مرخة العلياء الحلم الذي أصبح حقيقة     مجزرة جديدة للحوثيين بتعز تخلف قتلى في صفوف الأطفال والنساء     تنديد واسع بعنف الشرطة الفرنسية على مصور من أصول سورية     كلمة الرئيس هادي بمناسبة 30 من نوفمبر     محافظ شبوة يعقد اجتماعا بإدارة وطواقم مستشفى عتق العام     مصرع قيادي كبير في تنظيم القاعدة في كمين بأبين     وكيل محافظة تعز يزور الشماتيين ويلتقي بقيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية     قراءة في الربح والخسارة في تصنيف الحوثية حركة إرهابية     اغتيال أكبر عالم نووي إيراني ولا مخاوف من اندلاع حرب في المنطقة     كيف حول الحوثيون قطاع الاتصالات إلى شبكات تجسس مرعبة     قراءة في جذور الخلاف ومداخل التقارب بين المؤتمر والإصلاح     الجيش يدعو الصليب الأحمر التدخل لانتشال جثث مليشيا الحوثي بمأرب     طوابير بمحطات الوقود بصنعاء واتهامات لمليشيا الحوثي بالوقوف خلف الأزمة     المرأة اليمنية واليوم العالمي لمناهضة العنف ضدها     محافظ شبوة يزور المعرض الدولي الكتاب    

الجمعة, 01 مايو, 2020 12:21:00 صباحاً

اليمني الجديد - عبدالله شروح

بالأمس، الرّابعة عصراً على وجه التحديد، تفاجأت بطرقات واهنة على باب منزلي. ليس من العادة أن يأتيني زوّار بهذا التوقيت. كنت قد صحوت من نومي قبل دقائق. فتحت الباب فرأيت أمامي وجهاً كابياً مليئاً بتلك التغضّنات الّتي لا تأتي من تكدّس السنين وإنّما انعكاساً لمشاعر حادّة. 
كان وجهاً يفصح عن التأثّر والحزن والغضب، وأيضاً، لحدودٍ ما، عن شعور بالعار. وتعرّفت فيه وجه جاري العزيز.
 
شاب ثلاثينيّ، معتدل الطول والبنية ويعمل جنديّاً. سألني: "معك أسطوانة غاز؟" وقبل أن أجيب استتلى: "مليان أو فاضية، مش مهم!". 
 
أخبرته أن لا. جعّد بين حاجبيه، زمّ شفتيه وأمالهما يمنة ويسرة ثمّ زفر مطوّلاً. لم أتمكّن من التكهّن بما يعانيه، سيّما وأنا أعرف أن وضعه الماديّ ليس بائساً إلى الحدّ الّذي لا يمكّنه من حلّ مشكلةٍ بتفاهة الحصول على أسطوانة غاز. ولأنّه بقي على وقوفه الملغّز هذا، دعوته للدّخول.
 
أُصدقكم القول أنني لم أكن أتصوّر أن يلبّي الدّعوة، ففي رمضان ليس هذا بالتوقيت الجيد لا لأن تدعو صديقاً ولا لأن يلبّي هو الدعوة، وبالتّالي فقد استقبلتُ تلبيته بانقباض، لكني وجدت في إمكانيّة إشباع فضولي إزاء ما يقف وراء حالته الراهنة العجيبة هذه ما يكفي من العزاء.
 
حسناً، عليّ أن أخبركم الآن أن علاقتي به عاديّة جدّاً، لا تتجاوز إطارها الرسميّ جدّاً. لم يحدث أن جمعتنا من قبل أيّ مما يجمع رجلين ليصح توصيفهما بصديقين، ناهيك عن صديقين حميمين. لكنني أعرف عنه أنّه رجلٌ مستقيم الطباع، حسن الخلق، ولم تبدر منه، من قبل، أيّ إساءة نحوي أو أيٍّ من باقي الجيران.
 
اختار لنفسه مجلساً في الزاوية، وجلست إلى جواره، ولأنني لحظت كم كان متوتّراً، لم أهتدِ إلى جملةٍ سوى أن أخبرته بأن ثقتي بأنّه صائم تمنعني من أن أقدّم له ضيافةً ما. ليست هذه بالجملة العبقريّة، أدري، لكنها كلّ ما أسعفتني به اللحظة.
 وبالرّغم من ذلك فقد حققت هذه الجملة نتائج عظيمة، فقد ضحك جاري العزيز وزال توتّره، وأكثر من ذلك سرعان ما أفصح عن همّه:
"والله يا صاحبي كنت ما أزال نائماً إلى قبل ساعة، حينما أوقظتني زوجتي. وأنا لي طبع لا أدري ما إذا كان يخصّني وحدي، لعلّه يخصّ الجميع، إذ يجب أن أصحو على مشهدٍ جميلٍ أو على خبر رائعٍ ليتسنى لي قضاء يومي بسعادة وامتلاء، لكنّي حين فتحت عينيّ، وجدت أمامي هيئةً شعثاء، بوجه قد عبث فيه الإرهاق أيّما عبث، وبملامحٍ يغطّيها العرق... 
إنّها زوجتي، هكذا تكون في نهارات رمضان، لكنّه مشهد منكّد رغم كلّ شيء، أليس كذلك؟ وعلاوة على هذه البشاعة، المبررة لا أنكر، هوت عليّ بالخبر التالي: نفدت أسطوانة الغاز، وعليّ أن أذهب لاستبدالها على الفور لتكمل إعداد العشاء. ومثل حمارٍ رائعٍ، حمارٍ حنقٍ رائعٍ، حملت الأسطوانة على كتفي وخرجتُ بها. المسافة ليست بعيدة إلى محلّ الغاز كما تعرف، إنّها لا تزيد عن المئة متر. لكنني ما كدت أمضي بضعة أمتارٍ حتى لقيت أمامي، حسناً لن يكون دقيقاً أن أقول امرأة، وبالرّغم من ذلك ليس بوسعي سوى أن أقول، لكنّي، ويشهد الله، لم أرَ في حياتي أبداً جمالاً كهذا! 
 
كانت قد اعتمرت أسمالاً ما جمّعتها على بعضها، ومن فوق هذه الأسمال تأتي أسطوانة الغاز. ولأنّه توجّب عليها أن تظلّ ممسكةً بأطراف الأسطوانة كي لا تتدحرج من على رأسها، فقد سقط كُمّا "البالطو" حتى مرفقيها. وأيّ يدين رأيت! أيّ ساعدين! أقسم أن لا حاجة لنا بالشّمس طالما وعلى هذه الأرض أشياء كهذه، لم أرَ في حياتي بياضاً كهذا، اكتمالاً كهذا، ارتجفت خطواتي لأوّل وهلة وكدت أتعثّر. كانت أمامي على مسافة، فأسرعت حتى حاذيتها، وبتلك اللحظة، وبنظرة جانبيّة ثابتة، بدا لي قوامها، وأيّ قوام! وكانت مجهدة من هذا الحمل، كان ذلك بيّناً من توتّر صدرها واندفاعه إلى الأمام، ولأن كلّ جسدها كان هو التعبير الأقصى عن الكمال، بما فيه كمال النموّ، ولأن عينيّ، وقد فجِئتا بكلّ هذه المفاتن، قد شُحذتا وصارتا أكثر حدّة من عيني صقر، فقد تبيّنت تماماً، في ذلك الصدر المحتدم، حلمتين نابقتين تكادان تثقبان البالطو.. 
 
جفّ حلقي أكثر، وشعرت بأني أكثر ظمأً من كلّ صحاري الدّنيا. حسناً، هل عليّ أن أصارحك بأنّي بتلك اللحظة فقدت صومي؟! لا أعرف يا صاحبي، لكنني لا أفهم كيف أن الشياطين تصفّد في رمضان، ربّما الشيطان خاصّتي لا ينطبق عليه هذا القانون، أو أنّه يتملّص بطريقةٍ ما حين يشاء. الله وكيلك لا أعرف كيف وصلت إلى محل بيع الغاز".
وسكت الجار برهةً، ولم أدرِ ما أقول. كنت مشدوهاً لا بالتفاصيل وإنّما من هذا الانسكاب للرجل الّذي يبدو رصيناً للغاية والّذي لا تسعفه معطيات علاقته بي لإفصاحٍ كهذا، إفصاحٍ أوضح ما فيه أنّه غير مهمّ، على الأقلّ بالنّسبة لي. غير أنّي لم يمكنني سوى أن أبتسم له، ويبدو أنّها ابتسامة شجّعته على أن يكمل، أم أنّه كان سيكمل على أيّة حال؟!
 
"حسناً، أتعرف؟ كثيراً ما شعرت بالغيرة، لكن لم يحدث أن هصرت الغيرة قلبي على نحو ما حدث في الدقيقة وهذه المخلوقة العجيبة تتحدّث إلى صاحب المحلّ. كان حديث أيّ زبون مع صاحب محلّ، ورغم ذلك أقسم لك لقد غالبت نفسي أيّما مغالبة كي لا أهجم على ذلك السخيف بما بقي فيّ من طاقة. وكي تجهز على ما بقي رباطتي مالت برأسها وأدارت نحوي عينين أقسم بربّ الجمالَ أنني من فرط بهائها جلست، لم يعد بي طاقة على الوقوف.
 
 لم أكن أعرف ما معنى دعجاوين وساجيتين، ولا ما الحَوَر وكل تلك الأوصاف الّتي يقولها الشعراء في العيون، لكنني قرأت كلّ ذلك ووعيته في نظرة هذه الفاتنة! 
وأخبرني إبليسي الجميل، إبليسي الرائع، أنها نظرة ذات مغزى، وهو ما جعلني أخرج عن طوري لحظة رأيتها تجهد بمحاولتها رفع أسطوانة الغاز الملأى لتحملها على رأسها.. قفزت وأمسكت بالأسطوانة وأقسمت إلا أن أحملها أنا. وعندها، ويا للعجب، لم تقل شيئاً. أومأت موافقة، وحتى، أقسم لك، لم أعد أذكر كيف أومأت، ومضت تسبقني لتدلّني على الطريق. ولا أعرف ما إذا كان السبب أن البالطو كان ضيّقاً أم أن عينيّ صارتا بالغتَي الحدّة أكثر ممّا ينبغي، فلم أعد أنظر في الطريق، وإنّما إلى عجيزة الفتاة، أيّ عجيزةٍ جبّارة! أقسم لك كان ردفاها يتأرجحان مع كلّ خطوة ويتلويّان لكأنّهما حيوانان مكتنزان متواثبان، وكأنّهما مخلوقان مستقلّان وإنّما شغوفان ويتحرّكان فقط على إيقاع خُطى الفتاة! 
 
وفجأةً توقفت العجيزة عن التلوّي! نعم كفّت الفتاة عن المشي، وقالت جملةً واحدةً: "شكراً، بواصل من هنا وحدي، حط الدبّة!". وحطّيت الأسطوانة بإذعانٍ تامٍّ. ولعنت في سرّي صاحب الغاز لأنّه لم يختر محلّاً أبعد من هذا، أبعد من حدود اللا نهاية. ولا أعرف كيف التفتّ وعدت أدراجي على الفور، دون حتى أن ألقي نظرة أخرى. 
إحساسي بأن ذلك سيسوؤها، الإحساس الّذي لا أعرف الآن كيف ولماذا تملّكني لحظتها، منعني من أن ألتفت. 
 
وإلى أن وصلت إلى محلّ الغاز كنت مسحوقاً تماماً، ليس عن ألم وإنما عن لذّة. ولم ينتهِ شعوري المدوّخ هذا حتّى وقد أدركت الورطة، إذ لم أجد أسطوانة الغاز الفارغة حيث تركتها، ولا في أيّ مكان آخر. يبدو أن أحدهم أيضاً لم يلتزم شيطانه الحظر الرمضاني ووسوس له أن يسرق الأسطوانة. لم أحزن كثيراً، لكنني أيضاً لم أتوصّل لطريقة يمكنني بها العودة إلى البيت هكذا خالي الوفاض. لم أهتدِ لأيّ عذر. قلت فلآت إليك ربّما أجد لديك أسطوانة فارغة على أن أنقدك ثمنها مساءً. حقّاً لا أعرف الآن ماذا أفعل الآن!".
 
وبقي ساكناً بعدها لزمن، ولم أتوصّل لأيّما مواساة، كما أنني كنت ما أزال مدهوشاً بالقصّة برمّتها، ببوحه لي بهذه التفاصيل بلا حاجة ولا مناسبة. لكنني بدأت ألمح في وجهه تغيّراً ما، لقد أخذت ملامحه تعود لتعبيرها الرّصين المعهود، حدث ذلك شيئاً فشيئاً، كما يعود المريض إلى وعيه بالتدريج.
 وانتفض فجأةً: "اعذرني يا صاحبي، أستئذنك، ويا ليت تنسى كل هذه الهدرة الفاضية، مش عارف أيش فيني اليوم، يمكن تأثير الصوم!". وحين دعوته لأن يأتي وزوجته وابناه إلى العشاء في منزلي رفض بخجل واقتضاب، وخرج.
 
وحين رأيته في صلاة العشاء بدا لي كعادته، متحفّظاً وعلى ملامحه ذلك التعبير الثابت بالتزام الحدود والمسافات. ومن لحظتها أيقنت أن تلك الفتاة، فاتنته، تنطوي لا شك على جمالٍ مبهرٍ، ذلك الجمال الّذي يسلب المرء كلّ شيء ما أن يتأمّله، حتّى شخصيّته وطباعه. 
ومازجتني رغبة عارمة بأن أرى هذه الفتاة، فاتنة الحيّ ربّما. وبمجرّد أن دلفت البيت، في عودتي من الصلاة، سألت زوجتي: "متى بتخلّص أسطوانة الغاز حقّنا؟!".
 




قضايا وآراء
اليمن الحضارة والتاريخ