وزارة الصحة تعتمد وحدة صحية طارئة لعدن تصل الأربعاء     رمزي محروس يترأس اجتماع اللجنة العليا للطوارئ ومكتب الصحة بسقطرى     مقتل مسؤول أمني بمحافظة حضرموت بعبوة ناسفة     معارك دامية بأبين بعد فشل هدنة استمرت ليوم واحد     تزايد عدد الإصابات بفايروس كورونا في اليمن والحالات غير المعلنة ثلاثة أضعاف     تركيا تكشف عن طائرة قتالية مسيرة بمواصفات تكنولوجية فائقة الدقة     استشهاد قائد بالجيش الوطني بأبين ضمن معركة استنزاف نصبها التحالف للشرعية     الحوثيون يعدمون قائد بالجيش الوطني بعد أسره ويحرقون جثته بمادة الأسيت     الأمم المتحدة: الإصابات بكورونا باليمن أضعاف ما يتم الإعلان عنها     تحطم طائرة باكستانية على متنها 90 مسافرا بينهم نساء وأطفال     تحذيرات من كارثة مضاعفة في اليمن بسبب انتشار فايروس كورونا     رسائل مهمة للرئيس هادي في ذكرى قيام الوحدة اليمنية     معركة اللا حسم للجيش الوطني بأبين برعاية التحالف يضع الشرعية على المحك     مخاوف من إدراج أكبر الموانئ اليمنية في القائم السوداء     منظمة الصحة العالمية تسجل أعلى مستوى إصابات بفايروس كورونا    

الجمعة, 03 أبريل, 2020 09:43:00 مساءً

اليمني الجديد - د. سامي نعمان
للأسف ما زال هذا السؤال يطرح إلى اليوم: هل في القرآن مجاز؟ وللأسف أن بعض من ينكر المجاز في القرآن يتحامل بشدة ويتهم الآخرين بعدم فهم كلام العرب، محاولا رد كل لفظ في سياقه إلى أنه استعمال قبيلة من قبائل العرب، جهلها القوم وعلمها هو!
 
وأيا يكن القول، فمنكرو المجاز في القرآن لهم شبهتان، الأولى تتعلق بالكلام والثانية تتعلق بالمتكلم به. الشبهة المتعلقة بالكلام أن قالوا المجاز أخو الكذب والقرآن منزه عن الكذب، قال الله تعالى: "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل" وقال: "والذي جاء بالصدق وصدق به" وقال: "وتمت كلمة ربك صدقا".
 
قالوا، والمتكلم بالمجاز إنما يلجأ إليه حين تحرجه الحقيقة أو لا يجد من مسالك الحقيقة ما يتيسر به القول فيلجأ إلى المجاز، والله تعالى لا يعجزه شيء ولا تعجزه مسالك النطق.
 
وهذا الحجاج ضعيف، ويسقط أمام أي نقاش علمي جاد، ذلك أن المجاز في القرآن أبلغ من الحقيقة، وعليه فيصبح أصدق منها، لأنه يؤدي الحقيقة على ما هو أبلغ منها.
 
والمتتبع للمجاز يجد كثيرا من آيات الكتاب لا يمكن أن تفهم إلا إذا خرجت على المجاز، خذ مثلا قوله تعالى: "يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت". لا يمكن أن يكون المعنى يدخلون أصابعهم كلها في آذانهم، وإنما يدخلون جزءا منها (الأنامل/ أطراف الأصابع)، ولكنه عبر بالأصابع للمبالغة وتصوير حالهم وهم يبالغون في هذا الفعل. وهذه عادة القرآن في التصوير، أن يرسم المشهد أو الصورة كما هي. وهم لهذه المبالغة والحرص، لو أمكنهم أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم لفعلوا. وتأمل سياق الآية يدل على ذلك، فهذه الآية والتي قبلها جاءت لتصور حال المنافقين، وهم يسمعون مواعظ القرآن وإرشاده ودواعي الخير فيه، فيتجاذب هذا كله مع دواعي الشر في أعراق نفوسهم، بحال صيب من السماء (أصحاب صيب) فيه غيوث وأنوار ومزعجات وأكدار.. فيخافون ويضعون أطراف أصابعهم بإحكام، ولو قدروا أن يدخلوها كلها لفعلوا، حذر الموت، فكذلك هؤلاء المنافقون، عند سماع آيات القرآن الكريم. هل كنا سنحصل على هذا المعنى من دون المجاز!؟ سبحانك ربي!
 
السر في جمال القرآن، إذن، يكمن في طريقة  التعبير، هذه الطريقة تسلك مسالك المجاز كثيرا، لأن القرآن ليس كتاب حقائق فحسب،  بل وكتاب تأثير، ولو أسقطنا المجاز منه، سقط شطر الحسن فيه وأكثره، وبلاغة الكتاب ترجع إلى هذا الجانب. والنبي صلى الله عليه وسلم كان نطقه كله بلاغة "أوتيت جوامع الكلم ومفاتحه وخواتمه" والجوامع سبيلها المجاز. إذ المجاز التعبير عن المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة.
 
كيف نفهم "واشتعل الرأس شيبا" إلا على أنه تعبير جاء بطريقة المجاز! لأن أصل الاشتعال للنار، والذين يحتشدون لذكر معان أخرى للاشتعال للقول إن الاشتعال له معان أخرى كالكثرة، هؤلاء بعيدون عن الصواب كثيرا، ولديهم صمم من محاولة الفهم، وليست لهم ذائقة يميزون بها ويدركون المعاني وطرق العرب في التعبير عن الأشياء. كما أنهم يجهلون قضية مهمة جدا، لو وقفوا مع أنفسهم وتجردوا للعلم بموضوعية لما خبصوا كل هذا التخبيص، هذه القضية، هي أن المعجم العربي يخلط بين المعاني الحقيقية والمعاني المجازية من جهة، وبين المعاني الحسية المادية والمعنوية المجردة من جهة أخرى، ولكنهم يتغافلون أو ربما يجهلون هذه الحقيقة، وكلما رأوا آية أشكلت عليهم ذهبوا إلى المعجم مع حكم مسبق أيضا بأنه لا مجاز في القرآن، وفتشوا عن المعنى في الكلمة، والمعنى أمامهم ثم رجعوا إلينا ليقولوا: أنتم تجهلون لغة العرب، لأن المعجم الفلاني ذكر أن من معاني هذه الكلمة كيت وكيت، فالاستعمال إذن حقيقي. وهم، إذ يفعلون ذلك، لا يتنبهون إلى أصل المعنى، وأن بعض هذه المعاني جاءت عن طريق المجاز، ولكنها لكثرة الاستعمال صارت كالحقيقة، وبعض المعاجم تنص على أن المعنى الفلاني مجاز، وبعضها تشير إلى أنه مجاز، تقول مثلا: وأصل كذا هو كذا. أي إن المعاني الأخرى جاءت عن طريق المجاز واتساع الاستعمال. وطالما ضربنا المثال بهذه الآية "واشتعل الرأس شيبا"، نشير إلى هذا الذي ألمعنا إليه من أن المعاجم قد تشير إلى تطور المعاني وانتقالها، وهذا الانتقال إحدى طرقه المجاز، قال صاحب تهذيب اللغة: ويقال أشعلت النار في الحطب فاشتعلت. واشتعل فلان غضبا، واشتعل رأسه شيبا، أصله من اشتعال النار".
 
وبعد، فنحن عندما نعجب بأسلوب كاتب، فلأنه عبر لنا بطريقة تخالف ما هو مألوف عندنا، فهو يركب الكلام بطريقة بديعة، غالبا عن طريق المجاز، إذ يسند الأشياء إلى غير ما هو لها تفننا في التعبير وفي طرق المعاني، فنقف معجبين ومندهشين، وكل كاتب له طريقته وأسلوبه، وأقدارهم تتفاوت في هذا الجانب، فبعضهم أقدر من بعض، أفتكون هذه الميزة في كلام البشر ولا تكون في كلام الله!؟





قضايا وآراء
الحرية