صنعاء: الحوثيون يواصلون ابتزاز المواطنين بذريعة الاحتفال بالمولد النبوي     شرطة تعز تقبض على مشتبهين بتفجير سيارة النقيب السفياني بعد الحادثة بساعات     أمهات المختطفين تكشف عن تعذيب مروع لسجينات بمركزي صنعاء     وفد إماراتي إلى اسرائيل وتنقل للأفراد بدون فيزا     اليمن تعترض لدى مجلس الأمن حول إرسال إيران سفيرا لها إلى صنعاء     الحوثيون يشيعون قيادات عليا في قواتهم بعد مصرعهم بعدد من الجبهات     مليشيا الحوثي تقوم بدفن عشرات الجثث دون الإفصاح عن هويتها     بنات عدن يخرجن بصحبة أقاربهن بعد تزايد حالات الاختطافات     إذا كانت السعودية الحليف فلا غرابة بوصول السفير الإيراني إلى صنعاء     فضيحة تلاحق وزير التسامح الإماراتي بعد اعتدائه جنسيا على مواطنة بريطانية     تقرير يوثق تجنيد الحوثيين 5600 طفل منذ بداية العام     مأرب تستقبل الأبطال من الأسرى والمختطفين المحررين من سجون الظلام الحوثي     استئناف محاكمة أحد أشهر العلماء والمفكرين في السعودية     الصليب الأحمر يعلن اختتام صفة تبادل الأسرى فماذا قال؟     أسماء الخمسة الصحفيين الذي تم الإفراج عنهم اليوم في صفقة التبادل    

الأحد, 13 سبتمبر, 2015 07:01:09 مساءً

"من قال برأسه كذا.. قلنا بسيفنا كذا.."، قانون الغاب الذي كرسه الأئمة في سلطانهم، فأزالوا قيم الحب والتسامح، وبعثروا بكرامة الإنسان اليمني فوق التراب، كانوا يقولون أنهم يحكمون بأمر الله وباسم الحق الإلهي؛ إلا إنهم في الحقيقة مارسوا العبث على عباد الله في حياتهم وممتلكاتهم، فالاستبداد المطلق كان عنوان حكمهم وهويته اللصيقة به، والطغيان الأحمق كان سلوكهم اليومي الذي يتباهون به، قادوا البلاد بما أملته عليهم رغباتهم الفجة، وفَصلُوا فقهاً سياسياً يشملهم بكل الخيرات، ويستثني كل اليمن.
 
كان لهؤلاء الأئمة الطغاة "عُكفة" أعفاط؛ تم تجنيدهم بعناية فائقة، لقهر الشعب وإذلاله، وتطبيق قانون الغاب بصورة أشمل، كي تعُم مصائبه الصغير والكبير دون استثناء، وكان حال هؤلاء المُتنفذين أشبه بوصف الشاعر المتنبي: جوعان يأكل من زادي ويمسكني لكي يقال عظيم القدر مقصود أسس الإمام يحيى ذلك الجيش خالصاً مخلصاً على أساس قبلي محض، ومعظم افراده من قبائل شمال الشمال "أبناء ألأنصار ــ أنصار الله"، الذين حاربوا معه الأتراك، وكان يسمى بالجيش "البراني" حيث يتولى أفراده تسليح أنفسهم من مالهم الخاص، وكان الواحد منهم لا يسمى جندياً، بل مجاهداً في سبيل الله؛ وتتلخص مهامهم في "التنافيذ، المأموريات، الخطاط"، وأفراده دائما في حالة تحفز للحرب، وأغانيهم وأهازيجهم أغاني وأهازيج حرب، والعسكري منهم يحظى باحترام من يعمل في معيته، وكان يبدي "العامل" سروره بأن يكون ذلك "العُكفي "- كما هي التسمية الشائعة - في رفقته، فهو بالإضافة إلى مسنده القبلي غليظ الطباع، لا يتهاون في أمور الجباية والتنافيذ، ولا يعرف قلبه الرحمة.
 
أوغلت سلطات الأئمة في تفتيت وتمزيق الوطن والشعب الواحد، على قاعدة العصبية المذهبية والعرقية السلالية، ولقد عرَّف الشهيد محمد محمود الزبيري الإمامة في كتابه (الإمامة وخطرها على وحدة اليمن) بأنها فكرة مذهبية طائفية يعتنقها من القديم فئة من الشعب وهم الهادوية، وأن باقي اليمنيين لا يدينون بها، ولا يرون لها حقاً في السيطرة عليهم، لافتاً أن التحكم الإمامي خلق شعوراً مريراً لدى غالبية الشعب، وابقى الانقسام ظلاً قاتماً رهيباً يخيم على البلاد، وأضحت الحكومة الإمامية في نظر هذا القسم حكومة دخيلة عليه لا تعبر عن إرادته، وكأن سكان اليمن الأعلى طبقة حاكمة تحتكر الحكم لنفسها؛ واليمن الأسفل مجرد مجال حيوي لها. ويؤكد الزبيري أن سكان اليمن الأعلى العقلاء منهم أبرياء من هذا الافتئات والظلم، بل أنهم لبثوا الدهر الطويل يعانون مرارة الطغيان الإمامي، ويرون فيه حكماً طارئاً عليهم، دخيلاً على حياتهم، يفرض عليهم إلى جانب السلطة السياسية سلطة روحية تعيش في دمائهم كالكابوس الرهيب، وتجرعهم المعتقدات الإمامية المسمومة، ثم تطلقهم على الفريق الآخر من مواطنيهم كالذئاب المسعورة.
 
تحفظ لنا كتب التاريخ تلك المحادثة التي دارت بين أحد الأئمة وأحد ولاته الذين أسرفوا في نهب وتدمير ممتلكات الرعية الشوافع، وحين شعر الوالي بالذنب ارسل إلى الإمام يسأله: "هل يؤاخذنا الله فيما فعلناه بحق هؤلاء..؟!". فأتاه الجواب كالصاعقة: "لا يؤاخذني الله إلا فيما ابقيته لهم..!!". الطابع الديني إذن كان هو الغالب والمتسيّد، وكان لتلك الفتوى أثرها البالغ في نفوس هؤلاء "المتهبشين"، وبما أن الشوافع بنظر الأئمة ومن شايعهم "كفار تأويل" و "إخوان نصارى" فهم يستحقون ما يجرى لهم من سلب ونهب وإذلال، وعلى هذا الأساس أبيح لـ "العُكفة" أن يسكنوا في مساكن الرعية بالقوة، حتى لو أدى الأمر إلى طرد رب المنزل؛ وأن يفرضوا على الزوجة خدمتهم وإطعامهم، والكثير الكثير من المعاناة التي تحتفظ بها الذاكرة الشعبية، وترددها على الدوام.
 
يلخص لنا الشاعر الشهيد محمد محمود الزبيري جانباً من تلك المعاناة في مساجلة شعرية بديعة: (العسكري):
 
 أين الدجاج.. وأين القات فابتدري إنا جياع وما في حيكم كرم
 (العجوز):
 يا سيدي ليس لي مال ولا نشب
 ولا ضياع ولا قربى ولا رحم
 إلا بني الذي يبكي لمسغبة
 وتلك أدمعه الحمراء تنسجم
 (العسكري):
إني إذن راجع للكوخ أهدمه
 يا شافعية إن الكذب دأبكموا
 الهروب من ذلك الجحيم قرار اتخذه كثيرون، وكانت عدن المدينة، والحبشة الدولة، الأقرب لذلك اللجوء الاضطراري، تشاركهما عديد دول، وإن بنسبة أقل، وكان لهؤلاء الهاربين الأثر الأكبر في دعم ومساندة الحركات التحررية بالداخل اليمني فيما بعد.
 
 وبالعودة إلى أدبيات الثوار الأوائل، نجد أن رفع الظلم عن الرعية الشوافع كان البند الأول في سلسلة مطالبهم الإصلاحية، الداعية في الأساس إلى المساواة والعدالة الاجتماعية، كما ركزت مقترحاتهم الاقتصادية على إيجاد مصادر أخرى لدخل الدولة، تخفف من حدة الجبايات التعسفية التي أثقلت كاهل الرعية، وهي مطالب لم يعرها الأئمة الطغاة أي اهتمام.
 
"إن موقف الطاغية كذلك الذي يقطع الشجرة لكي يقطف الثمرة.." حكمة قالها "منتسكيو" قديماً، جسدها الأئمة من بيت حميد الدين وأسلافهم، وكما كانت اليمن بالنسبة لهم قرية للجبايات الكبيرة، كان الشعب تلك الشجرة الغنية بالثمار، إلا أنها بالنهاية سقطت فوق من اعتدى عليها وأردته قتيلاً..


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة