وزارة الصحة تعتمد وحدة صحية طارئة لعدن تصل الأربعاء     رمزي محروس يترأس اجتماع اللجنة العليا للطوارئ ومكتب الصحة بسقطرى     مقتل مسؤول أمني بمحافظة حضرموت بعبوة ناسفة     معارك دامية بأبين بعد فشل هدنة استمرت ليوم واحد     تزايد عدد الإصابات بفايروس كورونا في اليمن والحالات غير المعلنة ثلاثة أضعاف     تركيا تكشف عن طائرة قتالية مسيرة بمواصفات تكنولوجية فائقة الدقة     استشهاد قائد بالجيش الوطني بأبين ضمن معركة استنزاف نصبها التحالف للشرعية     الحوثيون يعدمون قائد بالجيش الوطني بعد أسره ويحرقون جثته بمادة الأسيت     الأمم المتحدة: الإصابات بكورونا باليمن أضعاف ما يتم الإعلان عنها     تحطم طائرة باكستانية على متنها 90 مسافرا بينهم نساء وأطفال     تحذيرات من كارثة مضاعفة في اليمن بسبب انتشار فايروس كورونا     رسائل مهمة للرئيس هادي في ذكرى قيام الوحدة اليمنية     معركة اللا حسم للجيش الوطني بأبين برعاية التحالف يضع الشرعية على المحك     مخاوف من إدراج أكبر الموانئ اليمنية في القائم السوداء     منظمة الصحة العالمية تسجل أعلى مستوى إصابات بفايروس كورونا    

الاربعاء, 13 مايو, 2020 05:28:00 مساءً

اليمني الجديد - سامي نعمان

نروم في هذه المقالة تحديد معنى الآل في الدعاء المعروف "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...". ولا بد من توطئة معجمية ودلالية أولا في المعاني اللغوية عمومًا؛ فليس يصح شيء في الفهم قبل النظر في المعنى وتحديده. 
 
ومما يقرره علماء اللغة، وتحديدًا هنا، علماء الدلالة والمعاني والبيان، أن للكلمة معنى حقيقيًّا، غالبًا ما يكون هذا المعنى حسيًّا ذا سمات مادية، وهذا النوع من المعنى هو أول ما ينشأ للكلمة، ثم تتطورُ الحياة بعد ذلك وتزداد تعقيدًا، ومعها تتطور اللغة ومفرداتها وأساليبها، ليس في الدلالة فحسب بل وفي الأصوات والصرف، وفيما نحن بصدده الآن، يتطور معنى الكلمة بأكثر من طريق، قد يكون بالنقل أي بالمجاز، وغالبًا ما يكون عن طريق المجاز المرسل أو الاستعارة سواء كانت استعارة تصويرية أم ذاوية بتعبير ستيفن أولمان أم كانت لمجرد توسيع اللغة بتعبير عالم دلالي مثل جيرو، الذي يطلق على هذا الأخير مصطلح التسمية الإدراكية، وفي ثقافتنا العربية يشير عبد القاهر الجرجاني إلى هذا النوع من الاستعارة أيضًا أي الاستعارة التي ليس من غرضها التصوير، ولكن انتقال المعاني وتطورها.
 
 وأيًّا يكن الأمر، فإن هذا المجاز إذا كثر في الاستعمال صار حقيقة ودخل إلى المعجم، ويطرح البعض على أن هذا الأمر إحدى إشكالات المعجم العربي، ولا أراه كذلك؛ لأن هذا هو طريق اللغة في التطور وفي خلق مفردات وعبارات جديدة تعبر عن المدلولات في الحياة، وأعجب من هذا الطريق أن اللغة تشتق لها استعمالات جديدة عن طريق التوهم، ولكن هذا لا يمنع هذا المشتق أو المخترع بالتوهم من دخوله إلى معجم اللغة واتخاذ طريق له فصيح، فالفعل "تَخِذَ" على سبيل الإلماع لم يكن موجودًا إلا على توهم أن الفعل "اتخذ" مثل الفعل "اتبع" لأنه مثله صيغة ووزنا، وطالما أن الفعل "اتبع" جاء من "تبع" فهذا يعني أن "اتخذ" مشتق من "تخذ" ومن ثم اشتقوا للفعل "تخذ" مضارعًا هو "يتخذ" مثل "يتبع". ويدخل الفعل "تخذ، يتخذ" إلى المعجم، ويعد فصيحًا، وإن نشأ بهذه الطريقة. وثمة أمثلة كثير من هذا النوع يتحدث عنها فقهاء اللغة والتطور الدلالي. ونعود مرة أخرى إلى المجاز، وتقريرنا أن المجاز إذا كثر صار حقيقة ومن ثم ساغ دخوله المعجم، ومن المهم الإشارة إلى أن التطور الدلالي للألفاظ أسرع من التطور الصرفي والصوتي.
في القرن الأول للإسلام لا يشك من له أدنى خبرة بالتطور اللغوي أن كثيرًا مما بات مستعملا اكتسب معاني جديدة ومفاهيم متطورة نتيجة تغير الحياة ذاتها وتطورها، خذ مثلا ألفاظ: الشريعة، الزكاة، الصلاة، الحج، التيمم، إلخ هذه الكلمات التي شهدت تطورًا دلاليًّا واضحًا، والجاحظ يشير إلى ذلك منذ وقت مبكر.
 
والآن، عندما نقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد..."، ما المقصود بالآل هنا، ودعك من حكاية المجاز، لأننا سنتعامل معه على أنه حقيقة بعد تلك المقدمة (أغلب اللغة مجاز، والبعض يبالغ ويقول اللغة كلها مجاز)، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نهتدي بالمعجم، على ما فيه، فالمعنى الدقيق للكلمة أو للعبارة يحدده السياق والاستعمال، وليس المعجم؛ والكلمة بمعزل عن السياق والتداول صماء بكماء، أو على الأقل، مشتتة المعنى. وثمة من ينازع في أي المعنيين حقيقة والآخر مجاز، ولا دليل قاطعًا على أن المعنى الفلاني هو الأصل والآخر مجاز، وبغض النظر عن صوابية هذه الفكرة فإن لها حظًّا من البحث والنظر.
 
تقول لنا المعاجم: وآلُ الرَّجلِ: ذو قَرابتهِ، وأهل بَيْته (العين). وآل الرجل: أهله وعيالُه. وآلُهُ أيضا: أتباعُه. قال الأعشى:
 فَكَذَّبوها بما قالت فصَبَّحَهُمْ .. ذو آلِ حَسَّانَ يُزْجي السَمَّ والسَلَعا
يعني جيش تُبَّعٍ (الصحاح).
 
قال الأصمعي: يقال: رددته إلى آيلته، أي: طبعه وسوسه. وآل الرجل أهل بيته من هذا أيضا لأنه إليه مآلهم وإليهم مآله. وهذا معنى قولهم يا آل فلان وآل الرجل شخصه من هذا أيضا. وكذلك آل كل شيء. وذلك أنهم يعبرون عنه بآله، وهم عشيرته، يقولون آل أبي بكر، وهم يريدون أبا بكر. وفي هذا غموض قليل.  (مقاييس اللغة).
 
وَآل الرجل قرَابَته وَمِنْه قَوْلهم فِي الدُّعَاء اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد أَي ذُريَّته وَآل الرجل أنصاره وشيعته وَمِنْه قَوْله عز وَجل "أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب" فَلم يرد قرَابَته دون شيعته وَآل الرجل وَلَده وَآل الله أهل مَكَّة كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(نَحن آل الله فِي بَلْدَتنَا ... لم نزل آلا على عهد إرم (اتفاق المباني وافتراق المعاني).
 
آلُ الرجل: أهله.
والألف فيه مبدلة من الهاء. والدليل عليه أنك إِذا صغرته قلت: أُهَيْل، والجميع أَهْلُون.
وآلُ الرجل: أتباعه وأشياعه وأهل ملته.
ثم كثر استعمال ذلك في أقاربه لأنهم أكثر من يتبعه. ومنه قوله تعالى: وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.
ومنه قولهم في الصّلاة: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيتَ وباركتَ على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم». ومنه قوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ولم يكن له منهم قريب في النسب. ومنه قول عبد المطلب بن هاشم:
نَحْنُ آلُ اللّاهِ في بَلْدَتِهِ ... لَمْ يَزَلْ ذَاكَ على عَهْدِ أبْرَهَمْ وقال مصنف الكتاب في ذلك:
آلُ النَّبِيِّ هُمُ أَتْبَاعُ مِلَّتِهِ ... مِنَ الأَعاجِمِ والسُّودَانِ والعَرَبِ
لَوْ لَمْ يَكُنْ آلُهُ إِلّا أَقَارِبَهُ ... صَلَّى المُصَلِّي عَلَى الغَاوِي أَبِي لَهَبِ (شمس العلوم).
 
هذه الإلماعة اليسيرة إلى المعاجم تقودنا إلى أن الآل تدور حول معان كثيرة، وما يهمنا هنا معنيان، أهل البيت، وأتباع الرجل وشيعته وأنصاره. وهذا يعني أن المعنيين قديمان في الاستعمال، سواء كان أحدهما حقيقيًّا والآخر مجازيًّا أم كانا حقيقيين في وضع الاستعمال الأول. لأنه حتى لو كان معنى الأتباع مجازيًّا فقد صار حقيقة في الاستعمال، مثله مثل: الصلاة والزكاة والحج معناها الحقيقي الأول يختلف عن معانيها التي جدت عندما جاء الإسلام، فلا يفهم العربي الذي يقرأ القرآن مثلًا أن المقصود بالحج في آياته الطواف في الأرض مطلقًا، بل يصرفه مباشرة إلى الطواف في الكعبة وفي وقت معلوم، ولا نزاع في هذا.
 
وفي تفسير المنار إن آل فرعون أطلق في القرآن على أهل بيته خاصة في موضع واحد لا يحتمل غيرهم، وفي موضع آخر محتمل لغيرهم، فالأول قوله تعالى: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا (28: 8) والثاني قوله: "وقال رجل مؤمن من آل فرعون" وأطلق كثيرا بمعنى ملئه، وخاصة أتباعه أو جملتهم كقوله: "وأغرقنا آل فرعون"  "أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" "وإذ نجيناكم من آل فرعون" "وحاق بآل فرعون سوء العذاب ولقد جاء آل فرعون النذر" كذلك كثر ذكر ملأ فرعون في إرسال موسى إليهم، وما دار بين فرعون وبين الملأ، وهم أشراف قومه ورجال دولته كما تقدم، ولولا أن ورد ذكر قومه في بعض الآيات لحملنا الآل في الآية التي نحن بصدد تفسيرها، وفي أمثالها عليهم دون سائر قومه، فقد قال تعالى في أول قصة موسى من سورة الشعراء: "وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون" وقال في سورة الدخان: "ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم" إلخ. ومن الواضح أن عامة قوم فرعون ينالهم من عذاب الأخذ بالسنين ونقص الثمرات ما لا ينال فرعون وأهل بيته وخاصة ملئه، فالمراد بآله قومه، وهم أهل مصر في عهده، وهم مؤاخذون بظلمه وطغيانه؛ لأن قوته المالية والجندية منهم، وقد خلقهم الله أحرارا وكرمهم بالعقل والفطرة التي تكره الظلم والطغيان بالغريزة، فكان حقا عليهم ألا يقبلوا استعباده لهم، وجعلهم آلة لطغيانه وإرضاء كبريائه وشهواته، ولا سيما بعد بعثة موسى ووصول دعوته إليهم ورؤيتهم، لما أيده الله به من الآيات.
 
وبعد، ما معنى "الآل" في "وعلى آل محمد"؟
الحق، أن ثمة نقاشًا ذائعًا في دلالة الآل هنا وأظن أن للبعد المذهبي دخلا فيه، فالشيعة يقصرونه على أهله وقرابته خاصة، والسنة يقولون الآل هنا الأتباع، وفي اللغة لا مانع من إرادة المعنيين، غير أن القول بأن المقصود أهله وقرابته سيدخل بعض أهله ممن لم يؤمنوا بدعوته في طلب الرحمة لهم وهذا لا يتفق والقصد، وفي هذا يحاجج نشوان الحميري في شعره الذي ألمعنا إليه قبل قليل. ونحن نفهم من الآل أنهم الأتباع والأنصار من دون حدوث أي إشكال، تمامًا كما نفهم معاني الحج والصلاة وغيرهما من الألفاظ التي جدّت في الإسلام. ولا يقولن قائل إن معنى الآل الذرية بزعم أن علي بن أبي طالب ليس من ذريته، كيف وهو من أهله وقرابته وعشيرته، وسبق أن الآل لغة تعني هذا وزيادة!؟ هو احتجاج، إذن، في غير موضعه بل يخدم فكرة أخرى تمامًا نحن نناضل من أجل دحضها، بالعلم والمنطق والعلم والمنطق فحسب!
 
   
 
 
   
 




قضايا وآراء
الحرية