السبت, 24 يناير, 2015 01:32:41 صباحاً

حتى قبل يومين كان الحوثي هو الطرف الأقوى على الإطلاق، قوة منتفخة بالفراغ، انتفخت بسبب الساحة الغارقة بالفوضى. الجماعة التي اشتد ساعدها بسبب استخدامها المتكرر لضرب الخصوم، حتى صعدت صعودها الأخير في عملية ثأر مركبة على ثورتي سبتمبر 1962 وفبراير 2011.
القوة الفارغة تسقط بشكل أسرع مما تتوقع. اليوم الحوثي يواجه موقفاً صعبا يدفعه للتفاوض مع الرئيس المستقيل عبد ربه منصور بسقف تفاوض منخفض جدا، بعد حالة التعالي والنشوة الفارغة التي أصابتهم وبدت واضحة من خطاب سيدهم المنتفخ. كان بإمكان الجماعة المنتفخة أن تكسب كثيراً لو التزمت باتفاق السلم والشراكة؛ لكن الجموح وضعف الخبرة دفع الحوثي للطمع بابتلاع طعم أكبر من حجمه وتمدد نحو المحافظات، وتعنت مع شركائه في العاصمة صنعاء.
في الغالب فشل المفاوضات سوف يرمي الحوثي في أحضان حليفه الرئيس صالح، سواء للعودة لمجلس النواب أو تشكيل مجلس عسكري؛ أي الذهاب للثعلب في وكره. الحوثي خاسر في كلتا الحالتين، سواء نجحت مفاوضاته مع هادي أو ذهب لصالح الذي يريد انتخابات مبكرة يؤمن أن الفوز فيها سيكون من نصيبه.
في ظل حالة اللا دولة القائمة كان من الطبيعي أن تندفع المجتمعات المحلية لما تراه حفاظاً على مصلحتها. وكذلك بديهي أن غياب الدولة يثير النزعات المحلية والهويات المناطقية والقبلية المزدهرة أصلاً بسبب ضعف الدولة السابق.
لذا، اندفاع إعلان الأقاليم هو نتاج لوضع صنعاء. ليس فيه انتهازية بقدر ما هو ردة فعل لفعل خاطئ؛ لكنها حتى الآن تتحرك في إطار الدولة اليمنية ضمن التقسيم الفيدرالي لمؤتمر الحوار الوطني. لذا مهم ألا يندفع البعض في وصفها بالتحرك الانفصالي أو الانتهازي؛ لكن استمرار الوضع بصنعاء قد يحولها فعلاً لمشاريع انفصالية انتهازية وارتجالية، وهذا حديث سابق لأوانه، فهي حتى الآن مازالت أداة ضغط على المركز لتعديل وضعه اللا طبيعي، وتأمين لوضع هذه المناطق من الجموح الحوثي الذي يتحرك في دائرة اللا معقول واللا مفهوم.
البيان الأول الذي جاء من إقليم عدن، وتلاحقت بعده البيانات، كان بيانا مسؤولا يقطع الباب على جموح الحراك الجنوبي، ويهدف لتأمين مؤسسات الدولة، خاصة أن الجنوب فيه آخر ما تبقى من معسكرات مهمة للجيش اليمني، وتحتوي على عدد كبير من الأسلحة النوعية، أي أنها تمثل خط رجعة للجيش اليمني وإعادة بنائه.
بيان إقليم عدن كان استباقيا، يقطع الطريق على الحوثي والسلطة المرهونة له، خاصة أن أول خطاب للحوثي بعد إسقاط صنعاء أشار لمعسكرات الجنوب واحتمال سقوطها في يد "القاعدة"، كإحدى حجج الحوثي الشهيرة للتدخل. كذلك البيان كان قطع طريق لـ "القاعدة" والجناح المسلح للحراك.
تلاحقت بعده حركة الأقاليم. ومن اللافت أن النزعة المناطقية في تعز برزت بجموح يفوق ذلك الموجود بالجنوب، كرد فعل على ما يجري بصنعاء، أي أن تفكك الدولة يفتح الباب واسعاً للتمزق شمالاً وجنوباً، لو لم تتدارك النخبة في صنعاء الوضع الحالي ولم يحاول مجتمع صنعاء الذي يمثل كل أطياف المجتمع اليمني التحرك للضغط وتحريك العملية السياسية باتجاه مختلف عن المستقبل الميلشياوي الذي ينتظر اليمن مع استمرار سيطرة ميلشيا على مؤسسات الدولة.
اليوم يتعرض الحوثيون للعزل السياسي داخلياً من قبل الأحزاب، باستثناء قناتهم المفتوحة مع الرئيس علي صالح، ومفاوضاتهم القلقة مع عبد ربه، ويفقدون غطاءهم الشرعي دولياً، ويواجهون بحركة أقاليم تكشف لهم أن المجتمع اليمني أوسع بكثير من قدرة الجماعة على استيعابه. كل هذا يخلق حراكا جديدا لو تلقفه شباب ثورة فبراير وبقية القوى السياسية لمزيد من الضغط السياسي والدفع بالعملية السياسية مجدداً على أرضية انسحاب الحوثيين من المدن وإعمال مبدأ الشفافية في التوظيف من خلال تفعيل الجهاز المركزي للدولة المسؤول عن التوظيف في الحكومة، وهو معطل تماماً، ويمكن ربطه بجهات استشارية خارجية وإعطاؤه صلاحيات قانونية.
من الممكن جداً العودة لعملية سياسية سليمة بعدما خسر الحوثيون في يوم واحد معظم مكاسبهم بالقوة في ثلاثة شهور، لندرك كم هي هشة مكاسب القوة. وهذه العودة مرهونة بمدى وعي الشباب الثوري والشعب اليمني بصنعاء أولاً، ثم المحافظات، بالتحرك سريعاً للضغط والمراقبة في سبيل تحقيق المطالب الوطنية التي توقف نزيف الدولة اليمنية، وهي انسحاب الميلشيات من المدن أولاً، ثم تشكيل مجلس رئاسي مدني - عسكري أولوياته إعادة ترتيب وضع الجيش وتجهيز البلد لانتخابات عاجلة بعد عدة شهور.
* صفحة الكاتبة على الفيسبوك


قضايا وآراء
انتصار البيضاء