السبت, 24 يناير, 2015 05:52:14 مساءً

يُقال قديما أن أعرابيا قرر أن يبيع قط البيت، فذهب به إلى السوق وجلس على الرصيف فمر به أحد المتسوقين قائلا له: كم قيمة الهر؟ فأخبره بالثمن الذي يطلبه، وثمن القط بالطبع زهيد، إلا أنه بالغ قليلا في المطلوب. انصرف الرجل، ومر ثان: قائلا: كم قيمة السنور؟ وكان الحال ذاته مع الأول، ومر ثالث: سائلا إياه: كم قيمة الضيون؟ ومر ورابع سائلا: كم قيمة القط؟ وخامس، وسادس وسابع، وكل واحد يأتي باسم جديد للقط. وغربت شمس ذلك اليوم ولم يبعه، فالتفت إليه قائلا: أخزاك الله.. ما أكثر أسماءك وما أبخس ثمنك!!

تذكرني هذه القصة بحكاية الاتفاقيات في اليمن، التي تكاثرت حد الجنون، وبصورة تبعث على الهزل، وصار الأمر أن كل اتفاقية تلد أختها، مثلها مثل اللجان الخاصة بحل أية خلافات سياسية أو اجتماعية في بلادنا وما أكثر الخلافات، وما أكثر اللجان والاتفاقيات! غير أنها جميعا تفضي إلى اللاشيء!

في الواقع الأفق السياسي مسدود، مهما تفاءل البعض، ومهما قال الآخر عني أني متشائم، والمؤشرات اليوم تقول: "ياقافلة عاد المراحل طوال وعاد وجه الليل عابس"!
الأزمة اليمنية أزمة مركبة ومتداخلة ومتشابكة فيما بينها، ولم يكن الحوثي بجنونه الأخير إلا أحد تمظهرات هذه الأزمة، أو الواجهة الأبرز فقط، تمدد في فراغ العجز وساحة الفشل التي تركها له خصومه!
لننظر إلى القضية اليمنية عن بعد.. منذ عقب الانتخابات الرئاسية الماضية في فبراير 2012م وصوت العقل هو الغائب المُغيَّب، بفعل العجز السياسي بالنسبة للفريق الجديد المتشكل عن الثورة بصرف النظر عن التداخل الحاصل فيه، مقابل الحضور الطاغي المعتمد على سياسة الكر والفر والمناورة الذكية بالنسبة للفريق المستهدف من الثورة حتى بدا فاعلا بصورة ملفتة أكثر من فاعلية الفريق الجديد نفسه، وتكاد أخباره السياسية تتصدر أغلب عناوين الصحف والفضائيات، مع أن العكس هو ما ينبغي أن يكون. بمعنى أكثر وضوحا: علي صالح الرئيس السابق وفريقه لا يزال هو اللاعب الأبرز اليوم، وهو بطل الفلم وسيد المشهد بلا منازع، في الوقت الذي يتوارى فيه آخرون كانوا هم أمل الشعب ومتصدري ثورته خلف عجزهم وفشلهم الذريع!

والحقيقة أنه مثلما فشل الرئيس السابق في إدارة الدولة خلال فترة حكمه السابق على الرغم من كل الفرص التي واتته، فإن منظومة الفريق الثوري في 2011م بمن فيها اللقاء المشترك والشباب وأيضا الرئيس هادي قد فشلوا بامتياز عن تحقيق ولو الحد الأدنى من تطلعات هذا الشعب المغلوب على أمره، في أقل من ثلاث سنوات، مهما جاءوا بمبررات وأعذار، ولو قبل الشعب مبرراتهم لكان بالأولى قبول مبررات الرئيس السابق في الفشل!
الحوثي اليوم يمضي في ذات المسار وفي نفس الطريق، مع فارق أن منظومة 2011م الثورية إذا كانت قد وصلت إلى الفشل متئدة، فإن الحوثي يمضي إليه مهرولا! وعلى الشعب اليوم من الآن أن يبحث له عن بديل جديد، لا لينقله إلى الرخاء والتنمية، بل ليحفظ له ما تبقى من مكتسبات نصف قرن مضى!

هذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن نعترف بها اليوم وبلا مواربة، باحثين ـ جميعا ـ عن مخرج، وإلا فالقادم أسوأ!


قضايا وآراء
انتصار البيضاء