السبت, 14 نوفمبر, 2015 09:30:41 مساءً

تكاد قوات علي صالح والحوثي تحقق اختراقات تجعلها على تماس مباشر مع المحافظات الجنوبية التي كانت فقدت السيطرة عليها وذلك بعدما سيطرت على منطقة دمت واستأنفت القتال في قعطبة القريبة من مدينة الضالع.
 
وفي جبهات أخرى, تقاتل قوات حلف صالح والحوثي لمحاددة لحج عند منطقة كرش والقبيطة وتقاتل في البيضاء لمحاددة أبين في منطقة مكيراس مثلما تجهد للتقدم في الساحل الغربي الذي سيوصلها بالاتصال بلحج مرة ثانية من جهة الساحل.
 
تكتيك من سلطة صنعاء لإبقاء المحافظات المنتزعة من سيطرتها تحت ضغط دائم, يمنع الجيش الجديد الموالي للرئيس عبدربه منصور هادي من التحول إلى الهجوم وإعاقة أي خطوات له وللمقاومة الشعبية لتطوير أساليب عملهما أو نقل القتال إلى معاقلها.
 
مرة أخرى, يثبت طرق سلطة صنعاء لأبواب المحافظات المستعادة أن وحدة العمل المقاوم وتكامله يظلان ضرورة موضوعية تدحض أي أوهام قد تخامر قسماً من المقاومة في المناطق المستردة أنه قد دخل منطقة الأمان ونال الخلاص الذي سيدفعه إلى اعتزال بقية فصول الصراع وإغلاق باب التعاون مع قوى المقاومة في المناطق الأخرى.
 
وعلى الرغم من سقوط منطقة دمت في يد قوات صالح والحوثي بعد قتال شرس دام قرابة أسبوعين, إلا أن نمط القتال الذي دار هناك يخيف سلطة صنعاء بما يفعله في مقاتليها من استنزاف يفوق معدله أي معدلات أخرى ناتجة عن القتال داخل المدن الكبيرة أو في خطوط القتال الثابتة والطويلة.
 
فقد أفادت الإحصاءات الأكثر دقة أن متوسط الفارق في معدل القتلى بين مسلحي المقاومة وميليشيات صالح والحوثي في المعارك التي اندلعت في دمت وعتمة ومشرعة وحدنان يتراوح بين 1: 4 وأجبر هذا المعطى الميليشيات المهاجمة على الانسحاب من المنطقتين الأخيرتين.
 
والقاسم المشترك بين تلك المناطق الثلاث أنها ريفية وجبلية, تقطنها كتلة سكانية معظم أفرادها مساندون للمقاومة الشعبية ما أتاح فرصة لتوظيف الإمكانات التقنية والتكتيكية التي تتوافر عليها المقاومة في الوقت الراهن.
سيسلط أداء المقاومة الشعبية المسلحة في مناطق الريف والتفاوت الكبير في حجم الخسائر البشرية والتقنية بينها وبين مقاتلي صالح والحوثي لمصلحتها ضوءاً على الأساليب المتاحة والممكنة للمقاومة, تأسيساً على عوامل تفوقها وضعفها إضافة إلى إمكاناتها العسكرية والاقتصادية ومستوى تأهيل أفرادها وتأييدها.
 
لقد أغرى التدخل العسكري العربي وعدم التقدير السليم لقوة صالح والحوثيين, المقاومة بحرق مراحل الحرب ودفعها إلى مرحلة الحرب النظامية في وقت مازالت تقاتل بقدرات عسكرية وتأهيلية تجدي لشن حرب عصابات في المناطق الريفية وضرب إمدادات القوات المهاجمة ومؤخرتها.
 
وفي تدرج معاكس كليةً لتجارب الحروب الثورية التي تنطلق من الريف النائي إلى المدن الصغيرة وصولاً إلى الحواضر الكبيرة, انطلقت المقاومة الشعبية من المدن الكبيرة وتوقفت فيها, تاركة الريف وطرق المواصلات لقوات صالح والحوثي تتحرك فيها بحرية تامة, الأمر الذي مكن الأخيرة من تطويق المقاومة داخل المدن التي تقاتل فيها وعزلها عن مصدر قوتها الكامنة في الريف.
 
ترتب على هذا البناء العكسي لحرب المقاومة اختلالات في أكثر من مستوى وتفريط بمزايا جغرافية وإمكانات بشرية كان استغلالها كافياً لامتلاك المبادرة وإحداث توازن معقول في ميزان القوة.
 
فالمناطق الريفية التي يفترض أنها قواعد ثابتة للمقاومة ومؤخرة لجبهاتها جرى عزلها عن خطوط القتال وتعطيل المزايا الكبيرة التي تحوزها وتجد فيها أي حركة مقاومة حلولاً صقلتها الحركات الثورية والمؤلفون العسكريون في القرن العشرين لتعديل ميزان القوة المختل دائماً لمصلحة الجيوش النظامية.
 
وضاعف هذا العامل من نفوذ الدعم الخليجي وتأثيره في أداء المقاومة إلى حد أن استمرارها صار مشروطاً باستمرار تدفقه في بعض الجبهات, وذلك نتيجة منطقية لدفعها للحرب إلى مستوى متقدم مع بقاء إمكاناتها العسكرية وقدراتها التأهيلية والاقتصادية عند مستوى متواضع لا يلبي متطلبات الحرب النظامية.
 
فحركات المقاومة لا تستطيع خوض حرب نظامية إلا بعدما تكون قد خاضت مراحلها السابقة واستولت خلالها على عتاد كاف من ترسانة القوات المعادية وأقامت أنماطاً من الحكم المحلي في مناطق قواعدها الشعبية وأنشأت اقتصاداً محلياً, مما يخفف تأثير الدعم الخارجي من عدمه.
 
أما من الناحية الموضوعية, فعمليات المقاومة الشعبية دخلت شهرها الثامن في ظل غياب أربعة عناصر حتمية لكسب أي حرب ثورية. وهي عناصر اقترنت تاريخياً بكل الحروب التي استطاعت حركات عالمية مختلفة ربح نتيجتها في مواجهة جيوش نظامية.
 
والعوامل الأربعة المفقودة في حرب المقاومة الشعبية المناهضة لحرب علي صالح وعبدالملك الحوثي هي, تنظيم قيادي يقود القوى الشعبية المقاومة وينظم جهدها ومشروع سياسي يرسم الهدف من الحرب مانحاً إياها طابعها الوطني أو التحرري, وتعبئة سياسية تنظيمية في أوساط الشعب, واتحاد بين قوى المقاومة.
 
فليست القوة القيادية سواء كانت تنظيماً سياسياً أو ثورياً أو ائتلافاً شعبياً مسألة ترفية في هذا النوع من الحروب أو إسقاطاً ميكانيكياً بل هي حاجة موضوعية, إذ لا حرب بدون قيادة وإلا انقلبت إلى جهد مشتت سرعان ما ينتهي إلى هباء.
 
ونتيجة لغياب هذا العنصر, يختار صالح والحوثي مكان المعارك وتوقيتها ويفرضان على المقاومة تكتيكات الحرب فيما ينحصر أداؤها في ردة الفعل لأن غياب التنظيم القيادي ألقى بمهمة العمل المقاوم في معظم الجبهات على عاتق مواطنين كل ما يوحد بينهم هو اضطرارهم الجمعي لحمل السلاح لدفع الهجمات الموجهة ضدهم.
 
وتجري عمليات المقاومة بدون مشروع سياسي, يحدد هدف الحرب المقاومة ويستخلص شعارها.
 
يؤدي المشروع السياسي في الحروب الثورية والوطنية الحديثة دور الراية التي كان المحاربون يقاتلون تحتها في الحروب القديمة وتلخص هوية حامليها ومشروعهم.
 
وكذلك هو المشروع السياسي, ينبغي أن يوجز القضية التي تقاتل في سبيلها قوى المقاومة وألا ينحصر زمنياً في فترة الحرب بل ينصرف الجزء الأكبر منه إلى ما بعد الحرب. إنه بطريقة أخرى يعلل للشعب لماذا هي حرب تستحق التضحية والتصميم على كسبها.
 
وبدون المشروع السياسي الواضح, تقبع الحرب في مستواها الغريزي المجرد بوصفها سفكاً متبادلاً للدماء وغريزة مجردة من الغايات التي تحدد أيهما من الحرب أو المهادنة سبيل أسلم للتعامل مع الحرب العدوانية.
 
أما العنصر الثالث الغائب عن حرب المقاومة فهي التعبئة السياسية وعملية التنظيم بين صفوف الشعب الذي وإن كان معظم مواطنيه نافرين من صالح والحركة الحوثية وساخطين على سلوكهما الهمجي, غير أن غياب التعبئة جعل كثيرين منهم ينتظرون الخلاص من الأقدار المجهولة وينظرون إلى حرب المقاومة وحرب نظام 21 سبتمبر بمنظار واحد.
 
ولما كانت التعبئة السياسية غائبة فقد غابت وسائلها؛ ففي حين يزدحم الأثير بترددات الإذاعات الصادرة عن قوى الحرب العدوانية لا تملك حكومة هادي ولا المقاومة إذاعة واحدة ولا صحيفة مطبوعة.
 
كذلك تخوض المقاومة كفاحها المسلح بدون اتحاد بين قواها, بل تقاتل كل قوة على انفراد في الوقت الذي يحاربها عدوها متحداً ومركزاً كل جهوده على إنزال الهزيمة بها.
 
غير ممكن إحراز تقدم في حرب ثورية بدون اتحاد بين فصائلها مهما كانت قضيتها عادلة, وحين أدركت قوى ثورية ووطنية عبر العالم هذه القاعدة اتحدت لمواجهة الحروب الموجهة ضدها, حتى لقد بلغ الأمر بقوى ثورية تقدمية أن تحالفت مع قوى رجعية لمقاومة الغزو الخارجي الذي ينطبق عليه ما ينطبق على الغزو الداخلي.
 
لا مشروع سياسياً أو تعبئة سياسية بدون تنظيم قيادي يصوغ المشروع ويعبئ قوى الشعب. ولن تثمر هذه العناصر كما ينبغي خارج وحدة قوى الشعب.. هكذا يؤلف هذا الترابط معادلة متماسكة لا تعمل في ظل تجزئة عناصرها أو فصم بعضها.
 
وعلى الضفة الأخرى, تبدو القوى السياسية والقبلية والأصولية المنخرطة في الحرب العدوانية على الشعب جبهة موحدة, تسهر على اتحادها عصبيات مختلفة ومصالح واضحة. وتؤدي الجماعة الحوثية دور التنظيم القائد الذي يتولى الحشد للحرب وتعبئة الأنصار.
 
لهذه الجبهة أيضاً مشروعها السياسي والاجتماعي الواضح الذي شنت الحرب للدفاع عنه. إضافة إلى ذلك, نظام 21 سبتمبر متفوق في العتاد الحربي تفوقاً مطلقاً مثلما هو متفوق اقتصاديا.
 
يعود التفوق التقني المطلق لجبهة صالح والحوثي إلى أنها سطت, أولاً, على ترسانة ضخمة راكمها جيشا الجمهوريتين في الشمال والجنوب على مدى عقود طويلة, وأضيفت إليها ترسانة الحركة الحوثية التي جمعتها مما استولت عليه من عتاد الجيش خلال ست جولات من القتال في صعدة, فضلاً عما يُعتقد أنه دعم مقدم من جمهورية إيران أو ما اقتنته الحركة نفسها بواسطة تجار سلاح نال بعضهم حظوة كبيرة لدى الحوثيين.
 
علاوة على ذلك فالقبائل المساندة لصالح والحوثي هي مسلحة بعدد هائل من قطع السلاح الخفيف والمتوسط.
 
ولكي تحقق المقاومة توازناً تنظيمياً وعسكرياً مع الجبهة المعادية, لا بد لها من رسم استراتيجية عملية وإعادة تحديد التكتيكات التي تطبق بها استراتيجيتها بما يتناسب مع إمكاناتها العسكرية والاقتصادية.
 
وسيكون عليها, تالياً, أن تستوفي العناصر الشرطية لبناء حركة مقاومة قادرة على الاستمرار والمجابهة.
 
حين تحقق المقاومة التوازن المطلوب في ميزان القوة والتنظيم, لن يكون حرياً بها العمل في حدود هذا التوازن, فالتوازن يطيل أمد الحرب ولا ينهيها, بل عليها تحقيق التفوق العسكري والتنظيمي كي تقضي على هذه الحرب.
 
وليس صعباً على المقاومة أن تعثر على عوامل التفوق وتشرع في توظيفها, فهي واضحة ومتنوعة, أهمها نطاق جغرافي شاسع يقطنه ملايين المناهضين لحكم صالح والحوثي وحربهما.
 
يشتمل النطاق الجغرافي على تضاريس متنوعة بين الجبلية الوعرة والسهلية والصحراوية مما يتيح لها شن حروب متدرجة من حرب العصابات والحرب المتحركة وحرب المواقع الثابتة, على أن الجوهري في هذه الميزة هو أن اندلاع أعمال مقاومة تغطي كامل هذا النطاق سيضطر جبهة العدوان الداخلي إلى نشر عدد هائل من مقاتليها بطريقة تشتتهم ويغدون معها في حرب عصابات بعد أن كانوا في حرب نظامية.
 
وداخل النطاق الجغرافي الذي تقاتل فيه المقاومة, تقطن كثافة سكانية تمثل أكثرية شعبية وتشكل مورداً بشرياً كبيراً لرفد المقاومة بالعنصر البشري وسيعمل هؤلاء المواطنون كفرق استطلاع لإنجاح العمل المقاوم وتضليل القوات المهاجمة.
 
ثمة أيضاً ذلك التفوق الأخلاقي والمعنوي الذي تكتسبه المقاومة من حقيقة أن حلف صالح والحوثي هو من استهدف الشعب بالحرب ابتداء ويقترف جرائم بحق المدنيين ويطبق ضدهم سياسات العقاب الجماعي.
 
ويكمل الدعم الخليجي عوامل التفوق. وهو دعم ناري ولوجستي وسياسي.
 
من الواضح أن قوى المقاومة الشعبية لا تستغل أياً من عوامل تفوقها في الوقت الحالي ولا حتى ما يكفل لها تحقيق التوازن, لكن وعيها بتلك العوامل ثم توظيفها ووعيها بنقاط ضعفها والتغلب عليها هو ما سيقرر أمد الحرب ونتيجتها أو طبيعة السلام وحظوظ صموده .
 
عن صحيفة الثوري


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة