كتاب جديد للكاتب بلال الطيب يوثق حياة جازم الحروي: صانع تحوّل     ندوة فكرية تتناول تاريخ الإمامة ماضيا وحاضرا واعتدائها على الذات والهوية اليمنية     في ذكرى سبتمبر.. مهندسو الثورة وعقولها     في ذكرى سبتمبر.. فصول من الذاكرة "القاضي الارياني نموذجا" (1)     شكوى للأمم المتحدة عن تسبب الحوثيين بعودة أمراض خطيرة بسبب عرقلة حملات التحصين (وثائق)     تحضيرات رسمية وشعبية للاحتفال بعيد 26 سبتمبر في مأرب     قراءة في مسارات "الأمم المتحدة" وتفخيخها للأزمة اليمنية     تفاصيل من محاضر التحقيقات في مقتل عبدالله الأغبري بصنعاء     مصرع عشرات المسلحين الحوثيين بمأرب والجماعة تشيع 30 عنصرا بينهم عمداء     وقفة سريعة مع حزب الإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ 30     فلسطين تنعي الجامعة العربية في يوم "العار" المنعقد في أمريكا     حسابات التحالف في معركة مأرب     الإعلان عن تشكيل مجلس تربوي بمأرب يضم عددا من مدراء مكاتب التربية بالجمهورية     أبوظبي في اليمن.. الإعلام والمساعدات للتغطية على الجرائم والأطماع     اختطافات بصنعاء تطال 30 ناشطا من المتضامنين مع عبدالله الأغبري    

السبت, 22 فبراير, 2020 06:25:00 مساءً

اليمني الجديد - محمود ياسين

يتخوف الغرب ويعمل عبر وكلائه في المنطقة، فهو الآن معني بالنفوذ التركي في المنطقة وليس الإيراني، والقضية مسألة أولويات.
كان ديغول يقول: قبل أي حديث في السياسة عليك النظر جيدا الخريطة، مقولة يمكنك إعادة صياغتها وفقا لحاجتك لفهم انهماك أمريكا في إعادة ترتيب تموضع قوى الإسلام السياسي في الشرق الأوسط ولكن ليس عليك التحديق في الخريطة لفهم استراتيجية أمريكا هذه وإنما عليك الإمعان في أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك. فمنح القوى الشيعية فرصة الهيمنة بما يكفي فقط لتوجيه الإرادة الجهادية السنية صوبهم وبعيدا عن الغرب.
تركيا الصاعدة في خاصرة أوروبا بنفوذها المتنامي في منطقة أكثر قابلية للانسجام مع هذا النفوذ لأسباب مذهبية وتاريخية، وفي ذات الوقت أكثر قابلية للهلع من التهديد والنفوذ الايراني المتعذر، لكنه فزاعة جيدة لأثرياء النفط الذين سيواجهون الأمر بالمزيد من صفقات التسليح. في اليمن يمثل الإخوان نفوذ تركيا المستقبلي والذي ينبغي بتر أطرافه ويمثل الحوثي الفزاعة الإيرانية التي ينبغي تعزيزها لأجل صفقات التسليح.
أعلن أكثر من سياسي أوروبي أن جماعات الجهاد السنية هي من تهدد الأوروبيين وأنه أصبح عليهم الشروع في محالفة نقيض وعي هذه المنطقة، فيعمل بن سلمان على علمنة المجتمع السعودي ويبرم المزيد من صفقات التسليح متواطئا في ذات الوقت مع تقليم أظافر مستقبل النفوذ التركي في اليمن، فهو يدرك أن الأتراك هم من دخلوا الدرعية وباغتوا جده في مضجعه وليس الايرانيون، لكن الحوثي في خاصرته وسيدفع ثمن الحماية وثمن العرش أيضا.
كتبت سابقا عن سيناريو ملاحقة الإخوان الذين أعلنوا تحولهم للتجمع اليمني للإصلاح بتفاؤل عاطفي إزاء غرب لا يلتفت لإظهار النوايا الطيبة، التفسيرات العاطفية ذاتها هي ما يعتمدها الإصلاح مع العدائية الإماراتية فيما يشبه مأساة إغريقية، المول لا يعتمد في عمله العدائي هذا على عاطفة غامضة ووصية الأب المؤسس الذي يقال انه كان يكره الإخوان لأسباب بدوية.
هم يقومون بما عليهم كوكيل محلي لقوى ترى فيكم خطرا مستقبليا في حال ورثتم فكرة الشرعية وتحكمتم بأدواتها، الأمر الذي يجعلهم يستخدمون هادي غطاء للتخلص منكم بتهمة أنكم تستخدمونه، سيجدون طريقة للتخلص منه لاحقا بعد استنفاذ شرعيته غطاء لكل الانقلابات. لقد تكرر سيناريو عمران صنعاء في عدن وفي تعز يتم تجفيف المنابع والحلقة الأخيرة، وهها ستكون في مأرب، وبسيناريو مختلف لكنه قريب من سيناريو الموصل.
يبدو وكأن الجميع يدفعون الاصلاح للخيار الاخير، وهو التقارب مع الحوثي؛ الأمر الذي لا أستبعده مع عدوان يدفع اليمنيين جميعا للتخلي عن كل الذي ناضلوا من أجله يوما، من الشرعية إلى الوحدة والتضاريس ودم الإنسان والتعايش المذهبي والسلام الطائفي والعلم وحتى كرامة الهارب المضطر.
معنيون نحن بكم يا إصلاحيين رغم خطيئة الرياض التي لن تدفعنا لنقول: على نفسها جنت براقش.
فقط من إدراك لكون التضحية بكم لن تعيد إلينا وطننا، وهي ستقوي كل الجماعات على حساب التخلص من آخر أحزابنا السياسية الكبيرة.
لا تريد تركيا الانخراط في الاتحاد الأوروبي الا في نطاق التعرفة الاقتصادية ومحتفظة بشخصيتها الامبراطورية العثمانية، وواضح أنها تبني وجودها القوي على عاتق حلم النهوض الامبراطوري للخلافة ولا أحد أكثر جاهزية وإيمانا بهذا الحلم من الإخوان. ولروسيا نهوض امبراطوري يدين بتاريخ طويل من الصراع مع تركيا في شبه جزيرة القرم وحول البحر الأسود.
 لقد كانت روسيا وريثة الإمبراطورية الرومانية الشرقية الذي انتقل إليها بعد سقوط عاصمتها القسنطينة بيد محمد الفاتح، وبقيت روسيا ملتزمة بمهمة حمل هذا الإرث الامبراطوري وحارسة لتراث كنيسة الشرق الارثوذكسية، مضمرة رد الاعتبار.
ولقد ظهر في أكثر من برتوكول أن بوتين يتصرف كقيصر جديد معلنا تدخله في سوريا من الكنيسة وليس من الكرملين قائلا بالحرف "إنها روما الثانية "، يتدخل في سوريا وهو يحدق في أطلال الباب العالي التركي وفي أذنيه تتردد مقولة بطل رواية " الحرب والسلم " الجنرال سيتزيف: لقد جعلت الأتراك يأكلون خيولهم.
قطر تلعب منفردة مستقوية بتواصلها القوي والمباشر مع اسرائيل وبوظيفتها كوكيل متقدم لاحتواء الاسلام الراديكالي، ووسيط بين أمريكا وكل الجماعات التي يتعذر التواصل معها، يستضيفون قيادات طالبان وتتواصل مع جبهة النصرة وتنظيم الدولة تتفاوض على انسحابات تكتيكية وإطلاق رهائن.
 دور فاعل عجزت عنه الامارات والسعودية مما دفعهما لنقل التواصل مع إسرائيل للمستوى التالي، وفي سياق تنافسي تحتاج الاخوان الآن فقط، فقد عوقبت على تمردها الصغير وحظيت بالإسناد من تركيا وايرا بأن الصراع ليس بينهما الان، مبقية على الإخوان مؤقتا تكتيك فحسب بينما تحتاجهم تركيا استراتيجيا دون القدرة على حمايتهم. 
يبدو من المهم للغاية الآن رؤية حدود إيران من خلال خارطة تواجد جماعات الإسلام السياسي الشيعي في المنطقة، مضافا إليها الشيعة المتواجدين في حواف الدول أو داخلها، بمعنى أنه لا يمكن لإيران التقدم خطوة واحدة بعد المنطقة الشرقية للسعودية، ليبقى السؤال: كيف تصل إيران إلى الرياض أو القاهرة وعبر ماذا؟ بينما يمتد ما بين الرياض واسطنبول جسر من المؤمنين بحلم الخلافة وإن لم ينتظموا في كيان، ولقد وصلت الإسلاموية التركية إلى القاهرة دون جهد، فقط صعد الإخوان هناك ودخلوا قصر الرئاسة ولم يكونوا ليحقون مصر بتركيا لكن صعودهم مثل قيام الركيزة الأولى المساندة والجاهزة لدعم حلم النهوض التركي الإحيائي، ويمكننا فهم دافع المملكة وهي تزج بثقلها كله ضد الاخوان في مصر. وفي سياق المعركة ذاتها على مسارين، الأول ضد التنظيمات المساندة للحلم التوسعي التركي والثاني ضد الوعي السلفي داخل المملكة، ذلك الوعي الذي توقظه جملة قالها عبد الله غول عقب احباط الانقلاب الأخير واصفا الجيش التركي بأنه " جيش محمد.
يقوم اردوغان باقتفاء منابع استلهام حلم النهوض من تجربة وتاريخ إمبراطورية بلاده القومية المضمرة، والإسلاموية المعلنة دون أن يكون عليه الادعاء فهو يؤمن بالثنائية التركية الإسلامية التي قامت عليها أسطورة الترك، وللدرجة التي يقوم فيها بزيارة ممثلي مسلسل قيامة ارطغرل في موقع التصوير، ليس مدفوعا بنزوع درامي فني ولكنها عملية تحفيز دراما التاريخ. 
نحن أيضا لا نبني تصوراتنا على زيارة موقع تصوير ولكنه التقاط استلهامات رجال تركيا الأقوياء وكيف يفكرون، وكيف أن ما كان جيش أتاتورك قد أصبح بعد تنقيته " جيش محمد " إثر انقلاب فاشل تلمح فيه ظلال أذرع قوى عالمية، وتواجدا صريحا وصاخبا للإمارات، مدللة الغرب الصاخبة والمتحمسة لاستحقاق تسميتهم لها " اسبرطة الشرق الأوسط. "
لقد أخفقت الولايات المتحدة في العراق وتخلت لإيران المتواجدة هناك عن مستنقع النفط الهائل، بعد عملية " تجفيف المستنقع " الاسم الحركي لعملية عاصفة الصحراء ولقد تم تجفيف المستنقع من القوة السنية فقفزت القوة الشيعية الكامنة واستحوذت على مستنقع النفط في عملية غمر بمستنقع دم يصعب تجفيفه.
لقد دشن أوباما أول استجابة للتحول العالمي معتمدا في العراق سياسة الانسحاب والادارة من الخلف، وهاهم ينسحبون من سوريا، نعود لليمن موضوعنا، لندرك أن موقف السعودية تحديدا من الاصلاح ليس بالقدر من التبسيط واعتماد الحيثية الاسلاموية التركية، ذلك أن علاقة المملكة باليمن مختلفة من كونها جوهرية، وكذلك علاقتها بالإصلاح، الحزب الكبير الذي أرادته جماعة مسلحة ثم ارتبكت بشأن توظيفه ضد التهديد الحوثي ومحاربته في ذات الوقت ضمن محاربة التهديد التركي، ارتباك سعودي بشأن أولويات المخاطر في اليمن أفصح عن نفسه من خلال هذا الانفصام والتردد في التعامل مع أكبر مكون داخل الشرعية، الأمر الذي يدركه الحوثي ربما أكثر من غيره، وهو أن الإصلاح هو التنظيم الأكبر والأخير المتبقي من القوى اليمنية المنظمة جيدا والقادرة على مواجهته وإعاقته إن أفلتت من دوامة التوهان الشرعية، وإن لم يكن صراعا على المستقبل فهو على الماضي، الأمر الذي قد يدفع الحوثي بدلا من احتمال كلفة معركة قادمة مع الإصلاح، إلى استثمار لحظة الاصلاح المحبطة وتشوشه هذا للتلويح بالتقارب، والبدء بإطلاق إشارات، الأمر الذي سيبدو انتحارا سياسيا.
ما نحتاجه كيمنيين هو استعادة المسافة صفر مع بلادنا واستعادة ذاتنا، وفقا لخيارنا اليمني بعد هذا العنف والشتات. فقد كانت قطر قد كلفت بالدور الأكبر في مرحلة تقويض الجمهوريات العسكرية لتفصح الجماعات عن نفسها لتقوم الإمارات بمهمة الملاحقة كمرحلة ثانية مستخدمين قوة جماعات الاسلام السياسي الشيعي في هذه الملاحقة، ويفرغون بعدها لجماعات إيران، مسألة وقت.
للأمر علاقة بالتحولات الدولية وبسيناريوهات التدخل زمن صعود الإثنيات بعد الشروع في الانسحاب الغربي مستبدلا التدخل المباشر بالإدارة من الخلف عبر وكلاء محليين، ولقد اختلت المنظومة الغربية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبدأ الشرق يفصح عن نفسه من خلال استغلال الموارد وعلى طموح إحياء الامبراطوريات وصعود الإثنيات على أنقاض الجمهوريات الصغيرة.
تستجمع الصين قوتها وتنمو في اقاصي الشرق بصمت معتمدة الانتاج وسياسة المغافلة نائية بنفسها عن أي صراع جانبي، بينما تعتمد امبراطوريات المثلث على الصراع والمواجهات في عملية إحياء نهضوي يعتمد حرب الاسترداد على تخوم الجغرافيا ورمزيات الماضي
بوتين هناك يعلن روما الثانية، وأردوغان يرتدي خوذة محمد الفاتح ويحاول انتزاع رمزية وقيادة العالم السني من يد السعودية وتعلن إيران: نحن سادة البحار. ويمكن لسادة البحار تطويع نصر الله بسهولة فهو يدين لها بوجوده وبلا إرث سلطوي سابق بينما يتكئ الحوثي على ميراث ألف سنة.
لسيوران تفسير أخر للانشقاق الروسي ممثلا في البدء حالة مفارقة أرثوذوكسية ضدا للكاثوليكية الغربية في حالة من الإعلاء من شأن القومية الروسية في صراع إثني قومي جغرافي متنكر بالمذهبية، ويذهب سيوران لاعتماد الدافع القومي ذاته في تفسير الأيدلوجيا الماركسية باعتبارها إفصاح آخر عن تحد لهيمنة الغرب، ولكن هذه المرة برداء شيوعي تقمصت القومية الروسية السلافية معلنة امبراطورية الإتحاد السوفيتي الذي اندثر تاركا القومية الروسية ترتد لرمزية روما شرقية ثالثة. وفي حال استخدمنا منهج سيوران يمكننا فهم التشيع الإيراني بوصفه التنكر المذهبي في حالة تشبث باستقلالية القومية الفارسية وإحياء لإمبراطوريتها.
ينسحب الأمر على الأتراك أيضا، إسلاميون سنة مثلما هي إيران شيعية. إنهم إسلاميون بالقدر الذي يلزم فقط لإحياء السلطان التركي، وليس بيد إيران ما تحتاجه تركيا لاستكمال هذا الطقس القومي الإسلاموي ولكنه بيد السعودية، وتوشك الأخيرة على التخلي لحظة خسارة حلفائها وادعاء علمانية ساذجة. إنه صراع إثني إحيائي متنكر بالمذهبية، على ثنائية منابع الدين والنفط. فاسرائيل تراقب كيف ينهكون بعضهم وتحظى بانسحاب صورتها من ذهن المنطقة، صورتها القديمة تلك، بينما تحتفظ أمريكا وبريطانيا بحلفائها التقليديين، باحثة عن تحالفات جديدة، ومكاسب ليس من الانحياز لطرف ولكن من لعب دور الوسيط.
ومن هنا: فالأسوأ هو وضع اليمن ساحة خلفية لهذا الصراع ويوما ما سيحتاج اليمنيون لبعضهم رغم أنوفهم.
 




قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة