وزير الخارجية اليمني رئيس وفد الشرعية يصافح رئيس وفد التمرد الحوثي اثناء لقاء السويد

الاربعاء, 19 ديسمبر, 2018 12:04:00 صباحاً

اليمني الجديد - خاص
بعد كل اتفاق تتصاعد موجة التفسيرات وتبدأ معارك التأويلات المتعددة لبنود الاتفاق، وكعادة كل الاتفاقيات المطبوخة على عجل أو حتى تلك التي تأخذ وقتًا طويلا؛ كي تخرج للنور، تكون بنود الاتفاق فضفاضة وحمّالة أوجه، وهو ما يجعل منها مادة خصبة للمقاربات المتناقضة وكل طرف يفسرها بما يصب في صالحه؛ لكن المشكلة لا تكمن في رغبة كل طرف في استدعاء تأويلات تثبت نجاحاته أمام أنصاره، إنما يكمن الخطر في بقاء بنود الاتفاق قابلة للتلاعب بها حسب رغبة الجهة الراعية لسريان الاتفاق وبما يحقق مصلحتها في إثبات نجاحها أيضًا، إذ لا يوجد صياغة دقيقة لبنود الاتفاق تمنعها من التواطؤ مع هذه الجهة أو تلك، ومع كونها تحرص باستمرار على طمأنة الجميع بأن تنفيذ الاتفاق سيكون بالشكل الذي يصب في صالح الشعب ككل، إلا أنه لا يوجد ما يضمن ماهية هذه المصلحة وعلى ماذا تستند، ذلك أن إجراءات تنفيذ الاتفاق يتضمن ما يناقض مرجعيات الحوار المفترضة، ومسوّدة الاتفاق مليئة بالألغام التي تهدد بنسف الاتفاق من جذوره وحتى لو لم ينهار الاتفاق فإن تطبيقه بهذا الشكل يؤكد وجود تجاوزات واضحة لمرجعيات الحل المتفق عليها. وهذا ما يجعل الاتفاق مغارة سوف تنتهي بابتلاع الشرعية بكاملها.

الخطر الأول: تآكل شرعية الحكومة

من الواضح أن تشابك ظروف دولية وإقليمة معينة كانت وراء انجاز اتفاق السويد، وأمام هذا المزاج الدولي تمكنت الأمم المتحدة عبر مندوبها الحالي من استدراج الشرعية_ مستغلة رغبة حلفاءها من تخفيف الضغط الذي يتعرضون له_ للخروج بهذا الاتفاق، حيث وإن كان الاتفاق ذو صبغة إنسانية بالنظر للملفات التي أنجزها، إلا أنه شكل اختراقًا لأهم أوراق الحكومة اليمنية، متمثلة في شرعيتها، فمجرد أن قبلت الحكومة بدخول طرف ثالث يدير بعض الملفات المتنازع عليها ومنها موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى فإن الإجراء يشكل خلخلة لشرعية الحكومة وهو ما يمهد الطريق لتجاوز هذه الورقة في جولة المفاوضات القادمة.
هذا الأمر لم يكن إجراء عاديًا بالنسبة لوفد جماعة الحوثي الانقلابية، حيث صرح عضو وفدها، أمين مغلس لصحيفة "لا" المؤيدة للانقلابين في صنعاء بالقول: أن الاتفاق كسر المعادلة الدولية التي ظلت سائدة طيلة أربعة سنين من تعامل المجتمع الدولي مع القضية اليمنية على أساس طرف شرعي وطرف متمرد، حيث أن اجراءات الاتفاق وإن لم تنص على ذلك إلا أنها عمليا أعادت تعريف الصراع على أنه بين طرفين وذلك من خلال التعامل مع الطرفين من مستوى واحد، هذا التصريح يبدو منطقيا بالنظر لإجراءات الاتفاق المتعلقة بالانسحاب والقبول بتسليم الميناء لجهة دولية.

خطر تجاوز الصفة الشرعية مستقبلا

إلى جانب الخطر الذي رسخته نتائج مشاورات السويد في تعاملها مع الحكومة كطرف من أطراف الصراع دون اعتبار لصفته القانونية المعترف بها والتي يتوجب مراعاتها في إجراءات الحل، فإن هذا التجاوز لا يكمن خطره بشكل كبير في الاجراءات التي تمت فحسب؛ بل أيضا في الاجراءات المقبلة والتي سوف تتضمن انسحاب المليشيا من المدن وتسليمها للسلاح، فإن كانت إجراءات الحديدة قد تعاملت مع مليشيا الحوثي كتعاملها مع قوات الحكومة وألزمت الطرفين بالإنسحاب فإن الاجراءات المماثلة في جولة المشاورات الأخرى سوف تتبع سيناريو مشابه يقضي بانسحاب قوات الحكومة من كل مناطق الاشتباك أو على الأقل التعامل معها بنفس منطق التعامل مع قوات الانقلابين وفق صيغة حل تدمج القوتين معا، وهذا ما يعني نزع الشرعية عمليًا عن الحكومة وحقها في استلام المدن سلميًا وحمايتها بعد أن كانت تخطط لاستعادتها عسكريًا. وبالمجمل فإننا سنكون أمام صيغة حل تكرس الوجود العسكري الانقلابي وهو وجود لا يمثل حجم الجماعة وإنما يعكس حجم مبالغ فيه وناتج عن نهبها للمخزون العسكري لجيش البلاد السابق. الأمر الذي يؤسس لدولة مختلة تقوم على موازين القوة العسكرية التي خلفها الصراع وليس على أسس حل ضامنة لمستقبل سليم يرعى مصالح الشعب كله.
 
خطر الواقع الأمني في الحديدة

كان من ضمن نقاط الاتفاق التي صيغت بطريقة مطاطية بل وغامضة، هي المسألة المتعلقة بالقوات الموكل إليها حفظ الأمن في المدينة بعد انسحاب الحوثيين منها، حيث أن مسودة الاتفاق قالت بأن الأجهزة الأمنية موكلة بحفظ الأمن في المدينة حسب القانون اليمني، ومن المعروف أن مليشيا الانقلاب التي أسقطت الدولة سيطرت على كل أجهزتها وأول هذه الأجهزة هو جهاز الأمن الذي صار تابعًا لها بالكامل، ناهيك عن أن المليشيا لم تكتف بخضوع جهاز الأمن لها بل عملت على تدجينه بالكامل ولم يسلم مركز شرطة واحد من الهيكلة وإعادة صياغته ليحتوي عناصرها مما يسمى بالمشرفيين الأمنيين، ومع أن الاتفاق نص على انسحاب المشرفين إلا أنه لم يلزم المليشيا بسحب كل العناصر الأمنية المستحدثة بعد انقلابها، واكتفى بالنص على سحب المشرفين فقط.
 
هذه النقطة خضعت لتأويلات متضاربة فبينما صرح مسؤولي الشرعية ومنهم وزير الخارجية بالقول أن قوات الأمن التي أوكل لها الاتفاق حفظ الأمن في الحديدة هي القوات التي كانت قائمة قبل الانقلاب الحوثي عام 2014 إلا أن الطرف الحوثي أصر على القول أن السلطات الأمنية المحلية في الحديدة هي المكلفة بحفظ الأمن. جاء هذا في تصريح محمد عبد السلام عقب الاتفاق بأيام، وحتى اللحظة لا يوجد ما يحسم هذا الجدل سوى ما ستقرره الأمم المتحدة عبر اللجنة المشتركة التي ستشكلها خلال الأيام القادمة بخصوص المسألة الأمنية.
وبعيدا عن هذا الجدل؛ فإن المثير للحيرة هو هذه الخفة والتساهل في طريقة صياغة مسألة حساسة كهذه دون توضيح دقيق لها يقطع الطريق على أي تأويلات مثيرة للجدل، وربما كانت صياغة متعمدة؛ لتمكن الطرف الراعي من التلاعب بالموضوع أو حسمه عبر استدعاء قوات أممية للإشراف على المسألة. ومهما كانت النتيجة التي سيرسو عليها الملف الأمني؛ فإن بقاء جهاز الأمن خارج التنسيق مع وزارة الداخلية التابعة للحكومة هو أيضا نوع من مصادرة شرعية الوزارة ضمن مسلسل التجاوز الذي رسخه الاتفاق تجاه شرعية الحكومة ككل.
 
 
 خطر الإدارة الأممية لمواقع سيادية في البلاد
 
بالنسبة لمسألة الموانئ، فإن القضية باتت أمرا واقعا وكل المؤشرات تؤكد ذهاب الأمور باتجاه تسليم كامل لموانئ المدينة لجهة دولية، وإيرادات الموانئ سوف تورد، للبنك المركزي في الحديدة، وبما أن الطرفين لم يتفقا على قضية البنك المركزي الموحد ولا رواتب الموظفين فإن إيرادات الحديدة ستظل تصب في جيوب الحوثيين. ومن هنا فإن الحوثي لم يخسر الميناء هو فقط سلمه إداريا بأشراف أممي مع احتفاظه بحصد ثمرته.
 
من جانب أخر فإن دور الأمم المتحدة في التفتيش والرقابة والاشراف لم يحدد بزمن معين بما يعني أنها مهمة مفتوحة، وهي مهمة تضع سيادة البلاد على المحك لجانب أنها تؤمن مخاوف المجتمع الدولي وتجعله غير مهتم للصراع لاحقا طالما ومكامن الخطر التي يخشاها صارت تحت سيطرته، فإن كان الحوثيون يسيطرون على الميناء سابقا والصراع على سيادته يجري بين حكومة شرعية وجماعة متمردة وممكن استعادته في أي لحظة، إلا أنه الآن صار خارج سيادة الحكومة ولأجل غير مسمى، وحتى لو افترضنا أن الاتفاق فشل وتجدد الصراع فليس بمقدور الحكومة استعادة إدارة الميناء بسهولة.

الخلاصة:

لم تكن الحكومة الشرعية يقظة بما فيه الكفاية كي تتنبه لكثير من المزالق التي أسس لها الاتفاق أو تسبب بها، فشرعيتها صارت أمرا قابلا للتحايل عليه ومرجعيات الحوار لم تكن ضابطة لنتائج المشاورات وموانئ البلد صارت تحت إشراف دولي يصعب إنهاءه بسهولة، وبالمقابل فالمليشيا لم تخسر الكثير ولا يوجد ما يضمن إخضاعها للمرجعيات في جولة المفاوضات المقبلة، وعلى كل حال، لم تبق للحكومة من شرعيتها سوى الإسم والصفة وربما تفقدهما في الجولة القادمة إن لم تحاول التمسك بهما والمناورة بشكل مختلف، أكثر يقظة وأكثر استشعارا لخطورة أي اتفاق خارج محدداته الضامنة لموثوقيته.. 



قضايا وآراء
انتصار البيضاء