وزارة الصحة تعتمد وحدة صحية طارئة لعدن تصل الأربعاء     رمزي محروس يترأس اجتماع اللجنة العليا للطوارئ ومكتب الصحة بسقطرى     مقتل مسؤول أمني بمحافظة حضرموت بعبوة ناسفة     معارك دامية بأبين بعد فشل هدنة استمرت ليوم واحد     تزايد عدد الإصابات بفايروس كورونا في اليمن والحالات غير المعلنة ثلاثة أضعاف     تركيا تكشف عن طائرة قتالية مسيرة بمواصفات تكنولوجية فائقة الدقة     استشهاد قائد بالجيش الوطني بأبين ضمن معركة استنزاف نصبها التحالف للشرعية     الحوثيون يعدمون قائد بالجيش الوطني بعد أسره ويحرقون جثته بمادة الأسيت     الأمم المتحدة: الإصابات بكورونا باليمن أضعاف ما يتم الإعلان عنها     تحطم طائرة باكستانية على متنها 90 مسافرا بينهم نساء وأطفال     تحذيرات من كارثة مضاعفة في اليمن بسبب انتشار فايروس كورونا     رسائل مهمة للرئيس هادي في ذكرى قيام الوحدة اليمنية     معركة اللا حسم للجيش الوطني بأبين برعاية التحالف يضع الشرعية على المحك     مخاوف من إدراج أكبر الموانئ اليمنية في القائم السوداء     منظمة الصحة العالمية تسجل أعلى مستوى إصابات بفايروس كورونا    

الثلاثاء, 21 أبريل, 2020 04:51:00 مساءً

اليمني الجديد - أحمد الملجمي

قد يكون هناك صعوبة في قراءة تاريخ اليمن القديم والحديث؛ ربما لشحة المراجع والمصادر التي تحيلنا إلى معرفة ذلك التاريخ من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى كمية الأحداث التي مر بها اليمن قديما وحديثا، والتي أدت إلى تجريف واستنزاف تراث هذا البلد، بالإضافة إلى العزلة التي فرضت على اليمن منذ منتصف القرن الأول للهجرة النبوية، وتحديدا مع بداية الفتنة الكبرى حتى نهاية الدولة المتوكلية.
 
 خلقت العزلة صعوبة حالت دون اكتشاف هذا البلد، وذلك حينما اتجهت في بداية الأمر أنظار الدول الإسلامية نحو الفيء والخراج، نحو الشام والعراق ومصر، وانتهاء بعزل أئمة الدولة الإمامية لليمن وتغريبها عن ذاتها العربية، حتى أن ما نقرؤه عن هذا البلد من تاريخ، يغلب عليها نمط التكرار وإعادة التدوير لنفس المسميات دون تقديم تفسيرات جديدة.
 
 
للوهلة الأولى قد تجد صعوبة في قراءة تاريخ اليمن لكل ما ذكرناه من الأسباب، زخم كبير من الأحدث التي جرت فيه منذ منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد ولا زالت تحدث حتى يومنا هذا، وربما لن تتوقف حتى نفهم ما هي الخصائص والعوامل التي صنعت الاجتماع البشري في هذا البلد، إلا أنك ولبرهة من التفكير تسأل، لماذا كل هذه الأحداث وكل هذه الأسماء؟ كيف يمكن فهمها ولو بالمجمل العام بعيدا عن التفاصيل؟ ولمجرد أن تضع خارطة الأحداث بين يديك، تفهم، إنها الجغرافيا، التضاريس، البيئة، كل ذلك هو من شكّل هذا البلد، هوية وثقافة وحضارة، ومنهجية تفكير ومجتمع، وأحداث سياسية وعسكرية، منذ منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد حتى اليوم، كانت الجغرافيا هي العامل الرئيسي في رسم ملامح هذا البلد، سمة التكرار في الأحداث وتشابهها تجعل من الجغرافيا اليمنية ذاكرة تاريخية يسهل للمطالع أن يقرأ فيها ويستخلص القوانين التي تحكم تاريخ هذا البلد، ذلك أن الأحداث التي جرت فيه، كانت الجغرافيا هي العامل المهم في تكوينه وتشكله، سواء أكانت حالة ازدهار أم حالة انحطاط، بل إن فهم المجتمع وتشكله الثقافي والاجتماعي، لا يذهب بعيدا عن التغيرات المناخية والبيئة والجغرافية لهذا البلد، وإن كان الإنسان هو من يصنع الفعل في التاريخ والجغرافيا، إلا أن الجغرافيا اليمنية هي من صنعت إنسانها وفكره وحضارته وتجمعه الأول.
 
وأنت تقف على مفازة (الصهيد) تنظر نحو الجنوب فتجد أطلال أوسان، وتنظر نحو الشرق فتجد أطلال حضرموت، تنظر نحو الشمال فتجد أطلال معين، وتنظر نحو الغرب فتجد أطلال قتبان، وتنظر تحت أقدامك فتجد أصالة سبأ بين الرمال والكثبان، فتسأل ما الذي جعل عواصم هذه الممالك (صرواح – قرناو – تمنع – شبوة -مسورة) تجمعها الزوايا الأربعة لما تسمى صحراء الصهيد؟ للحظة تجيب إنها الجغرافيا، عرف الإنسان اليمني في نظامه الاجتماعي البدائي الأول، أهمية هذه الجغرافيا فأنشأ التحالفات كسبيل وحيد للعيش المشترك والاجتماع البشري، المصالح المشتركة والجغرافيا هي من شكلت تلك التحالفات البدائية في طورها الأولي، وفي الطور الثاني من تطور الإنسان اليمني شكل نظام (المكرب) نظام تحالفي ذو صيغة علائقية تشاورية فرضتها الجغرافيا والمصالح المشتركة مرة أخرى، نظام متطور يبني المدن، ويشق الطرق وأنظمة الري، ويمارس التجارة، ويسن القوانين، ويفرض الضرائب، ويبني المعابد، ثم بعد ذلك وصل الإنسان اليمني إلى طوره الثالث والأخير، نظام الدولة، وهو وإن بدا لنا كملكية، إلا أنه في نواته السياسية كان قائم على التحالفات أيضا، قائم على جغرافيا المصالح المشتركة، دائرة القبائل الصغيرة التي يحكمها "الأذواء" تشكل الدائرة الأكبر منها وهي دائرة نظام المكرب، والتي تشكل حلف قبلي أكبر، والتي بدورها تشكل دائرة ومجلس الحكم، والذي يتكون من مجموع الأحلاف، وبهذا المصالح المشتركة التي فرضتها الجغرافيا تشكلت الهوية والنظم السياسية لهذه الممالك، وكانت كل مملكة على حدة تشكلها ذات العوامل، وفي فترة من الفترات حدث أن تحالفت الممالك فيما بينها، تحالفات شكلتها الجغرافيا مرة ثالثة ورابعة وهكذا، كما قرأنا عن تحالف سبأ وحمير في القرن الثاني ميلادي، وقبلها تحالف قتبان وسبأ تارة، وتارة أخرى معين وحضرموت.
 
إن حضارة اليمن كانت حضارة عملية من الطراز الأول، شكلتها الجغرافيا والبيئة والتضاريس، وكانت التجارة والزراعة والمصالح المشتركة هي عماد تلك الحضارة العملية، بها قامت الحضارات اليمنية القديمة وبها انحطت، وبها أيضا دخلت اليمن في طي النسيان أبان الحكم الإسلامي، حينما نُسيت اليمن تماما، وتحولت إلى كتائب في صفوف الجيش الإسلامي المتجهة غربا وشرقا. من جملة الأحداث التاريخية لهذا البلد، تظهر الجغرافيا مرة أخرى كعامل لم شمل مكوناته ووحدته وضمان نموه وازدهاره، فكل قطعة من جغرافيا اليمن تظهر كما ولو أنها قطعة مكملة وأساسية لبقية المناطق الأخرى، يظهر هذا التكامل أمام العوامل المناخية والبيئية والظروف القاسية التي تكمل بعضها البعض على الإنسان اليمني، يقول الدكتور صادق عبده في كتابه الهوية السياسية والحضارية لليمن: وقد عرفت الحضارة اليمنية مظاهر التكاتف والتعاون الجماعي، على أسس طوعية متكافئة، ومعزز بروح الواجب والمسؤولية المشتركة التي تفرضها قوى الطبيعة القاسية، وضرورات الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتبادل المصالح والمنافع المشتركة على النطاق الاجتماعي، ومن أجل ذلك سخر اليمنيون الأقدمون على اختلاف فئاتهم وتفاوت حصصهم من المال – طاقاتهم الذهنية والجسدية، للتغلب على المعضلات الطبيعية والقاسية، فأقاموا المنشآت العامة والخاصة كالسدود والمدرجات الزراعية والطرق وحفر الآبار والبرك والصهاريج، وتقول أسمهان الجرو في كتابها دراسات في تاريخ اليمن، أقاموا التجارة الاستهلاكية والنقدية التي غزوا بها بلاد الإغريق واليونان والآشوريين والفراعنة فأبدعوا فيها.
 
إن هوية اليمن في التاريخ كانت هوية اقتصادية بحتة قائمة على الاقتصاد والزراعة والتجارة وتبادل المنافع المشتركة بين أبناء البلد، ليس لأن المجتمع اقتصادي بالفطرة، بل لأن جغرافيا اليمن هي من فرضت ذلك على المجتمع، فمن خلالها تشكلت التحالفات، ومن خلاله تكونت الممالك والدول، وتشكلت العلاقات الاجتماعية، بل إن الاقتصاد والتجارة والزراعة هي من شكلت اللغة والأسطورة والذاكرة الشعبية والدينية والمخيال العام للمجتمع، وكل ذلك مجتمع (الجغرافيا والاقتصاد) هي من تحدد علاقاتنا بالآخر، أي العلاقات الدولية.
 
إذا كان هناك ما يدعو من نظرة إلى الماضي، فهي إلى الجغرافيا اليمنية وكيف شكلت المنافع المشتركة لأبناء هذا البلد، الإنسان اليمني هو ذلك الإنسان الذي عاش في القدم، وبنية المجتمع لا زالت إلى حد كبير تشبه تلك البنية الأولى، إنما يكمن الفرق أن الإنسان اليمني فهم قواسم العيش والمنافع المشتركة، أكثر مما فهمها الإنسان اليمني اليوم.
 




قضايا وآراء
الحرية