أغرب حادثة حبس لأستاذ بجامعة صنعاء وجميع أفراد أسرته     محافظ شبوة يفتتح مشروع طريق نوخان ويتفقد مشروع المياه     الحوثيون يرفعون تسعيرة "الزكاة" عشرة أضعاف والغرفة التجارية تهدد بالإضراب الشامل     انتقادات واسعة لمسلسل "الاختيار2" واتهامه بتزوير وقائع أحداث الانقلاب في مصر     تقرير أممي حول قيود الحوثيين على المنظمات الإنسانية في اليمن     أعضاء في البرلمان يطالبون الحكومة سرعة رفع المعاناة عن العالقين بمنفذ الوديعة     دعوة أممية لإحالة ملف العنف الجنسي في اليمن إلى محكمة الجنايات الدولية     ما حقيقة الصراعات والتصفيات الداخلية لجماعة الحوثيين؟     المركز الأمريكي للعدالة يدين احتجاز السعودية للمسافرين اليمنيين في منفذ الوديعة     هشام البكيري.. الموت واقفا     معارك هي الأعنف في جبهة الكسارة ومصرع العشرات من المسلحين     تغييب السياسي البارز محمد قحطان للعام السادس على التوالي     8 سجون سرية للسعودية في اليمن توفي بعضم فيها تحت التعذيب     قتلى وجرحى بمواجهات بين قوات طارق والمقاومة التهامية بالمخا     حوار مهم مع اللواء سلطان العرادة حول الوضع العسكري في مأرب    

الثلاثاء, 29 سبتمبر, 2015 08:23:31 مساءً

هذه أول ذكرى تمر على ثورة سبتمبر وهي أمام تحدٍ عصيب، يستدعي القلق– وليس الخوف- على مكتسباتها الجوهرية، وفي مقدمتها إنهاء حكم الكهنوت واللاهوت الذي مارسه أئمة اليمن، طول أكثر من ألف سنة، دفع فيها الناس أرواحهم، وكرامتهم، وآدميتهم في سبيل طاعة دعاة العنصرية، أو البحث عن الحرية التي لا تأتي رخاءً حيث أصابوا، واستقطعوا من أموالهم وقوت أطفالهم من أجل إشباع نهم «الأئمة»، واجتزأوا من عافيتهم تعباً وسهراً لخدمتهم، أو بحثاً عن مشكاة يدخل منها ضوء الانعتاق والتحرر.
 
لماذا أقول واثقاً: ثمة قلق وليس خوف على مكتسبات ذلك اليوم السبتمبري المشهود؟
 
لأنني انطلق في ثقتي من ذاكرة الناس الطرية عن تلك الحقبة السوداء من تاريخ اليمن.. البلد الذي أشرق منه تاريخ العرب وشهد ميلاد التاريخ، دخل في غيبوبة قسرية قرابة ألف عام، حين جاء قادة الثورة المضادة من قريش إلى شمال اليمن، ومنها دشنوا مشروع اغتيال العقل وتعبيد الناس وإلغاء جوهر الحرية الذي يساوي بين الجميع.
 
دخلوا في الإسلام ونخروه من الداخل، أعادوا تقسيم الناس إلى سادة وعبيد، عاد الرجل «القرشي» الذي لا يرى غيره في الطريق، عاد «يجهل فوق جهل الجاهلينا»، عاد يتكأ على وهم «النسب»، عاد يحتقر الناس ويمجد ذاته ويقدس رأيه، عاد يوزع أفراد المجتمع إلى طبقات لا وجود لها إلا في عقله الضامر، عاد يهين المرأة ويتعامل معها كمخلوق تابع صالح للمتعة وغير صالح للحكم، عاد يحرمها حقها في الميراث وحقها في المشاركة السياسية، عاد يفسد النظام الاجتماعي بدفاعه عن التراتبية العنصرية، عاد يقول أنا «صاحب الحق الإلهي في الحكم والعلم»، عاد مؤللاً بالجنود والقيود والسجون المتعفنة، عاد يبخس الناس أشياءهم، ويضر بالاقتصاد من خلال تعامله مع الفئات المنتجة بوصفها مهمشة وفي آخر السلم الاجتماعي.
 
تحالف «القرشي» مع كل ذي شر ليأمن شره، وقتل كل ذي خير حتى لا يلتفت الناس إليه، ويخرج هو من دائرة الضوء، فلا أحد غيره في مركز الدائرة.. يقف واثقاً من جهله، وحين يسأله الناس عن إدارة المستقبل يقول «ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين».
 
جاءت ثورة سبتمبر وكانت علامة فارقة في تاريخ اليمنيين، جاءت واليمني الممتلئ ثقةً وعزةً وإباءً هو في نظر حاكمه مخلوق حقير وضيع، فالحداد والحلاق والجزار والخياط والبقال والنجار ومعلم الأطفال كلهم ذوو مهن محتقرة، وفق نظرة الحاكم حتى يظلوا يشعرون بدونيتهم في مقامه.. لم يقل يوماً أحد من سادة البلاط أنا «يمني»، بل أنا «سيد هاشمي»!
 
في عشية الخميس 26 سبتمبر 1962 وجد الأحرار شعاع الحرية يلمع كبرقٍ شاردٍ في الأفق، فتدافعوا نحوه، وتوجهوا نحو «دار البشائر»، قصر حكم الأئمة، وقذفوه بوابل من أحقادهم المتراكمة طيلة ألف عام، وأعلن الشعب يوم ميلاده في ذلك الخميس البهي.
 
كان الإمام أحمد بن يحيى حميدالدين قد توفي في 18 سبتمبر، قبيل الثورة بثمانية أيام، متأثراً بجراحه، جراء محاولة اغتيال تعرض لها في مستشفى الحديدة «العلفي حالياً» من قبل ثلاثة شجعان: العلفي واللقية والهندوانة، الضربة الموجعة التي تلقاها الإمام من مسدسات هؤلاء الشجعان في 1959 جعلته يستدعي أطباء طليان لعلاجه، فكتبوا في تقريرهم عن حالته «لم يعد الإمام أحمد غير كتلة لحم متعفنة».
 
وكانوا محقين في ذلك؛ فقد كانت تحركات الإمام محدودة وضعيفة، نتيجة محاولة الاغتيال ومضاعفات عملية البواسير التي أجراها في روما عام 1955 وأقعدته كثيراً في القصر، وأشاع الناس أنه أصبح مريضاً وعاجزاً عن إدارة الدولة، فخرج يثبت عافيته وقدرته، وطاف بخيله الضخم ميدان تعز، يرفع السيف والبندقية، وما أن عاد إلى قصره حتى كانت الدماء تنزف من ظهره، فقد تفجرت عملية البواسير مجدداً، ولم يهدأ إلا بعد حقنه بـ «الموروفين» ومع مرور الوقت أصبح الإمام مدمناً كلياً على مسكنات «الموروفين» ومحدود الحركة، ونهم في الأكل حتى تحول إلى كتلة لحم.
 
بعد وفاته انتقل الحكم لطاغية جديد، بعمامة صغيرة الحجم، اسمه «محمد البدر» هو ولي العهد والنجل الأكبر للإمام أحمد، ويبدو أن الزيارات المتكررة للبدر إلى عدن والقاهرة وبيروت ولندن وروما وأميركا، وقربه من سياسيين ومثقفين يمنيين وعرب، قد جعلته يبدو طاغية «مودرن»، سيقبل بإصلاحات شكلية في مؤسسة الحكم، وسينفتح على العالم الخارجي الذي غابت عنه اليمن منذ ألف سنة، ولاتزال إلى اليوم تعاني من آثار تلك العزلة البغيضة، لكن لا مؤشرات أو دلالات على توجه الرجل الجاد نحو العمل الديمقراطي وإنهاء التراتب الطبقي، واحترام إرادة الشعب، وإلغاء الدولة الثيوقراطية القائمة.
 
بين عامي 2000– 2005 أعددتُ ملفات صحفية معمقة عن ثورة سبتمبر اليمنية، لحساب صحيفة «الثقافية» التي كنت أعمل فيها، وفي العام الأخير من تلك الفترة عملت لحساب صحيفة «الجمهورية»، وهي تجربة جعلتني أقترب أكثر من رجالات سبتمبر، محاوراً ومستمعاً وقارئاً، وتقريباً قابلت معظم الثوار، وقرأت أغلب مذكراتهم، وفيها من الحقيقة القليل، ومن اللبس الكثير، ومن المزايدة ما يفسد قيمتها، وقد صدق الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني حين قال: «لو أن كل ثائر اقتصر في الحديث عن دوره الحقيقي فقط، لكان لما يكتبه قيمة، ولتمكنا من توثيق تاريخ الثورة المجيدة».
 
لن نخاف عليك يا سبتمبر المجيد فأنت شهر الحرية والتحرر، شهر ولد فيه اليمن، وعادت الروح إلى الجسد العليل.. جاء سبتمبر فاهتزت الأرض وربت وأشرقت بنور ربها.. جاء واصطحب معه العلم والتنوير والحرية والصحة والكهرباء والمياه والطرقات، جاء وأخذنا إلى عالم لم نكن نعرفه، جاء يفتح لنا أبواب الحياة المغلقة منذ ألف عام.
 
قبيل الثورة بسنوات قليلة كان العالم يتجهز لزيارة القمر لأول مرة، و«إمام اليمن» يقول «الأرض معلقة بقرن ثور» ويخبئ مذياعه الصغير ويقول للناس هذا صوت الجن الذين يستطيع التحكم بهم.
 
سبتمبر يا شهرنا المقدس لن نخاف عليك.. فأنت شهر يحبنا ونحبه.

جريدة الوطن القطرية


قضايا وآراء
غريفيث