من الكتاب المتعلق بقادة الحراك والمجلس الانتقالي الجنوبي، لاحظت أن الحراك والمجلس الانتقالي الجنوبي لا يزالان يُعانيان من مشكلة الانقسامات الداخلية بين الجنوبيين. وقد خلصت من ذلك إلى وصف ما يجري بينهم بكونه حربا داخلية تجري داخل الحرب القائمة في الجزء الجنوبي القديم من البلاد.
 
 
 
حسنا، لِنَعُد إلى المرحلة الانتقالية. ماذا كان موقف الحوثيين من مؤتمر الحوار الوطني؟ 
الدكتور ستيفن داي: القيادة الحوثية كانت تُعارض بشدة تطبيق الأقاليم الفيدرالية الستة، وخاصة مسودة الدستور التي أوصى بها مؤتمر الحوار الوطني والتي انتُهي منها في أواخر 2014. للحق، لم يكن موقفهم هذا واضحا عندما زرت اليمن في عام 2013، بل ولم يُفصحوا عن موقفهم هذا صراحة أثناء مداولات مؤتمر الحوار الوطني. ذلك لأن ممثلي الحوثيين في مؤتمر الحوار لم يكونوا صادقين إنما كانوا يحاولون أن يظهروا على أنهم دبلوماسيون وأنهم حزب يسعى للمصالحة. ولكنهم حينما استولوا على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 صار واضحا أنهم غير راضين عن مخرجات الحوار الوطني. وفي نهاية الأمر، أعلن الحوثيون صراحة أنهم لن يقبلوا لا بالدستور ولا بنظام الأقاليم الستة، وبدؤوا الضغط على الرئيس هادي ومن ثم وضعه تحت الإقامة الجبرية وإجباره في الأخير على الاستقالة. وقد بات واضحا الآن أنهم كانوا يستخدمون قضية الأقاليم الستة كذريعة للاستيلاء على السلطة، متظاهرين بأن مسودة الدستور التي أوصى بها مؤتمر الحوار الوطني كانت السبب الرئيسي الذي جعلهم يشعرون أنهم مضطرون إلى تولّي السلطة في صنعاء. كما هو معروف على نطاق واسع، فقد قام الحوثيون بهذه الخطوة بالتنسيق مع الرئيس السابق صالح الذي كان لديه هو الآخر دافعه الخاص للعودة إلى السلطة في البلاد.
 
___________________________________________
 
هوامش
في مراجعة كتاب حنّا بطوطو، "فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم"، أورد المركز العربي للأبحاث والسياسات التعريف التالي لحنا بطاطو: "حنا بطاطو (1926–2000)، كاتب ومؤرخ فلسطيني، هاجر منذ 1948 إلى الولايات المتحدة، يحمل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد 1960 عن أطروحته الشيخ والفلاح العراقي 1917–1958. عمل في التدريس في الجامعة الأميركية في بيروت في الفترة 1962-1982 وفي جامعة جورجتاون في الولايات المتحدة 1982-1994. من أهم مؤلفاته الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية الحديثة في العراق، الذي نشر عام 1978، ويعد مرجعا أساسيا في تاريخ العراق؛ وهو مؤسَّس على منهجية بطاطو التي تعتمد التحليل الاجتماعي السياسي". للمزيد يراجع الرابط.
عبد العزيز المقالح (1937-) شاعر وناقد وأكاديمي يمني بارز، عمل رئيسا لجامعة صنعاء من 1982-2001، ورئيسا لمركز الدراسات والبحوث اليمني ومستشارا ثقافيا لرئيس الجمهورية في اليمن.
بندكت أندرسن (1936 -2015)، أكاديمي أميركي ـ بريطاني، تخصص في دراسات جنوب شرق آسيا وارتبط اسمه بكتابه الشهير "الجماعات المتخيلة: تأملات في أصول القومية وانتشارها". للمزيد راجع الرابط.
https://cutt.ly/buFYEA1
 




قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة