أمهات المختطفين تكشف عن تعذيب مروع لسجينات بمركزي صنعاء     وفد إماراتي إلى اسرائيل وتنقل للأفراد بدون فيزا     اليمن تعترض لدى مجلس الأمن حول إرسال إيران سفيرا لها إلى صنعاء     الحوثيون يشيعون قيادات عليا في قواتهم بعد مصرعهم بعدد من الجبهات     مليشيا الحوثي تقوم بدفن عشرات الجثث دون الإفصاح عن هويتها     بنات عدن يخرجن بصحبة أقاربهن بعد تزايد حالات الاختطافات     إذا كانت السعودية الحليف فلا غرابة بوصول السفير الإيراني إلى صنعاء     فضيحة تلاحق وزير التسامح الإماراتي بعد اعتدائه جنسيا على مواطنة بريطانية     تقرير يوثق تجنيد الحوثيين 5600 طفل منذ بداية العام     مأرب تستقبل الأبطال من الأسرى والمختطفين المحررين من سجون الظلام الحوثي     استئناف محاكمة أحد أشهر العلماء والمفكرين في السعودية     الصليب الأحمر يعلن اختتام صفة تبادل الأسرى فماذا قال؟     أسماء الخمسة الصحفيين الذي تم الإفراج عنهم اليوم في صفقة التبادل     بن دغر يؤكد على ضرورة تنفيذ اتفاق الرياض بشقيه العسكري والسياسي حزمة واحدة     اليمنيون يحيون ذكرى الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر في ماليزيا    

الثلاثاء, 19 يناير, 2016 07:18:13 مساءً

المتأمل في مسيرة التكفير والتفسيق في التاريخ الإسلامي، يجدها ابتدأت بصورة واضحة لدى الخوارج الذين قالوا بكفر مرتكب الكبيرة، وتنامى بصورة أكثر عند من عرفوا بحنابلة بغداد في العصر العباسي، وخاضوا جدلا كبيرا بهذا مع خصومهم. ثم خفت هذا الصوت فجأة وبقي حالات فردية من بعض الفقهاء المتطرفين، خلال القرون التالية لهم، حتى جاءت الوهابية النجدية الحديثة والمعاصرة، وأحيت الفكرة كتيار، كما كان الخوارج قبلهم؛ بل وأشد. وفيما بين الخوارج والوهابية بعض من غلاة الهادوية الذين لا يقلون تطرفا عن خصومهم الذين يصمونهم بالتكفيريين، مع أن التطرف نتاج عاهة نفسية في حد ذاته، وسواء كان هذا الشخص في اليمين أو في اليسار فلن يكون إلا متطرفا أينما ذهب، حسبما يشير إلى ذلك "إيريك هوفر" في "المؤمن الصادق" 

ولم تكن الهادوية بأقل حدة ـ في هذا الأمر ـ من الخوارج أو الوهابية، فلقد كفَّرت الآخرين أفرادا وجماعات بصورة لا نظير لها لدى كل الجماعات الإسلامية، وإذا كانت الوهابية تبدأ من التبديع أولا، فالتفسيق ثانيا،ثم التكفير أخيرا، فإن الهادوية لا تبديع لها ولا تفسيق، فالتكفير لديها أولا وثانيا وثالثا! ذلك لأن الهادوية الفقهية هي توأم الهادوية السياسية من لحظة الميلاد، توأمان لا يفترقان، خلافا لبقية الفرق الإسلامية الأخرى، سواء ما لحق منها بقصور الحكم، أو اتخذ منها موقفا، فليس بينها وبين السلطة كل ذلك التلازم الوثيق والتوأمة المقدسة، كما هو الشأن بالنسبة للهادوية، ولذا تجد بعضا من أدبيات الفقه السُّني تحذر العلماء من مخالطة الحكام والأمراء، وتدعو للابتعاد عنهم، وعدم زيارتهم أو الاحتكاك بهم، لأن ذلك يُنقص من عدالة العالم أو الفقيه، في الوقت الذي لا نكاد نجد ذلك في أدبيات الفقه الهادوي، لأن الهادوية هي الفقه، وهي السياسة معا!
وإذا كان قد حصل تسييس للدين من قبل الحكام السُّنيين، وعلى طريقتهم، فإن الهادوية قد عملت على تديين السياسة، وعلى طريقتها أيضا، وبالتالي فلم يعد الدين دينا، كما لم تعد السياسة سياسة!
"..إن الفقه السياسي طغى على الفكر السياسي عن طريق تديين القضايا، بحيث لم يعد للفكر دور بعد أن أصبحت هذه القضايا دينية لا اجتهاد فيها. ولأن الفقه قد أصبح في مفهوم الأكثرية هو الشريعة، فقد كُتب للفقه ـ بقوة الدول المتعاقبة ـ أن يتربع على العرش، فيملي تاريخه السياسي. وهذا أصاب الفكر السياسي بجدب واضح" 
ومن هنا جاء التكفير، وجاءت المواقف الحدية القاطعة من الآخر المخالف، ولو لأصغر المسائل التي تُعتبر من ترف الكلام، أو لمجرد المعارضة السياسية التي لا ترقى لمرتبة تهديد كرسي الحكم؛ أما ما لامس كرسي الحكم، ففيه الإخراج من الملة، وربما من الإنسانية، وكتب التاريخ مليئة بالكثير من هذه الشواهد، وهي فوق أن تحصى..
المؤسف أننا منذ عصر صدر الإسلام وإلى اليوم لا زلنا نرسف في ذات القيد، وندور في الحلَقة الُمفرغة التي لم نستطع تجاوزها أو الخروج منها أبدا، وهو ما ترتب عليه عقم الفكر، وعقم السياسة وعقم التجديد الحضاري لمشروع عالمي تجمَّد عند نقطة البدء، وتسمرت بوجهه دورة التاريخ!
"كانت نتيجة السيطرة الفقهية المباشرة أن تشكل في تاريخ الفكر الإسلامي منعطف حاد، لم يحظ بدراسة موضوعية. هذا المنعطف تمثَّل في سحب السياسة من مجالها الإنساني، كنظرية قابلة للتطور، إلى مجالهاالفقهي كعقيدة ثابتة لا تقبل تطويرا. مع العلم بأن ما اعتبروه فقها دينيا هو في الحقيقة فقه طائفة من علماء التسلط، اكتسب قداسة بفعل التسلط نفسه، ثم حل محل الأصل" 
يذكر علي بن محمد العلوي، صاحب سيرة الإمام الهادي، وابن عمه عن الهادي أنه سمعه يوما يقول: "والله لو كان معي ثلاثمئة وثلاثة عشر مؤمنا، لا، بل لو كان معي خمسمئة لدُسْتُ بها اليمن" وأيضا: "لو كان معي ألفا راجل وخمسمئة فارس مؤمنين صابرين لدوخت بهم عامة الناس" 
وقد قال: "إن سأل سائل فقال: من أين زعمتم أن الحق في أيديكم دون غيركم، وجميع من خالفكم يدعي مثل ما ادعيتم؟ قلنا له: إن أقرب الأشياء عندنا الذي علمنا به أنا على الحق، ومن خالفنا على الباطل، وأن جميع فرق الأمة بجملة قولنا مصدقون، ونحن لهم فيما انفردت به كل طائفة منهم مكذبون، وهم فيما ندين لله به من أصول التوحيد والعدل وإثبات الوعد والوعيد والقول بالمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصدقون. 
مضيفا: "هذا ديننا ونِحلتنا، والطيبون من آل محمد قادتنا، فمن وافقنا على هذا فهو ولينا، ومن خالفنا فهو عدونا، والله ولي المؤمنين وعدو الفاسقين" 
وكما ذكر ابن عمه وكاتب سيرته: "فإنه عند وصوله البلد قد كتب إلى أهل اليمن جميعا كتاب دعوة يدعوهم فيه ويحضهم على الجهاد معه" 
ومن المعلوم أن الجهاد لا يكون إلا ضد الكفار لا ضد المسلمين؛ وبشروط محددة، ذكرها الفقهاء في كتبهم، وهي كثيرة وصارمة، فهل أهل اليمن كفار حتى يعلن الجهاد ضدهم؟! ولمَ تلك القصائد الشعرية التي نظمها الإمام الهادي فيهم من مثل؟:
خانوا الإله وعطلوا أحكامه فمتى أرى البيض البواتر ترتع
فيهم بتدمر وقعة في وقعها فيها رؤوسهم تُحز وتُقطع
حتى يجازوا بالذي قد قدموا مثلا بمثل، والأنوف تُجدع 
وأيضا قوله:
وقلت ألا احقنوا عني دماكم وإلا تحقنوها لا أبالي
ولست بمسرع في ذاك حتى إذا ما كفر كافركم بدا لي
وحلت لي دماؤكم بحق وإخراب السوافل والعوالي
وقطع الزرع واستوجبتموه بما قد كان حالا بعد حال
فقمت عليكم حقا وقولي بذلك قد يصدقه فعالي
وقد كنتم زمانا في فساد وإدغال وخدع واحتيال
وقلتم إنه يخفى علينا فقد ذقتم به شر الوبال
وإن صرتم إلى محمود حُكمي وصيَّرتم بغيركم اشتغالي
سلمتم من صروف سجال حربي وما زلل الحروب بمستقال
أنا الموت الذي لا بد منه على من رام خدعي واغتيالي 
وقد مضى جل وقته منذ بايعه اليمنيون محاربا لهم ببعضهم، وبجنوده الذين جاءوا معه من الرس، مستغلا جهل الأتباع وإخلاصهم له ولفكرته الجديدة، القائمة على أساس ديني حد توهمهم. فقاتل بهؤلاء الأتباع آل الدعام وهمدان وأرحب وخيوان ونجران وشبام وآل يعفر وبني الحارث وتهامة وغيرهم.. 
وإلى جانب تكفيرهم فقد استحل أموالهم وأعراضهم، وهي نتيجة طبيعية للتكفير، وفقا لأدبيات الفقه التقليدي، أو بالأصح الفقه الحربي الذي أسسه فقهاء "ساديون" من مختلف المذاهب والجماعات لا علاقة له بالإسلام ولا بمقاصده العامة وأخلاقيات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه وبعض الفاتحين المسلمين؛ إذ الغنائم "الفيد بلغة هذه الهضبة" التي تصاحب أي توسع حربي تُعتبر من المكتسبات الشرعية للإمام وجنده من وجهة نظر الفقه التقليدي الحربي، عند السنة والشيعة على حد سواء!! 
يروي ابن عمه وكاتب سيرته قصة قتاله لبني الحارث، فيقول: ".. ثم انصرف إلى القرية في آخر النهار، فأمر بالقتلى فجُمعت، ثم أمر بتعليقها في الشجر، فعُلّقت منكّسة، في كل شجرة جماعة، مؤزرين بالخِرق والشِّمال، وأقام بالقرية ثلاثة أيام أو أربعة، ثم إن القرية أنتنت نتنا شديدا، حتى لم يقدر أحد على أن يأكل لحما، فأتت بنو الحارث إلى الهادي إلى الحق، فقبّلوا رأسه ورجليه ويديه، وسألوه أن يهب لهم جيف إخوانهم، فيدفنوها في البئار والحُفر، فأبى ذلك عليهم، فلم يزالوا به حتى أجابهم، وذكَّرهم بما كان قال لهم، فطُرحت الجيف في بئار خراب، وحُفر كانت خارجا من القرية"!! 
مضيفا أيضا عن قصة خروج الهادي إلى نجران، وغزوه بني الحارث: ".. ثم مضى بعسكره جميعا، حتى نزل بموضع يُقال له قرقر، قريبا من قرية الهجر، فأقام بها، وكل يوم يغدو عليهم جماعة من العسكر، فيتعرضون بهم، فلا يبرز إليه منهم أحد، إلا أنهم يلاقونهم إلى الدرب، فلا يزال القتال بينهم، والعسكر في ذلك يقطعون نخيلهم، ويهدمون حصونهم، واجتمعت بنو الحارث في قرية الهجر، وفي ميناس، وقرقر بينهما، وعسكر الهادي إلى الحق تعدو، وجميع أسواق بني الحارث، فيهدمونها، ويغنمون ما فيها" 
أما عن قرية أخرى اسمها "علاف" فقد ذكر كاتب سيرته ما نصه: "فلما خرج القوم من علاف وملكها الهادي، وهدمها وحرقها وأمر بنهبه، وأخذ أصحاب الهادي يومئذ من النميص أثاثا عظيما، وسلاحا ومتاعا، وأمر بقطع الأعناب فقطعت، ووقف الهادي في علاف، يومه إلى وقت العصر.." 
وقال عن غزو الهادي وجنوده لقرية اسمها "أملح" ضمن غزواته: ".. ومضى العسكر كله حتى نزلوا قرية أملح، ونهبوا ما وجدوا فيها، وأقاموا أياما يخربون المنازل والآبار، ويقطعون النخيل والأعناب، والقوم في ذلك يطلبون الأمان، وهو كاره لذلك، بما يعلم من شرارتهم، وقلة وفائهم، وهو يتنقل في قُراها، ويخربها قرية قرية، حتى طرحوا عليه بأنفسهم، فآمنهم، ورجع إلى صعدة بعد مكابدة شديدة لهم" 
وعن بلاد وائلة حين وصلها يقول كاتب سيرته: "فنهب العسكر ما وجدوا فيه من مال وغيره، فقطع أعنابهم وخربها، ثم تقدم إلى موضع آخر، يقال له المطلاع، ففعل كما فعل بكتاف، ثم أقبلت إليه وائلة بسمعهم وطاعتهم، وطلبوا منه الأمان فآمنهم" 
أما آل طريف، فقد ألقى بكبار رجالهم ورؤسائهم في السجن بعدما دعاهم إليه، وكبلهم بالأغلال، وأخذ سلاحهم ودوابهم، ففرقها بين الطبريين! 
وضمن حوادث سنة 295هـ، يورد يحي بن الحسين مانصه: "فيها خالف بنو الحرث بنجران، وهمُّوا بقتل محمد بن عبيدالله، عامل الهادي على بلادهم، فخرج إليهم الهادي عليه السلام، فقتلهم، ونهب أموالهم، ودمَّر منازلهم، ورجع إلى صعدة، وترك عصابة مع عامله المذكور" 
وللقارئ أن يتخيل كل هذه الوحشية والدمار والخراب والقتل، ثم ليقارنها بما كتب الكاتب نفسه أيضا مادحا الهادي: "ما كنا ننزل منزلا إلا خرج يحي بن الحسين حتى ينتزح منا ساعة، ثم يبكي وينتحب، كما تنتحب المرأة الثكلى، على الإسلام وعلى الأمة الضالة المضلة، وكان يدعو أصحابه ويعظهم ويعلمهم شرائع دينهم.." 
ومما ينبغي التوقف عنده هنا هو ما أشار إليه الإمام الهادي في شروط الإمام؛ حيث يجب على الإمام ـ أي إمام ـ عدة شروط، ومنها أن يكون "بذولا، سخيا، رؤوفا بالرعية، متعطفا، محسنا، حليما، مساويا لهم بنفسه.." 
وفي عهد حكم بيت شرف الدين، وتحديدا في عهد المؤسس الأول لها المتوكل يحي شرف الدين، أقدم قائد قواته، ابنه المطهر بن شرف الدين على ارتكاب المجازر المروعة، حيث قطع الأيدي والأرجل من خلاف، وقتل الأسرى، كما فعل مع أسرى بلاد عنس وخولان؛ بل لقد خالف أحكام الشريعة والأعراف السائدة حين أقدم على قطع أيدي وأقدام ثمانين رهينة كانت تحت تصرفه بسجن القلعة، عقب انتفاضة قبائل خولان ضده من الأطفال المودعين لديه رهائن!
وكذا فعل مع قبائل من سحار وعمار ويام وعبيدة ووادعة في واحدة من أشهر وقعاته الحربية معهم؛ حيث قتل منهم في معركة واحدة ألف قتيل، وأسر ستمئة أسير، ثم أمر المطهر بالأسارى، فضُربت رقابهم عن آخرهم. 
أما مدينة عمران فقد دخلها محاربا أهلها حين حاربوه، قَتَل فيها من قَتل، وأَسر من أَسر "وعاد وقد تركها أطلالا دارسة، وخرابات عابسة، وغنم فيها سلاحا ونقدا وبقرا وغنما وخيلا" وقد بُنيت لأول مرة بعد هذا الخراب سنة تسعمئة وتسعين للهجرة، على يد الأمير سنان الكيخيا!!
وذات الأمر جرى في معاركه مع الطاهريين، سنة 941هـ، حين واجه جيوشهم بقيادة الشريف يحي السراجي، حيث "أُسر السراجي، ثم ضُربت عنقه، وقيل تم ذبحه ذبحا "وكان عدد القتلى من جيش عامر ثلاثمائة، والأسرى ألفان وثلاثمئة، وكان المطهر راكبا بغلته ورجاله يأتون إليه بالأسرى أفواجا، فيأمر بذبح كل زمرة لوحدها حتى غطى الدم حوافر بغلته، وبذلك بلغ عدد القتلى ألفا وثلاثمئة، وعند الانتهاء من عملية القتل الجماعي أمر بأن يحمل كل أسير رأس قتيل من رفاقه، وأشار بأن يسيروا حفاة الأقدام إلى صنعاء، إلى مقر والده الإمام يحي شرف الدين، فوصل الموكب في العشر الوسطى من جماد الأولى من السنة المذكورة، وكان لوصولهم صنعاء موقع عظيم، فطاف الأسرى بالشوارع والأزقة حاملين رؤوس زملائهم، ثم أمر الإمام بأن يتوجهوا بتلك الحالة إلى صعدة، أما الشريف يحي السراجي الذي وقع أسيرا فقد أمر المطهر بذبحه.." 
ولك أن تتخيل أن المطهر نفسه قد انقلب على حكم أبيه في حياته، وأرسل جنوده لقتال والده، والقبض على من تبقى من جنوده وأتباعه، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وضرب العملة باسمه، بعد أن أجبر الناس على الدخول في طاعته! 
وقد استولى حتى على أوقاف المدرسة العامرية برداع وغيرها من المدارس المنصورية والمجاهدية وصادر أملاكها لصالحه الشخصي، وهي الموقوفة على المدرسة من أيام الطاهريين والرسوليين، الذين أوقفوا الإقطاعيات المهولة للصالح العام ولخدمة المرافق التعليمية والدينية؛ بل لقد بلغ أنواع الوقف في عهدهم ثمانين نوعا، منها أوقاف للحُمر للعرجاء، وأوقاف للقطط الشاردة، ولحمَام الحرم. ولمن أخطأ من العبيد فكسر إناء سيده! 
ومن أبشع ما تم ارتكابه وانتهاكه بحق الآخر، ما ذكره العلامة المقبلي في "العلم الشامخ" وهو يتحدث عن ملوك الهادوية " أن بعض أئمتهم استولى على بلد إمام آخر، معارض له، فاجتمع مع علماء دولته، وحكموا ببطلان عقد الإمام المغلوب على زوجته، لأن شهود العقد فسقة، لبغيهم على الإمام، أو لغير ذلك، ثم تزوج بزوجته تلك..." 
وقد أصبحت تلك الأعمال ـ على بشاعتها ـ أنموذجا يَقتدي بها الخلف عن السلف، وحجة لمن لا حجة له، وكلهم بلا حُجج، وأية حجة لمن يستحل دماء الناس وأموالهم وأعراضهم؟! 
فهذا الإمام القاسم بن محمد بن علي ـ مؤسس الدولة القاسمية ـ يستشهد بما فعله أجداده الأوائل حين لَامَه بعضُ الناس على ما ارتكبه بحق مواطني عصره، قائلا: "..فإن الإمام إبراهيم بن موسى بن جعفر أخرب سد الخانق بصعدة، وكان يسقي لطائفة من الناس.. وكذلك الهادي عليه السلام، قطع أعناب أملح ونخيلها من بلاد شاكر، وفيهم مثل ما ذكرت. وكذلك أيضا قطع أعناب حقل صعدة بوادي علان ونخيل بني الحارث بنجران، وولده ـ الناصر عليه السلام ـ أخرب أرض قُدَم كلها، ولم يسأل عن بيت يتيم ولا أرملة ولا ضعيف. وفي سيرة الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام أنه أخرب العادية من بلاد ظُليمة، وأشياء مذكورة. وكذلك الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان عليه السلام أخرب صعدة القديمة، وغيرهم من سائر الأئمة عليهم السلام. والإمام المنصور بالله عليه السلام نص على ذلك نصا، وإمامنا الإمام الناصر لدين الله ضرب قرية في الكرش يقال لها الجند والعصرة في بني محمد وعزان بني أسعد وماهر في بلاد المداير، ولم يسألوا عن بيت يتيم ولا أرملة، واحتج الإمام الحسن عليه السلام على ذلك بقوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" وهي حجة الأئمة عليهم السلام.." 
وإلى جانب هؤلاء فقد كفَّر الصوفية واستحل دماءهم، كما ورد في واحدة من رسائله، يقول عنهم، محرضا الناس عليهم: ".. فالواجب على المسلمين استباحة دمائهم وأموالهم؛ لأنهم كفار مشركون؛ بل شركهم أعظم وأكثر؛ لأن المشركين الذين كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يجاهدهم يقرون بالله ويجعلون له شركاء، وهي الأصنام، وهؤلاء لم يجعلوا إلههم إلا الحِسان من النساء والمُردان.." 
وذكر الحرازي في تاريخه عن الإمام حسين بن محمد الهادي أنه كان عالما متفقها، ملما بالكتاب والسنة والقياس.. إلخ، يقول: ".. واستدل بأن الإمام الأعظم، مولانا أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، باب مدينة علم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، قتل الأسارى في يوم الجمل، وفي أيام صفين.. أجهز على الجريح، وقد كثرت الروايات عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه ألا يُقتل مدبر، ولا يُجهز على جريح، واستدل بقتل الأسارى في يوم بدر.. وكذلك أورد جوابا على ما يؤخذ من أرباب الأموال غير الزكاة، وأورد في ذلك صحة قياسات ووقائع من المتقدمين من الأئمة مختلفات، وذلك مثل المعونات والضيافات وغيرها.. وكذلك في جواز خراب دار اليتيم والأرملة من جملة غيرهم، واستدل بقياسات كما تقدم. وكذلك أجاز الشَّنْق والسمل لمن رأى الإمام فيه مصلحة، وكذلك في مزمار الطبلخاناة، وهي النوبة المعروفة، أجاز لذلك للإرهاب.. وكذلك في جواز دخول الجُند بيوت الأوقاف، وكذلك في تأليف بني هاشم والتحيُّل لأكل الزكاة، وأورد في ذلك وقائع مختلفات وأدلة. وكذلك في تبيين المانع من تسليم الزكاة للإمام وسبْي ذُريته..." 
كما كتب الإمام القاسم كتابا إلى أحد أتباعه وفيه: "وكذا إذا تفضلتم أن تتقدموا إلى حجور وتخربوا بيت ابن عرجاش، وتنهبوا ماله، وتأخذوه خاسئا حسيرا ذليلا، خاسرا في الدنيا والآخرة، وأنتم تقدرون على ذلك" 
وأيضا: "وكذلك أخربوا أموال أهل بيت مأخوذ، وبيت جحوش وسحنة، أقماهم الله، "أحرقهم" وبعَّدهم من رحمته، وأسكنهم النار، بحق جدي محمد رسول الله" 
وعن الأموال التي كان يغتصبها الأئمة وعمالهم ما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله عن الإمام الناصر محمد بن أحمد بن الحسن، بقوله: "والحاصل أنه ملِك من أكابر الملوك، كان يأخذ المال من الرعايا بلا تقدير. وكانت اليمن من بعد خروج الأتراك منها إلى أن ملكها صاحب الترجمة مصونة عن الجور والجبايات، وأخذ ما لا يسوغه الشرع، فلما قام هذا أخذ المال من حله وغير حله، فعظمت دولته، وجلّت هيبته، وتمكنت سطوته، وتكاثرت أجناده، وصار بالملوك أشبه منه بالخلفاء.. وكان سفاكا للدماء بمجرد الظنون والشكوك" 
وقد عمد إلى تخريب دور أهل الحيمة وخولان وقطع أعنابهم وأشجارهم، لأنهم ناصروا منافسه يوسف المتوكل. وأمر قائد جنده صالح بن هادي حبيش بتخريب مدينة حوث، فخربها.
والواقع أنه وأمثاله من الأئمة والولاة والأمراء قد صدق فيهم قول العلامة ابن الأمير: 
فلو يُعبد الدينار صلوا لأجله وصاموا وقالوا: أنت رب العوالم
ومن ضمن سادية الإمام يحي وعنصريته أن حارب التجار من أبناء اليمن الأسفل "الشوافع" ـ حسب تعبير الكُتَّاب الأجانب الذي كتبوا عن تاريخ تلك المرحلة ـ واحتكرها على نفسه وبعض شركائه، على الرغم من عراقة هؤلاء التجار في هذه المهنة، لارتباطهم بالموانئ التي تقع في مناطقهم، ولارتباط التجارة أيضا بالروح السلمية نفسها لدى هذه البيئة وذاك المجتمع الذي يمقت الحروب وثقافتها، ويحترم التجارة والعمل. فقد صادر تجارة هؤلاء وشارك البعض الآخر تجارتهم بلا وجه حق، معينا عليهم عمالا من ذويه ومن حاشيته، يمارسون ـ بدورهم ـ نهبا وسطوا لا يقل وحشية عن نهب وسطوة الإمام نفسه بصورة مستفزة، خلق بهذا السلوك تذمرا واسعا، مجسدا الطائفية في أبشع صورها وأزرى مظاهرها.. 
تقول المؤرخة والكاتبة الروسية إيلينا جولوبوفسكايا ، المهتمة بالتاريخ السياسي اليمني: "وقاس التُّجار اليمنيون، باستثناء مجموعة صغيرة، مقربة من الإمام من الظلم الملكي الإقطاعي الذي أناخ عليهم، وزُوحم متوسطو وصغار التجار في أكثر الصفقات التجارية المُربحة. كما احتكر الإمام والمحيطون به الفروع المربحة في التجارة الخارجية، مع الاحتفاظ التقليدي الاصطناعي بأشكال الأنماط الاقتصادية. إن كل هذا قلَّص مجال نشاط البرجوازية الناشئة، وكان لغياب الضمانات والحريات الشخصية والممتلكات للتجار أن شدد الصعوبات، وحال دون نمو التجارة الخارجية، وأدى هذا إلى أن يتجه كبار التجار إلى أن يضعوا رؤوس أموالهم في بنوك الخارج، وإن تسربت رساميل في بعض الحالات المحصورة في حدود ضيقة إلى التراكم الداخلي، مما ضاعف بشكل أكبر نقص المواد اللازمة لنمو البلد الاقتصادي؛ إذ إن التجار لم يرسلوا النقود إلى الخارج فقط؛ بل إن أغلبهم تركوا البلاد، وذهبوا إلى الخارج في هجرات طويلة. وفي المهجر اشتركوا بالنشاط التجاري، ولم يعد منهم إلى الوطن إلا القليل عند الشيخوخة" 
وقد منع الإمام يحي كل التجار أن يغادروا إلى الخارج، عدا الشيخ علي يحي الهمداني لمكانته الخاصة من الإمام، وسمح مؤخرا بتأسيس شركة إيطالية؛ لكنه كان أحد كبار المساهمين فيها، وذلك بمبلغ خمسمئة ألف ريال، كانت أرباحها كبيرة.. 
أما عن عمليات النهب والسطو الأخرى التي كان الإمام وعماله يمارسونها على الرعية، فلا تقل وحشية وعبثية عن هذه، وقد لخصها البردوني رحمه الله بقوله: "كان الإمام يحي لا ينقطع عن قرية أو منطقة إلا مدة قصيرة، فقد كان مأموروه وجنوده يمسحون البلاد طولا وعرضا، يتحسسون ما يجري، ويتحصلون ثمرة ما ينبت وما يتحرك، يأتي المُخمّن عند بزوغ الثمرة، يليه القبّاض عند حصادها، يليه الكاشف على القباض، يليه العسكري لتحصيل البواقي، يتبعه عداد المواشي، ثم "مثمّر" الخضر والفواكه، فيدوم اتصال الإمام بالشعب على طيلة العام عن طريق المأمورين والعساكر، ويزيد اتصاله أعنف إذا نجمت أحداث واحتدم شجار.." 
وهؤلاء كلهم ـ منفردين أو مجتمعين ـ عادة ما تكون نفقات إقامتهم وسفرهم على الرعية من المزارعين المغلوبين على أمرهم، بل إن هؤلاء الجباة والمخمنين لا يعرفون شيئا عن أدب الضيف والضيافة، فهم يشترطون طبيعة الأكل الذي تتوق إليهم رغباتهم مهما كلف، ومهما كان ثمنه، ولم يكن باستطاعة أي مواطن "رعوي" رفض ذلك الطلب "الأمر" مهما كلفه من ثمن!
"لقد كانت عملية جمع الضرائب تمثل ـ بحق ـ أشرس تعسف واضطهاد للفلاحين، ليس فقط بسبب التقدير المسبق للمحصول قبل حصاده، أو لضرورة تحمل نفقات أعضاء البعثة، وإنما أيضا تعرضهم للقهر النفسي، والقهر الجسدي أحيانا من قبل جنود الإمام. فلقد كان مجرد سماع وصل هذه البعثة إلى أي منطقة يُثير لدى سكانها الرعب والهلع" 
وقد شاع عند الائمة وحاشيتهم وأتباعهم أن من أراد الثراء والغنى فعليه بالتوجه إلى اليمن الأسفل، وما أكثر الحملات، سواء الفردية أو الجماعية إلى اليمن الأسفل! تحت ذرائع عدة للارتزاق والإثراء غير المشروع، وقد كان أقارب الإمام وحاشيته يتنافسون فيما بينهم على إرضائه بشتى الصور، ليحظى أحدهم بتكليف أو إمارة أو عمالة في أي منطقة من مناطق اليمن الأسفل، وقد غدت بعض المناطق حكرا على بعض الأسر الإمامية يتوارثونها جيلا بعد جيل، ضمن سياسة النفوذ والتقاسم التي كان يتوزعها الأئمة فيما بينهم أو يراضون بها بعضهم بعضا! 
وللقارئ أن يتخيل قدر الصفاقة السياسية، والانتهاكات المادية التي طالت كثيرا من أبناء اليمن بسبب جشع هؤلاء الأئمة وإفراطهم في النهب والسلب والمصادرة. يروي المؤرخ يحي بن الحسين بن القاسم أن أحمد بن الحسن حين توفي والده كان عمره تسعة عشر عاما، فاتجه إلى عمه الحسين بن القاسم إلى ذمار، طالبا منه أن يُقطعه ولاية من الولايات، فعرض عليه عمه ولاية وصاب من اليمن الأسفل، وهي بلاد خيِّرة ومعطاءة، إلا أن هذا الشاب رفضها قائلا: "هي حقيرة لا تقوم بالحال، ولا يُنتفع بها في جميع الأعمال" فإذا كانت بلاد وصاب بكاملها "حقيرة" في نظر هذا الشاب يومها "صار إماما فيما بعد" فما الذي يكفي غيره من الشيوخ والشبان والأمراء وأتباعهم؟! 
وقد ذكر طرفا من ذلك المؤرخ يحي بن الحسين في كتابه "بهجة الزمن في حوادث اليمن" وهو يتكلم عن تفرق وتمزق الدولة في عصر الإمام المؤيد بن إسماعيل المتوكل : ".. أما بقية المناطق فقد توزعت بين مراكز القوى المتعددة، من أبناء القاسم التي كان أقواها صاحب المنصورة، محمد بن أحمد بن الحسن. وكانت مناطق ولايته قد شملت الحجرية وجنوب تهامة حتى بيت الفقيه؛ كذلك علي بن المتوكل، كانت له المناطق الجنوبية الواقعة بين ذمار وتعز، وهو ما عرف باليمن الأسفل. والحسين بن الحسن كانت ولايته ممتدة من رداع وما إليها من المناطق الشرقية حتى حضرموت. وعلي بن أحمد كانت له ولاية صعدة وما إليها من المناطق الشمالية. والأمير الناصر بن عبد الرب في كوكبان وما إليها. وصار كل والٍ أشبه بالإمام في منطقته، يتصرف بكامل حريته دون رقيب أو حسيب!
هذا بالإضافة إلى أن إسحاق بن المهدي استقر في ذي اشرق، واستولى على عائدات بعض المناطق المجاورة حتى ينفق على جنده. وأخوه إبراهيم بن المهدي كذلك استقر في يريم وتصرف فيها. ومحمد بن المهدي أحمد بن الحسن أرسل "أبا ريحان" على رأس مجموعة من الجند لاستلام ربع المخا، حسب موافقة الإمام المؤيد في شروطه..
وقد كانت بلاد العدين، من أعمال لواء إب الخضراء مطمع الأئمة، خلفا عن سلف، لخصوبة أرضها، وعميم خيراتها وطيبة أهلها، فقد ضمها إليه محمد بن الحسن ـ الرجل الثاني أيام المتوكل على الله إسماعيل، والذي عارضه بالإمامة ثم تنازل له ـ فقد ضم بلاد العدين إلى جملة إقطاعياته هو وأبناؤه، ومنها تعز والحجرية، وقد حاول الإمام المتوكل نفسه أن يضمها لنفسه وتحت إشرافه مباشرة، إلا أن محمد بن الحسن رفض ذلك رفضا قاطعا، قائلا للإمام: "البلاد بلادي، وفيها عمَّالي، وإليها حاجاتي" وبعد وفاته جاء ابنه يحي يفاوض الإمام المتوكل أن يبقي لهم البلاد التي تركها لهم أبوهم، أما سائر البلاد الأخرى "فلنا النصف وإليكم النصف" ، كما استقر فيها ـ أيضا ـ نجله عبدالله بن يحي بن محمد بن الحسن، آخذا النصف من عائداتها، مدعيا أن الإمام المؤيد قد جعل له النصف من عائداتها، وحين أرسل النصف الآخر استولى عليه إبراهيم بن المهدي في يريم وقدره ثلاثة آلاف قرش، كما أقطعها الإمام المنصور علي منحة لعمه أحمد بن المنصور الحسين..
وخلت يد الإمام المؤيد عن جميع اليمن الأسفل بالمرة، ولم يبق له فيه إلا مجرد الخطبة. وصار في أشد الحاجة إلى الأموال، وخلت خزائنه، ولم يبق له من البلاد إلا ما كان له أيام والده، بل إنه قد خرج من يده بعض مناطق ولايته مثل بلاد حراز أعطاها لأحمد بن محمد بن الحسين، وبلاد ثلا أعطاها لأخيه القاسم بن المتوكل" 
وقد كانت كل هذه الأعمال برضا الإمام، مثلما كانت كل أعمال النهب والسلب الأخرى برضا كل إمام، ليأمن شرور أصحابه وذويه وأبناء أعمامه وأتباعه؛ لأن الاقتصاد يومها كان قائما على ما يعرف بالاقتصاد الإعاشي فقط المرتكز على الزراعة والرعي فقط، وكانت أرض الإمامة غير خصبة، كخصوبة مناطق اليمن الأسفل، إلى جانب أن الثقافة السائدة لدى هؤلاء الناس أن احتراف الزراعة أو الرعي أو التجارة مما يعيب، في الوقت الذي يعلون من شأن أعمال النهب والسلب والتقطع وابتزاز الآخرين! 
لهذا فقد كان الأئمة يتخلصون من مطالب هذه القبائل التي لا تنتهي، وذلك بإرسالهم جُباة وعساكر ولجانا إلى اليمن الأسفل، ليسترزقوا منها. وقد كان الأئمة يغضون الطرف عن كل أعمال النهب والسلب والاستحواذ التي يمارسها هؤلاء القبائل هناك، ولا يمنعونهم من هذه الأعمال الوحشية، خشية ألا يرتدوا إليهم، ولك أن تتخيل أن وصل الأمر ببعض النافذين من هؤلاء الناهبين إلى قتل النساء، والقتل صبرا، وسمل الأعين، كما حصل في لواء إب يومها، وتحديدا في الشعر من قبل إحدى هذه الحملات المسعورة! كما أن مناطق اليمن الأسفل هي التي ظلت قرونا طويلة ترفد خزانة الدولة بالمال، وتعول ما عرف بقبائل المشرق الذين يستصعبون مشاق العمل ويفضلون أعمال التقطع والنهب والسلب على كل الحرف والمهن التي يرون العمل في بعضها خادشا للمروءة، ومنقصة من المكانة! وقد أصدر الإمام المنصور مرسوما بداية توليه الإمامة بأن تُعتمد مخصصات مالية لقبائل "يام" من بعض مدن وموانئ المخلاف وتهامة، كي تكف هذه القبائل عن التمردات والخروج من مناطقها. وكانت هذه القبائل لو تأخر هذا "الجعل" السنوي مجرد تأخير فقط سرعان ما تعلن النفير وتخرج بقضها وقضيضها على هذه المدن. هذا الخراج/ الجزية/ التعيون/ الجعل السنوي لم يكن حتى بنظر الإمام أو تحت إشرافه؛ بل يتم تسليمه من يد "المانحين بالإكراه" مباشرة إلى يد "الممنوحين بالقوة" إمعانا في الإهانة، وازدراء لكرامة الناس. فمثلا.. كان أشراف المخلاف السليماني ـ وهو جزء من اليمن يومها ـ يسلمون هذا "العطاء" السنوي من أيديهم مباشرة إلى قبائل يام، وكان مشايخ باجل في تهامة يسلمون لهم سنويا ستمئة ريال فرانصي. 
وقد كان مقياس الترقي في الوظائف لدى عمال الأئمة سابقا هو أن من يستطع تقديم المزيد من المال إلى الإمام، وإلى خزانة الدولة يكن ترقيه متسارعا، وفي الوظائف التي تُدر على قادتها مالا أكثر، رغم الضرر الكبير الذي يلحق الناس والرعايا من هذه السياسة الجائرة، وممن نال الحظوة لهذا السبب حسن بن عثمان العلفي الذي كان مجرد كاتب أيام الإمام المهدي عباس، ثم ولاه بعض الولايات في اليمن الأسفل، وكان على قدر عالٍ من الذكاء ومعرفة نفسيات الأئمة، فاستطاع أن يحصل على عمالة كسمة والجبين من أعمال ريمة معا، وقد كانتا مفصولتين عن بعضهما قبل ذلك، ورفد خزانة الدولة بأموال كثيرة، فشكره الوزير الأعظم مرارا عند الإمام، وتم بعد ذلك تعيينه مقاليد الوزارة العظمى أيام الإمام المنصور عام 1197هـ.. 
والثابت ـ تاريخيا ـ أن الأئمة كانوا يعملون على تأليف قبائل صنعاء وما حولها من أموال أبناء اليمن الأسفل التي يكونون قد جمعوها تحت أكثر من مسمى، لمواجهة هذه القبائل المحيطة بهم. وصار لسان حالهم كما أشار الشاعر الرصافي يوما ما، منتقدا ما يسمى دار الخلافة:
دارٌ تُباع بها المناصب سُمّيِت دار الخلافة عند من لم يعقل
ولم ينشأ جيش متفرغ ونظامي ـ أو بالأصح شبه نظامي ـ إلا في وقت متأخر لمواجهة التحديات المحدقة بهم؛ بل لقد تم إدخال العبيد المجلوبين من افريقيا جنودا في الجيش النظامي أيام الإمام المهدي، صاحب المواهب، بدلا عن اليمنيين، ولطالما هدد بهم ابن عمه الحسن بن القاسم بن المؤيد سنة 1124هـ حين أراد الخروج عليه. وقد كان ـ كما ذكر العلامة المقبلي ـ يجبي العائدات لنفسه ولمواليه من المنطقة، ولم يعد يصرف لأي من المستحقين محليا؛ بل لقد كان يفرض على من يشتكي من الرعية نقودا جراء قبول دعوته. وقد عمل على نفي الحسن والحسين ابنا المتوكل إسماعيل مع عائلتيهما إلى مكة المكرمة، وهَرَب مولاه إسحاق بن محمد العبدي إلى الهند، وبقي فيها حتى مات هناك، لأنه قرأ إحدى الرسائل الموجهة إليه جهرا ولم يذكر لقب الإمام! وقد ذكر الكثير أن المهدي كان ذا مزاج متقلب، فقد غير لقبه أكثر من مرة، واتخذ أكثر من عاصمة أثناء حكمه، يبني عاصمة ويخرب أخرى، وغير العملة في عهده مرات عديدة، بل لقد غيرها في شهر واحد ثلاث مرات!
واستعمل المهدي عباس عبيدا من الحبشة جنودا وقادة للجند، بل عمالا ومحافظين في فترة لاحقة، ضمانا لولائهم المطلق وطاعتهم الحرفية له، وتثبتا من عدم مقاومتهم أو اعتراضهم في حال عزل أحدهم عن منصبه، خلافا لبعض الأقارب الذين يستعصي أمرهم على بعض الأئمة في الغالب، كالأمير سعد الذي تم تعيينه عاملا للواء الحديدة، وقد كان عبدا لدى العامل يحي العلفي، ثم عاملا لريمة بعد ذلك، ورغم اشتهاره بالشجاعة والسخاء إلا أنه اشتهر أيضا بالخمرة والإفراط فيها.. 
ليس المهدي من "استأمر" العبيد و"استعملهم" فقط؛ بل أئمة آخرون منهم الإمام المنصور علي أيضا من بعده، فقد كان الأمير "مرجان الصنعاني" أميرا في جيش المنصور، وقد عزله عن منصبه بعد أن قام بضربه في بلاطه، صبيحة يوم عيد الفطر من العام 1196هـ، ثم أمر بحبسه ومصادرة أمواله، حين علم الإمام أن الأمير أخفى عليه مقدارا من الأموال التي كلفه بمصادرتها على خازن الحبوب في جبلة. 
وكان الأمير "عنبر" عاملا للإمام المنصور على ولاية حبيش، ثم العدين، ومنهما جمع أموالا طائلة، فطمع الإمام بنصفها، فرفض الأمير عنبر أن يعطيه منها شيء، الأمر الذي أغضب الإمام عليه كثيرا، فقام بتعزيره أولا؛ حيث ربطه إلى نافذة دار الفتوح، وهو عريان، ثم أمر بضربه وحبسه مدة شهر في مكان تُجمع فيه قاذورات وفضلات حمام القصر. 
وقد ترتب على هذه السياسة التي اتبعتها الإمامة بحق المزارعين والفلاحين من أبناء اليمن الأسفل عدة نتائج، حيث أدت إلى هجرة كثير من الناس فرارا من الظلم ومن ملاحقة عساكر الأئمة لهم، مع ما يترتب على الهجرة نفسها أيامها من المخاطر الجمة، إذ لم تكن طرق الهجرة والاغتراب مؤمَّنة كما هو الشأن اليوم، ولم تكن وسائل النقل أيضا متوفرة، ولم تكن حقوق المغترب مكفولة في دول الهجرة، فكان يتعرض بعضهم لبعض التعسف والضيم، وإن كان أقل مما يتعرض له في بلده من عساكر الإمامة. ولطالما فُقد الكثير، وتاه آخرون وقضوا نحبهم في بلدان المهجر وقد انقطعوا عن أهلهم وذويهم، فالهجرة يومها ضرب من المخاطرة بالنفس وتقحم الشدائد. 
وللعلامة ابن الأمير ـ رحمه الله ـ قصيدة طويلة وشهيرة جدا، ربما كانت أشهر قصائده، مطلعها "سماعا عباد الله أهل البصائر.." تلخص سياسة الدولة القاسمية التي عاش تفاصيل جزء منها، كما تفصل أيضا الحال من قبله ومن بعده، لأن الثقافة واحدة، والحلقة متصلة بما قبلها، مثلما هي متصلة بما بعدها، ومن هذه القصيدة، مخاطبا الحكام من آل القاسم:
أضعتم وصايا المصطفى وهجرتم طريقته في نهيه والأوامر
وجئتم بأمر منه يبكي ذوي الهدى ويضحك منه كل رِجْسٍ وخاسر
وتشمت من أفعالكم كلُّ ملة ويصبح مسروراً بها كل كافر
فيا عصبة ضلَّتْ عن الحق والهدى ومالت إلى أفعال طاغ وفاجر
بأي ملوك الأرض كان اقتداؤكم فما لكم في فعلكم من مناظر
أنافَسْتُمُ الحجاج في قُبْحِ فعله ففعلكُمُ في الجور فعلُ مفاخر
يفديكم إبليس حين يراكُمُ يقول: بكم واللّه قرتْ نواظري
نبذتم كتاب اللّه خلف ظهوركم ولم تعلموا منه بنص وظاهر
خراجِيَّة صَيَّرتمُ الأرضَ كلها وضمنتم العمال شر المعاشر
لذاك الرعايا في البلاد تفرقت وفارقت الأوطان خوف العساكر
وقد رضيت بالعُشْرِ من مالها لها وتسعة أعشار تصير لعاشر
فلم تقنعوا حتى أخذتم جميع ما حوتْه وما قد أحرزت من ذخائر
إذا سئلت عن جوركم وفعالكم أجابت علينا بالدموع البوادر
ويا عصبة من هاشم قاسمية إلى كم ترون الجور إحدى المفاخر
ومن دون هذا أخرج الترك جدكم ولو عاش أخلاكم بِحَدِّ البواتر
وأحللتم ما حرم اللّه جهرة وشر ذنوب الخلق ذَنب المجاهر
وجوزتم أخذ المكوس بأرضنا وتوفيرها ظلماً على كل تاجر
وقلتم نرى فيها مصالح للورى ورَبُّكُم أدرى بكل الضمائر
تساويتم في كل قبح فعلتُم أكابركم في فعلهم كالأصاغر
أتيتم بأصناف الضلالات كلها وجئتم بأنواع الأمور المناكر
وأما الجزاءات التي كُلَّ ليلة تسمى سياراً وهي إحدى الفواقر
ففي بردقان أنفقت وحشيشة وخمر لخمار ولهو لسامر
لقد أثرت هذي القبائح بينكم وقد ظهرت في كل باد وحاضر
وأشنع خَطْبٍ ما يقول خطيبكم من الكذب المنشور فوق المنابر
منابر كانت للمواعظ والهدى فما بالها عادت لسُخْرَةِ ساخر
ملأتم بلاد اللّه جوراً وجئتُم بما سُوِّدتْ منه وجوهُ الدفاتر
ووليتم أمر العباد شراركم وخوَّلتُم أعمالكم كل ماكر
وقد كنتم ترمون من كان قبلكم بظلم وجور قد جرى في العشائر
فبالأخذ كم قد أغلقت من مدارس وكم من سبيل قد غدا غير عامر
وكم في زبيدٍ أغلقت من مساجد وأغلق فيها مسجد للأشاعر
وفي آنس كم قرية قد تعطّلت مساجدُها عن كل تالٍ وذاكر
ولو تُشترى تلك المساجد باعها ببخس وما بالي بصفقة خاسر
فما يفعل الدجال مثل صنيعكم فلا تشتموا من بعد هذا بكافر
فأفعالكم لو رمت حصراً لعدها لأفنيت في الدنيا مِدَادَ المحابر
من ناحية أخرى.. أدت هذه السياسة الجائرة في حق الرعايا إلى التراخي وعدم الاهتمام بالزراعة أو التجارة كثيرا، لعدم ضمان الفلاح أو التاجر ريع أتعابه وعائدات عمله، فهو يكد ليلا ونهارا بجد ونشاط، وغيره من عساكر الإمام يأتي ليتحصَّلها منه نهبا وسلبا وإكراها، فأضعفت اقتصاد الأسرة، أو القبيلة، وبالتالي الوطن. وهو اقتصاد ريعي تقليدي هدفه الإعاشة ليس إلا. 
وفي هذا قال الأستاذ أحمد محمد النعمان رحمه الله: "وبالعقلية والنفسية الشيعية أُديرت الأمور، وأُقيمت العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، وكان الطابع الديني هو الغالب على كل التصرفات والتحركات، وكان القبيلي المجنَّد تحت لواء الإمام، والذي قدِم من شمال صنعاء إلى سهول تهامة وإب وتعز والبيضاء لا يُسمى جنديا؛ بل مجاهدا في سبيل الله، وعلى هذا الأساس أبيح له أن يسكن في مساكن الأهالي بالقوة حتى لو أدى الأمر ـ وكثيرا ما كان يؤدي ـ إلى إخراج رب المسكن ليحتله المجاهد في سبيل الله، ويفرض على الزوجة أن تتولى خدمته وإطعامه ما يختار من طعام" 
إلى جانب ذلك كان هؤلاء المتحصلون، ومن فوقهم من مسئولي الضرائب والجُباة والعمال ومقربيهم، يعمدون إلى إرهاق كاهل الناس بالديون والمتحصلات والبواقي، كأقصر الطرق للاستحواذ على السيطرة على ممتلكاتهم من الإقطاعيات العقارية الكبرى، ومصادرتها لمصالحهم الخاصة بدون وجه حق. وقد كان الإمام أو الوالي حين يصعد إلى الحكم يصل فقيرا أو ميسور الحال على أحسن الأحوال، وكذا العامل حين يصل إلى منصبه ثم لم يلبث إلا فترة يسيرة وقد ملَك الضياع والإقطاعيات والمَزارع من هذه الطريقة، وبهذه الوسيلة غير المشروعة، والقصص الشعبية تحكي كثيرا من هذه المآسي التي يندى لها الجبين، وهي أكثر من أن يحصيها سفر أو يرويها كتاب، ناهيك عن عجالة كهذه. وقد ذكر المؤرخ يحي بن الحسين أن أخاه عز الإسلام محمد بن الحسين أخبره أنه لما وصل إلى حضرة الإمام المتوكل على الله إسماعيل إلى ضوران في أيامه الأولى أفاده أنه لا يجد غير الخمسين الحرف، ولم يأته من البلاد شيء، وأنه لا يجد الصرف، أما بعد أن حكم وملك فقد ثرى وأثرى! وكان له من المخا لوحدها نصف عائداتها أيام تولية محمد بن الحسن، أما بعد وفاته فقد أصبحت كاملة له. ويذكر البعض أن السيد حسن الجرموزي جاء إلى الإمام بمحصول الموسم يقال فوق مئة حمل من البز والدراهم! 
وحين دخل أحمد بن الحسن عدن بجيشه أيام الإمام المتوكل ملَّكه الإمام إقطاعات كانت للأمير عبد القادر صاحب خنفر، وجع له الربع من المناطق التي فتحها! 
وتذكر المراجع التاريخية المعاصرة أن الإمام المهدي عباس كان جشعا في شراء الأراضي، حتى انتهى به الأمر إلى شراء الأوقاف من الأموال وإخراجها عن الوقفية العامة إلى الملكية الخاصة، إضافة إلى النقل والمعاوضة بين أملاكه الخاصة وأملاك الأوقاف في ضواحي صنعاء، كشعوب والصافية وبئر العزب ومناطق أخرى. ومال الوقف محرم لا يجوز نقله ولا استبداله ولا المعاوضة فيه، كما أشار إلى ذلك العلامة ابن الأمير رحمه الله في رسالة إلى الإمام المهدي في ذي الحجة 1180هـ، ناصحا إياه عن ذلك، كما نصحه آخرون، لم يقبل نصيحتهم؛ بل عاقبهم وسجنهم وصادر أموالهم، كما حدث مع أحد أقرب رجالاته ووزيره القاضي العلامة يحي بن صالح السحولي. 
كما استملك أيضا غيلين شهيرين بصنعاء وهما الغيل الأسود وغيل البرمكي، والأخير أحدثه محمد بن خالد البرمكي والي الرشيد على صنعاء حينها، سنة 183هـ، للأهالي من المال العام، إلا أن الإمام المهدي قد استحوذ عليه بإصلاحه وإعادة استخراجه، ثم ادعى أن نفقة هذا الاستصلاح من حسابه الخاص، وليس من المال العام، وثار بشأنه لغط واسع وجدل كبير بين الخاصة والعامة، وعارض ذلك بشدة الفقيه علي بن عبدالله العمري، المسئول عن استخراج هذين الغيلين، الأمر الذي جعل الإمام يدخله السجن، ويصادر داره وأملاكه الخاصة، وقد بقي في سجنه حتى مات سنة 1183هـ. 
وتأتي سياسة هدم المنازل، وإحراق المزارع، ضمن عادة تاريخية، أو ثقافة عقابية درج عليها الأئمة أجمع، من لدن الإمام الهادي حتى الإمام أحمد.. فكما هدم الإمام الهادي بيوت بني الحارث ونجران وغيرهما في القرن الثالث الهجري، وتبعه أولاده من بعده، هدم الإمام يحي في أربعينيات القرن الماضي بيوت معارضيه، كبيت العلامة الأديب والشاعر زيد الموشكي في ذمار، الذي تم إعدامه بعد ثورة 48م الدستورية، وبيت جغمان، في صنعاء، وهدم الإمام أحمد بيت اللقية بداية الستينيات كذلك وغيرها الكثير.. 
وقد نظم الموشكي بعد ذلك قصيدة قال فيها:
لله درك فـــــــارساً مغـــــواراً طعن الصخور ونازل الأحجارا
تلك القصور سلاسلاً كانت لنا فكسَّرْتها فجعلتنا أحراراً
لا بأس أن تنهد دار علنا بالثأر نبني أمة وديارا
ونشق لليمن الحبيب مسالكا أخرى يعانق فوقها الأنوارا
ويختزل الشاعر عبثية الإمام وجنونه في مشهد تقريري آخر، أشار فيه إلى حقيقة ملك هذا الإمام وطبيعة شخصيته:
خاف السقوط فلاذ بالتخريب ملك يعيش على الدم المسكوب
خاف السقوط فقام يُرسي مُلكه بالسيف والأغلال والتعذيب
ملأ السجون وصب أنواع البلا ويريد عرشا حافلا بقلوب
قلَّب الأمور بطونها لظهورها ويريد مُلكا ليس بالمقلوب!
يقول الأستاذ البردوني ملخصا فترة الإمام يحي: "لقد كانت ثُلثا أيام يحي حميد الدين مذابح متوالية، وذعرا ممتدا في كل طريق وفي كل شارع. وكانت تُسمى هذه الفترة "زمن ما بين الدولتين" دولة الأتراك الراحلة، ودولة الاستقلال الناشئة، وبينهما كالعادة منذ القدم تنتشر الإباحة الدموية عن ثأر أو طلب غنيمة، وهي فرصة النهب والانتقام الشخصي في مناطقنا القبلية، بل في شوارع المدينة" 
وكان الإمام الهادي قدوةَ أبنائه وحفدته من بعده، فهذا نجله الإمام الناصر أحمد بن يحي حين تسلم الإمامة من أخيه المرتضى بعد تخليه عنها سنة 302هـ ، أعمل سيفه في الإسماعيلية بدون هوادة ولا رحمة. وكانت الإسماعيلية قد نشأت في اليمن قبل دعوة والده بسنوات، على يد علي بن الفضل الخنفري الحميري.
يقول عنه الشيخ العلامة مجد الدين المؤيدي رحمه الله: "ولم يزل الإمام الناصر قائما بأمر الله، مثابرا لأعداء الله، وأظهره الله على أقطار اليمن كافة، فصدعت فيه أحكام الملة الحنيفية، وامتدت عليه أعلام السلالة المحمدية، واستأصل أرباب الدعوة الملحدة من القرامطة الباطنية، وقد كانوا تحزبوا تحزبا، وارتجت منهم الأرض، فأخذتهم سيوف الإمام الناصر، قتل في وقعة واحدة ثمانية وأربعون رئيسا من دعاتهم، وأما العساكر والأتباع فلم تنحصر القتلى منهم حتى جرت الدماء منهم جري الأنهار. قال عبدالله بن عمر الهمداني، مؤلف سيرة الإمام وأحد فرسانه: لقد شهدتُ الحرب، فما رأيت يوما كيوم نغاش أكثر قتلى من أعداء الله القرامطة، ولقد حبست فرسي في موضع كثر فيه القتلى، فلقد سمعت خريرا للدماء كخرير الماء إذا هبط من صعود... وقال: وجدنا منهم موتى بسلاحهم ليس بهم جرح، وذلك لنصر الله لأهل بيت نبيه. أ. ه. " 
وقد اقتدى به الإمام المهدي الحسين بن القاسم العياني في مواقع كثيرة، منها حين دخل صنعاء وقد أباحها لجنوده في شهر صفر 403هـ غازيا خصمه محمد بن القاسم الزيدي الذي طعنه وصرعه في فج عطان، وأمر العياني أن تطأ الخيل جثة محمد بن القاسم وسائر القتلى بسنابكها حتى مزقتهم في التراب كل ممزق.." ويقال أنه تولى الإمامة وعمره سبع عشرة سنة فقط!
مضيفا: أن بعض القبائل كانت قد خالفته حين سار إلى "إلهان" فلما رجع قبض على مشايخ تلك القبائل، وصلبهم منكسين، ووهب خيلهم وسلاحهم لشيعته، وألزم جماعتهم الجزية وقبضها منهم، وسار إلى صعدة في جيشه فخرب دورها، وولاها أخاه جعفر.." 
وكما كفَّر الهادي خصومه السياسيين، فقد فعل كذلك الإمام عبدالله بن حمزة الملقب بالمنصور؛ إذ كفّر المطرفية في واحدة من رسائله إلى عامة الناس، قُرئت في المجامع والأسواق. وقد ترتب على تكفير المطرفية ملاحقة أتباع المنصور لهم، حتى لم يعد بوسعهم الدخول إلى الأسواق العامة إلا بذمة أو جوار من غيرهم! بل لقد تمت مصادرة أموال أهل هجرة "قاعة" لهذا السبب! كما تم هدم مسجد المطرفية في سناع ووقش، وتخريب بيوتها، وطرد أهلها، وقد قال بعد أن تمكن من القضاء عليهم: "أريد


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة