امتلاء السائلة بصنعاء القديمة بالسيول     تعز التي لم تنسى قناصات طارق عفاش     بعد انفجار بيروت.. تحقيقات يمنية حول وجود شحنة نترات أمونيوم بميناء عدن     خرافة "الولاية" التي تدر سمنا ولبنا     المحلوي رائد الحركة الوطنية اليمنية     خرافة "الولاية" التي تدر سمنا ولبنا     الحرب على الإصلاح.. حين نستهدف أنفسنا بسلاح عدونا     خرافة الولاية.. العنصريون في مهمة التكفير وغرس الكراهية بين اليمنيين وسرقة أموالهم     فوز أول شاب يمني يحمل الجنسية اليمنية بانتخابات الكونجرس الأمريكي     تفجير بيروت..120 قتيل و5000 جريح وخسائر بالمليارات ودمار مهول     بالوثائق.. خلافات بين الرويشان ومحمد الحوثي حول ترقيات عسكرية لأشخاص من خارج السلك العسكري     تسريب جديد وخطير للغاية لوثائق سعودية سرية حول اليمن تتناول أدق فترة حساسة     الدكتور العودي يستقرأ تحولات المشهد السياسي اليمني ومألات الصراع وفرص الحل (1-3)     دول الخليج في مهب الريح إذا أطيح بترامب في الانتخابات الأمريكية القادمة     قيادي بحزب الإصلاح بعدن يرحب بالنتائج الأولية لتنفيذ اتفاق الرياض    

الخميس, 14 مايو, 2020 11:01:00 مساءً

اليمني الجديد - سامي نعمان

 
كتبت البارحة مقالة سريعة في معنى الآل في الدعاء المعروف "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد"، وكان الباعث الذي أداني إلى ذلك التناول ما لاحظته من نقاش ذائع ومستفيض، بعضه عقيم حول هذا الموضوع، الذي وقفت وراءه، بكل تأكيد، خلفيات مذهبية واضحة. وكنت ذكرت في نهاية المقال بطريقة سريعة أن تفسير آل محمد بذريته الذين من نسله هو الأصح لدى بعض من قرأت لهم، ويرغب هذا البعض بإخراج علي رضي الله عنه من آل محمد بزعم أنه ليس من ذريته فهو مسلم من جملة المسلمين كما قال، ومن ثم فلا حجة لهؤلاء الذين يزعمون أنهم من آل محمد في زعمهم هذا؛ لأنهم جاؤوا من نسل علي، وعلي ليس من ذريته.


وهذا هو مركز الثقل في مناقشة هؤلاء لهذه الفكرة. وهو تفسير غريب، وتحكم في معنى بداعي الرغبة والهوى، أو تحت تأثير ثقافة معينة، تنتصر للأهواء والرغبات ولا تحتكم للموضوعية والقواعد العلمية الصارمة. لقد اتضح من خلال المعاني التي أشرنا إليها قبلًا أن الآل أوسع في مدلوله من أن يطلق على ذرية الرجل الذين من صلبه فقط، فالآل يطلق على الأهل وعلى العشيرة (القبيلة) وعلى الأتباع عمومًا، أو على كل من له سلطة على آخرين كآل فرعون أي حاشيته وأتباعه وجيشه وجواريه، وبهذه المعاني ورد في القرآن الكريم غالبًا. وألمعت إلى التطور الدلالي الذي يتخذ مظاهر عدة، أبرزها المجاز وأنه يصير حقيقة بكثرة الاستعمال، أو توسيع الدلالة أو تضييقها، وفي اللغة العربية أمثلة لا حصر لها، بل نكاد نجزم أن أكثر ما نستعمله اليوم من مفردات اللغة وألفاظها وأساليبها مجاز أو حدث لها تطور على نحو ما، ذلك أن المعاني تنشأ، أول ما تنشأ، بسيطة ومباشرة، ثم تتوسع وتتطور في الدلالة والاستعمال بتطور الحياة، وكلما تطورت الحياة وتشابكت مفرداتها تطورت معها اللغة وتغير الاستعمال، وليس مصادفة أن نجد في المعجم عبارات من نحو: وأصل كذا هو كذا، وهذا يعطينا ملمحًا مهمًّا في أن اللغة لا تستقر على وضعها الأول، بل تتطور عبر الأجيال في رحلة لا يعلم مداها إلا الله وحده، بل قد يكون ثمة لفظتان من مادة واحدة تنشآن من أول الوضع على معنى واحد (قد يكون هذا بسبب تعدد اللهجات في البيئة العربية) ثم إنه لا يلبث الناس أن يضعوا فروقًا دقيقة بين اللفظتين بفعل تطور الذهنيات ونضجها والحياة وتشابكها وتماهي المجتمعات في بعضها واختلاف الثقافات. ومن ذلك لفظ مخطئ وخاطئ، فلئن استعملتا بمعنى واحد في البداية فإن الأول صار يعني الخطأ غير المقصود وصار الثاني يستعمل في ارتكاب الذنب عمدًا فيما مراحل لاحقة. فالخطء (بكسر الخاء وسكون الطاء) مصدر خطىء بوزن فرح، إذا أصاب إثما، ولا يكون الإثم إلا عن عمد، قال تعالى: إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين وقال: ناصية كاذبة خاطئة؛ وأما الخطأ (بفتح الخاء والطاء) فهو ضد العمد. وفعله: أخطأ. واسم الفاعل مخطئ، قال تعالى: "وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم".
وأيًّا يكن، فليس أحد عنده مسكة من عقل وخبرة كافية باللغة ينكر هذا الشأن في اللغة، أو في الكلام المستعمل إن أردنا الدقة؛ لأن اللغة معناها أوسع من الكلام، إنها الملكة أو القدرة على التخاطب التي هي عند الإنسان حصرًا، وهي قدرة بيولوجية في الإنسان فقط، ثم هي نظام أو نسق من العلامات أو الرموز أو هي قواعد ذهنية مجردة في النظرة الأحدث لها. 
ولعلي أثقلت على القارئ بهذا الإلماعة، ولكني أراها ضرورية للوقوف على حقائق الأشياء وأغوارها، لأن الكلام في اللغة وشؤونها ليس بالأمر الهين ولا اليسير، وليست اللغة مقتصرة على أن نعرف علامات الإعراب أو حتى وظائف النحو، ولا أن نعرف معرفة مدرسية الحقيقة والمجاز، هذه قشور خارجية، اللغة هي الفكر وهي الثقافة وهي الخلفيات المعرفية والفروض المسبقة، وهي السياق والمقام، وهي الذهن والدماغ، وهي القدرة أو الكفاية بتعبير تشومسكي وهي كل شيء.

 
وعندما كان يتنزل القرآن على ذلك المجتمع البشري في تلك البيئة من العالم، كان يخاطبهم بتلك اللغة التي لديهم القدرة في التخاطب بها وفهمها، فهم يستعملونها ويتداولون بها، بل وهي مادة التحدي في طرق التعبير عن المعاني المختلفة بوساطتها، وكان هؤلاء يدركون أن كلمة مثل (آل) تعني الأهل والعشيرة والذرية والأتباع، وبهذه المعاني وردت في القرآن، كما أن هذه الكلمة لها معان أخرى يحكمها السياق وطرق الاستعمال. وعندما نقول "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" كل تلك المعاني التي ألمعنا إليها صائبة إلا أن الثقافة والفروض المسبقة والخلفيات المعرفية تجعلنا أو تجعل الذهن يستبعد البعض من الدخول في آله في هذا الدعاء تخصيصًا، وإن كانوا من آله لغة أو في النظرة إلى وضع الكلام المجرد من كل تلك الخلفيات، ومن ثم نحن نصلي عليه وعلى آله من أهله وعشيرته المؤمنين به وأتباعه في الدين، فأين الإشكال في ذلك؟!
 
على أن الكفوي يفصل في هذه الناحية بكلام جِماعُه أن آل محمد في النسب هم أهل بيته، وفي الدين هم المؤمنون به، مع بعض من الإيضاح، ونحن هنا سننقل جزءًا من كلامه بما يدعم الفكرة التي ألمعنا إليها في ثنايا هذا المقال. يقول الكفوي: الآل: هو جمع في المعنى فرد في اللفظ يُطلق بالاشتراك اللفظي على ثلاثة معان: أَحدها: الجند والأتباع نحو (آل فرعون) والثاني: النفس نحو (آل مُوسَى) و (آل هرون) و (آل نوح). والثالث: أهل البيت خَاصَّة نحو: (آل مُحَمَّد) وَرُوِيَ أَن الْحسن كَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ صل على آل مُحَمَّد، أَي على شخصه. قال البيضاوي: أي شخصه واستغني بذكره عن ذكر أتباعه. قال الكفوي: وَآل إِبْرَاهِيم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما، وَقد دخل فيهم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَآل عمرَان: مُوسَى وَهَارُون ابْنا عمرَان بن يصهر ابْن يافث بن لاوي بن يَعْقُوب أَو عِيسَى وَأمه مَرْيَم بنت عمرَان إِلَى سُلَيْمَان بن دَاوُد إِلَى يهودا ابْن يعقوب واصل آل: أهل، كَمَا اقتصر عَلَيْهِ صَاحب "الْكَشَّاف" أَو من (آل يؤول) إِذا رَجَعَ إِلَيْهِ بِقرَابَة أَو رَأْي أَو نَحْوهمَا كَمَا هُوَ رَأْي الْكسَائي، وَرجحه بعض الْمُتَأَخِّرين وعَلى كل من التقديرين قد دلّت الْأَحاديث على أَن آل مُحَمَّد مَخْصُوص بمستحقي خمس الْخمس الَّذين حرمت عَلَيْهِم الصَّدَقَة، وهم بَنو هَاشم فَقَط، هَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَأهل بَيت النَّبِي: فَاطِمَة، وَعلي، وَالْحسن وَالْحُسَيْن رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لف عَلَيْهِ كسَاء وَقَالَ: هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي والمتبادر إِلَى الذِّهْن عِنْد الْإِطْلَاق هم مَعَ أَزوَاجه وَقد نظمت فِيهِ:
حَقًا بَنو هَاشم آل الرَّسُول فَقَط 
 عِنْد الإِمَام فَكُن فِي أَمرهم عسا
أما عَليّ وابناه وَفَاطِمَة 
 من أهل بَيت عَلَيْهِم كَانَ لف كسا
لَا منع من دَاخل فِي حق خَارِجَة 
 وَالنَّص لَا يَقْتَضِي أَن لَيْسَ مِنْهُ نسا
والآل عرفًا: هم المُؤمنون من هذه الأمة، أَو الفقهاء العاملون منهم ، فلا يقال (الآل) على المقلدين كما في "المفردات" وَآل النَّبِي من جِهَة النّسَب: أَوْلَاد عَليّ وَعقيل وجعفر والعباس، وَمن جِهَة الدّين: كل مُؤمن تَقِيّ، كذا أجَاب رَسُول الله حين سئل عَن الآل... وبين الآل والصحب عموم وخصوص من وجه، فَمن اجْتمع بالنبي من أقاربه المؤمنين فهو من الآل والصحب، ومن لم يجتمع بِهِ منهم فهو من الآل فقط، وَمن اجتمع بِهِ من غير القرابة بشرط كونه مؤمنا به فهو من الصحب فَقَط قال بعضهم: إِضافة الآل إلى الضمير قليلة أو غير جائزة، وَالصَّحِيح جَوَاز ذَلِك وَلَا يسْتَعْمل مفردا غير مُضاف إِلَّا نادرا، وَيختص بالأشراف دنيويا كان أو أخرويا من العقلاء الذكور، فلا يقال: (آل الإسكاف) وَلَا (آل فاطمة) وَلَا (آل مكة)، وَعَن الأخفش أَنهم قالوا: (آل المدينة) و(آل البصرة).
 
 وجماع هذا القول الذي نقلناه من الكليات للكفوي، وألمعنا إلى رأي البيضاوي في أحد معاني الآل، أن الآل يطلق على ثلاثة معان، هي الجند والأتباع، والنفس، وأهل البيت خاصة، وأنه مشتق من آل يؤول إذا رجع بقرابة أو رأي، ويفهم من كلامه أن معنى الآل يطلق على أهل البيت خاصة في وضع اللغة الأول، ويطلق على الأتباع عرفا، وقد يكون هذا صحيحًا غير أن الاستعمالين صحيحان معجميًّا، أي إن المعنى الثاني معنى معجمي صحيح، وأقدم المعاجم اللغوية كالصحاح للجوهري أشارت إلى هذا المعنى أيضًا. فإن لم تكن اللغة (الكلام) استعمالًا، فما تكون إذن؟! كما أن بين الآل والصحب عمومًا وخصوصًا من وجه. غير أن الصحب، فيما أرى يدخلون أيضًا في الآل من جهة الأتباع، فإن دخل المؤمنون بمحمد ممن لم يروه في الآل فمن الأجدر دخول الصحابة ضمن هذا المعنى.
 
وإذن عندما يقول المسلم "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" فإنه يصلي على آل بيته وعشيرته ممن آمن بدعوته، ويخرج بحسب ثقافتنا، وخلفياتنا المعرفية، وافتراضاتنا المسبقة من لم يؤمن به؛ وعلى الأتباع الذين آمنوا به في كل مكان وزمان، وليس ثمة ما يمنع من ذلك، ولا ما يثير أدنى حساسية أو أي تحفظ من أي نوع، وطريق العلم هو الموضوعية والمنطق، وليس الرغبات والأهواء، والخوف من النتائج المتوهمة.
 
 
 





قضايا وآراء
أزمة مفتعلة للمشتقات النفطية بصنعاء