الثلاثاء, 28 يناير, 2020 11:00:00 مساءً

اليمني الجديد - محمد المياحي

هذه أول حلقة إذاعية أستمع عبرها لخديجة بن قنة، المذيعة التي كسرت فرضية أن الحجاب خانق لجمال المرأة، وأثبتت عكس ذلك.
 أول مرة أصغي لها صوتًا دون صورة، كانت تتحدث عن قضيّة "المهرة" فذهبت لمشاهدتها؛ بهدف تعرفي على مضمون الحلقة. كنت أصغي لها تنطق الكلمة؛ كأنها تنبجس من قاموس اللغة لأول مرة، كأني اكتشفت للتو أن هناك محافظة يمنية اسمها "المهرة"
 
بعض الشخصيات تتمنى أن تراها ولا تسمع صوتها وبعضهن تتمنى لو تسمعها ولا تراها، خديجة بن قنة، من النوع الذي يُشعرك بالحيرة ولا تدري فيم تفاضل، هل تصغي لها في الجزيرة صوتًا وصورة؛ فتأخذك بتلابيب وعيك وروحك أم تكتفي بسماع صوتها في برنامجها الإذاعي "بودكاست" كي توفر تركيزك لسحر النبرة دون أن تشتت انتباهك صورتها كامرأة فائقة الجمال والدهشة.
 
لطالما آمنت أن نبرة الأصوات الجذابة لها شفرة خاصة متصلة بالأرواح، ليست كل مذيعة قادرة على ملامسة أدق شفرات حواسك حين تصغي لها، تتفاوت جاذبية الأصوات في قوة الأثر الذي تتركه فيك، قدرتها على حمل المعنى وغرسه داخلك. لصوت خديجة تعويذة سحرية خاصة وفي صوتها حميمية نبوية نادرة، تسرقك منك؛ لتعيدك إليك، تزيل الصدأ عن "غشاء الأذن"، تنفخ فيك من روحها وتمنح الكلمات بعدًا دلاليًا ممتدًا وشاسعًا حين تنطقها
إنها مبعوثة سماوية لتمثيل الموهبة الجزائرية، قد تستطيع تفسير جاذبية ملامحها وكم هي شارحة للروح حين تحدق فيها، لكنك تعجز عن فهم الكيفية التي تعمل بها حنجرتها الصوفية الدافئة حين تصغي إليها، كيف يتشكل صوتها المخملي، كيف تنهبك حين تنطق، كيف يتحرك إيقاع الكلمات حين تسيل من فمها فتزيل الإرهاق عن روحك.
 
ليس كل مذيعة متمكنة في التلفاز يمكنها أن تؤدي نفس الدور وبجدارة في الراديو، يكفي مستوى جاذبية معيّنة؛ لتؤدي مذيعة التلفاز دورها بكفاءة وتلعب العناصر المرئية دورًا مكملًا، بخلاف الراديو حيث الصوت هو الرسول والرسالة، وحجر الزاوية في جاذبية المذيعة وابهارها.
 
عندما يتعلق الأمر بخديجة يتطابق أداءها وتبهرك في الحالتين، حين تشاهدها تبتسم كفتاة خجولة على الشاشة وحين تهمس لك من خلف حجاب. في الحالتين تشعر كما لو أن جبريل يتنزل عليك بوحي ويوقظ روحك فتكمل الإصغاء إليها، وتكاد تخرج للناس لتكاشفهم أنك ما تنطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى وربما أنك من أشياع خديجة، ممن اتبع هوى الصوت وآمن به وبها.
 
أقول في نفسي لو أن هذه المذيعة تخصصت في تقديم حلقات في علوم الفيزياء الحديثة، لأسهمت في تفكيك كثير من الغموض الذي يوجهه طلاب هذا التخصص.
 
يكفي أن يمنحها دكتورًا أوراق المحاضرات العلمية الخاصة به، ثم يجلس كتلميذ في قاعة الصف ويطالب خديجة بشرح الدرس بصوتها، ما إن ستمر الرموز الرياضية من حنجرتها، في الدقائق الأولى للحديث؛ ستتهلل وجوه الطلاب، سيزول الغموض، وتتحول المتراجحات الملغزة لتعابير أدبية شفافة تستلقفها أذان المستمعين وتستوطن أذهانهم للأبد. أنا على يقين أن ما يحتاج الدكتور لأربع ساعات في شرحه ستتولى خديجة القيام به في ربع ساعة تزيد أو تنقص قليلا.
 
وددت أن أحدثكم عن مضمون الحلقة، عن المهرة وأطماع الجارة الكبرى فيها، عن السلفيين ذوي الحناجر الغليظة والوجوه الموحشة الذين استأجرتهم الإمارات للعبث بالمهرة وأشار إليهم معد الفيلم في الحلقة، أردت إخباركم عن هذه الأشياء وأمور أخرى، وأخذني الحديث نحو خديجة وصوتها ونبرتها.
 
حسنًا، سأترك لكم الإصغاء إليها بأنفسكم، وستفهمون لماذا أخذ الحديث عن صوتها مساحة أكبر وسهوت عن المضمون، لم أسهو نسيانًا للمحتوى، بل سهو يقظة زائدة، وربما أني بحاجة للاستماع إليها مرة ثانية لأقاوم سحر الصوت وأكتب لكم عن مضمونه وربما لأستسلم له مرة ثانية.. فأنا رب الجمال وللمهرة رب يحميها.
 




الحرية