في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا     حسابات التحالف في معركة مأرب     الإعلان عن تشكيل مجلس تربوي بمأرب يضم عددا من مدراء مكاتب التربية بالجمهورية     أبوظبي في اليمن.. الإعلام والمساعدات للتغطية على الجرائم والأطماع     اختطافات بصنعاء تطال 30 ناشطا من المتضامنين مع عبدالله الأغبري     إصلاح تعز يحي الذكرى 30 لتأسيس الحزب     حزب الإصلاح اليمني يحتفل بالذكرى الثلاثين للتأسيس (نص البيان)     تسجيلات المتهمين بقتل الأغبري يؤكد أن الحوثيين ينوون التلاعب وتمييع القضية    

الخميس, 04 يونيو, 2020 09:50:00 صباحاً

اليمني الجديد - عبدالواحد عبدالله شافعي

 
ينظر كثير من الناس إلى المذاهب الفقهية كمذاهب دينية فقط تعنى بتنظيم سلوك الأفراد والجماعات، ويرون مهمة الفقهاء منحصرة في معرفة الأحكام الشرعية، ولكن المتأمل في المذاهب الفقهية وتطورها وانتشارها فلن تخطئ عينه أن لها أبعادا سياسية واجتماعية أخرى تجعلها في كثير من الأحيان جزء من الهوية الثقافية في بعض البلدان. فعلي سبيل المثال: نرى المذهب المالكي انتشر انتشارا واسعا في المغرب العربي حتى صار ركيزة أساسية متجذرة في الهوية الثقافية لبلدانها، بل تحول إلى جزء مهم من الهوية الوطنية لبلدان المغرب العربي، فلا ينفصل عن الهويات الوطنية الأخرى التي تشارك فيها الأمم وتشعرها بالوحدة والانتماء المشترك، مثل الدين واللغة والتاريخ والثقافة وعير ذلك من روابط الانتماء ووشائج القربى والتواصل. وكل ذلك لما لهذا المذاهب من تأثير في حياتهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في مراحل مختلفة من تاريخهم المديد، وما يمثله من كنز مهم من تراث هذه الأمة لابد من حفظه وصيانته.
فلما انتشر المد الوهابي في العالم الإسلامي منذ النصف الثاني من القرن الماضي ثبت المذهب المالكي في بلدان المغرب العربي لموجات أعاصير التيار السلفي الوهابي الذي كان يتكون من شقين: الشق العقدي في صيغته السلفية الوهابية، والشق الفقهي في صيغته الحنبلية، إلا أن هذا الشق الأخير كان متسترا في الشق الأول، والحنبلية لم تكن ظاهرة للعيان ولكنها كانت محمولة تحت عباءة العقيدة السلفية التي كانت بمثابة فتح للقلوب كما يراها أصحابها وتمهيد للأرضية المناسبة لبذر البذور الحنبلية.
 تصدى علماء بلدان المغرب لهذه الموجة لما لهذه البلدان من مراكز إسلامية عريقة مثل القرويين في المغرب والزيتونة في تونس، واستطاعوا أن يحتفظوا بمذاهبهم التقليدية، ولم يجد المد السلفي الوهابي هناك تربة خصبة للتمدد والانتشار السريع، وكذلك لم يجد فرصة سانحة لتهميش المذهب الفقهي التقليدي أو أن يحل محله بسهولة؛ لأن المذهب المالكي في تلك البلدان كما أسلفنا القول: له جذور راسخة في تاريخ القوم حتى أصبح جزء من هويتهم الوطنية وكنز من كنوزهم الحضارية والثقافية.
 
ما ذا حدث في الصومال؟
 
كان المذهب الشافعي هو المذهب السائد في الصومال كما كان المذهب المالكي منتشرا في بلدان المغرب العربي. ولما طرق المد الوهابي أبواب الصومال منذ نهاية الستينات من القرن المنصرم لم يجد مقاومة تذكر من العلماء التقليديين، فلم تكن هناك مراكز اسلامية عريقة كتلك التي كانت في المغرب العربي. وقد أبدى بعض العلماء التقليديين بعض المقاومة ولكنها لم تكن مقاومة منظمة على قدر التحدي الذي كانوا يواجهونه من المد الوهابي الذي كان بيده المال مع حماس الجماعات السلفية لنشر أفكارهم الجديدة في المجتمع. العقبة الحقيقية الوحيدة التي كانت تواجه التمدد السلفي في الصومال كانت الحكومة العسكرية التي كانت تراهم خطرا سياسيا حقيقيا فتحالفت الحكومة مع العلماء التقليديين لمواجهة خطر مشترك وأن كان الخطر الذي يستشعره كل منهم مختلفا كل الاختلاف، بحيث أن العلماء التقليديين كانوا يخشون من التهديد الذي تشكله تلك الجماعات لمراكزهم التقليدية الدينية، في حين أن الحكومة العسكرية كانت تتوجس من الأطماع السياسية للتيارات الإسلامية بشكل عام. ولما انهارت الحكومة العسكرية في عام ١٩٩١ خلا الجو للجماعات السلفية فانتشرت انتشارا سريعا وأنشأت المدارس والمعاهد ونشرت أفكارها وتمددت تمددا مذهلا في جميع مناطق البلاد.
ومما يلفت النظر أن كثيرا من لعلماء التقليديين رفعوا راية الاستسلام بعد أن انكشف ظهرهم بسقوط الحكومة، وانضم بعضهم إلى الجماعات الإسلامية طوعا أو خضوعا للإغراءات التي كانت تستعملها تلك الجماعات لاستمالة خصومهم، واختار بعضهم الأخر العزلة حتى يفتح الله لهم فرجًا أخر أو يقصى الله أمراً كان مفعولا. وقد استغلت التيارات السلفية من هذا الفراغ السياسي والديني في البلاد فقاموا بتهميش المذاهب التقليدية في البلاد في الفروع متمثلا في المذهب الشافعي وفي الأصول متمثلا في المذهب الأشعري فبذرت بدورها فنمت وازدهرت فحلّ كتاب صفة صلاة النبي محل سفينة الصلاة وكتاب التوحيد محل جوهرة التوحيد وابن كثير محل الجلالين، وباختصار حلّ الإمام ابن حَنْبَل محل الإمام الشافعي وابن عبدالوهاب أو ابن تيمية محل الأشعري.
 
إن العلماء التقليديين الكبار في كثير من بلدان العالم الاسلامي كما راينا في المغرب العربي وكذلك في الشام وفي تركيا وفي اسيا وقفوا سدا منيعا ضد محاولات المد الوهابي لتغيير منظوماتها الفقهية والعقدية. وقد كان مما يوسف له أن علماء تقليديين صوماليين كبار انضموا إلى التيارات السلفية وشاركوا في اقتلاع جذور المذاهب التقليدية التي نشأوا عليها وتعلموا في مدارسها ومناهجها فكانوا كمن يبحث عن حتفه بظلفه، وقد ذهب بعضهم إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة علماء كبارا شيوخا يتقنون فنون العلم ورجعوا بعد أربع سنوات واقفين على الطرف النقيض لنسف منظومتهم الفقهية والعقدية ليضعوا محلها منظومة فقهية وعقدية أخرى مما أدى في النهاية إلى فوضى علمية عارمة، فليس من السهل اجتثاث شجرة أصلها ثابت في التاريخ ووضع مكانها شجرة غريبة مستورة لا قرار لها ولا جذور.
 
لقد كان لكثير من العلماء التقليديين الصوماليين دور في ضياع كنوز الأمة الثقافية والفقهية والعقدية، وكان ينتظر منهم أن يقوموا بحفظه كما قام بذلك غيرهم من العلماء في كثير من بلدان العالم الاسلامي. لم يكن تأثير ذلك محصورا في مظاهر الفوضى العلمية التي نراها فحسب وإنما تجاوز ذلك إلى تعميق الانشقاقات والخلافات المذهبية والحركية مما زاد من حالات التدابر والانقسامات في البلاد. وقد سمعنا في الآونة الأخيرة دعوات من بعض التيارات السلفية خاصة جناحها الإعتصامي الوارث لتركة الجماعات السلفية في الصومال للعودة إلى الجذور وإحياء المذهب الشافعي تعلما وتعليما وتأصيلاً. ولا ندري هل هذه الدعوات يقظة حقيقية واعتراف بالخطأ جاء بعد دراسة ما آلت اليه الأمور من الفوضى العلمية والانقسام المذهبي والانشقاقات الحركية أم مجرد تكتيك أخر لإحياء المذهب الشافعي بعد أن تأكدوا من موت الجماعات التقليدية التي كانت تدعى ملكيته؟
 
وقد لا يكون الأمر بعيدا عن التغيرات السياسية التي تدور في معقل السلفيين في السعودية ودخول العلاقة والتحالف التاريخي بين آل السعود وآل الشيخ (السلفية) في منعطف خطير يؤذن بتحولات جذرية ستكون لها أثارها الخطيرة على التيارات السلفية في العالم. وربما يكون التوجه السلفي الأخير للعودة إلى الجذور استباقا لنتائج تلك التحولات التي تراها أنه لن ينتهى لصالح مصالحها، فبذلك تكون قد أعدّت لها أرضية مناسبة لاستمرارها ووجودها بغض النظر عما يتولد عن هذا المخاض من آلام وآمال. ومهما يكن من أمر، فان هذه العودة إلى الجذور - لا شك - تحول كبير في تطور الجماعات السلفية الصومالية، وقد يكون أيضا إيذانا لرغبة حقيقية في صوملة السلفية التي كانت في السابق نبتة مستوردة غرست في أرض غير أرضها، ولكن السلفيين يريدون الآن صوملتها وذلك في مزجها بعناصر محلية مأخوذة من التربة الصومالية مما يعطيها فرصة أكبر للنمو الصحيح والتجذر الراسخ وغرس شجرة محلية أصولها ممتدة إلى الروابط التاريخية للأمة. تلك محاولة ذكية ولكنها محفوفة بالمخاطر. فاذا نجح السلفيون في الاحتفاظ بعقيدتهم السلفية الوهابية وفي الوقت نفسه نجحوا في العودة إلى جذورهم الفقهية فان ذلك يفتح لهم مجالا أوسع للتأثير والبقاء وينبئ عن نضوج فكري وفقهي ستكون له اثار إيجابية في مستقبلهم على المدى البعيد.
 




قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة