السبت, 05 سبتمبر, 2015 09:53:47 صباحاً

اتفاقية صلح دعان 1911 بين الاتراك والإمام يحيى، أعطت الأخير حكماً ذاتيا للمناطق الزيدية من اليمن الأعلى، لتطوى بذلك صفحة قاتمة لصراع كلف الجانبين آلاف الضحايا، ولم يعد الاتراك بعدها كفار تأويل مهدوري الدم، كما لم يعد الإمام خارج عن طاعة الخلافة يجب إخضاعه.
 
بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، بات خروج الأتراك من اليمن أمراً واقعاً، انسحبوا في البدء من لحج والشيخ عثمان، وهي مناطق دخلوها في العام 1915، ثم توالى انسحابهم بشكل تدريجي من باقي مناطق اليمن، وكي لا يقع ميراث امبراطوريتهم العجوز بيد الانجليز، اضطروا لتسليم الحكم للإمام يحيى، بعد أن تعذر وجود البديل.
 
وفي "العماقي" بمدينة القاعدة، عقد مشايخ وأعيان اليمن الأسفل مؤتمراً من أجل تحديد مستقبل اليمن، وعدم الانضمام إلى حكم الإمام يحيى، إلا أن المؤتمر فشل بسبب التنازع القائم بين المشايخ المجتمعين!!.
 
الاستيلاء على مناطق اليمن الأسفل طموح لازم الإمام يحيى منذ دخوله صنعاء 1919، كان التصدي الأول لجحافلة المتوغلة جنوباً في منطقة "حبيش"، وهناك دارت معارك شرسة استمرت لمدة ستة أشهر، بعد انتصارها اتجهت الجيوش الغازية صوب الحجرية، لتسقط بعد عاميين من المقاومة في قلعة المقاطرة الحصينة، بعد أن كبدت الغزاة مئات الضحايا، وما كان لها أن تسقط لولا الخيانة التي جبل عليها مشايخ تلك المناطق..!!.
 
لم يكتف جنود الإمام بالقتل والتنكيل والسلب، بل عمدوا على نسف جميع منازل المواطنين، وهم يرددون:
"يا حجرة اليهودي.. روحي ولا تعودي"!!.
 
لولا أن الانتفاضات توالت عليه في المناطق التي احتلها لا ستمر الإمام يحيى في توغله جنوباً، ويلخص أحد الشعراء المادحين ذلك بقوله:
تقدم فقد ثلت عروش الجبابرة
ودكت رواسي بغيهم فهي صاغرة
وتاريخ حم ان إمامنا
سيملك جبل شمسان بعد المقاطرة.
 
وبالرغم أن باقي مناطق اليمن الأسفل لم تكن مستعصية، ورضخت لحكم الإمام يحيى، إلا أن ذلك لم يشفع لها، واستمر هذا الأخير بارسال الحملات العسكرية لتركيع وإذلال سكان تلك المناطق، وكانت الوحشة قائمة على أشدها بين الوافدين قواداً وجنوداً وبين المواطنين، ولم يستريح الحكام الجدد إلا بالقضاء على الشخصيات القيادية المحلية بشتى الوسائل، كما عملوا على اختلاق المعاذير لابتزاز المواطنين ونهب ممتلكاتهم، وقد كان الجندي القادم من الشمال مجاهداً في سبيل الله، بينما الرعوي المسكين ابن البلد واحداً من إخوان النصارى، يستحق كل ما يجرى له!!.
 
ها هو التاريخ يعيد التاريخ نفسه، بصورة اشد قتامة، فقد عمدت جماعة الحوثي وريثة ذلك العهد البائد، على التهام الجغرافيا، واذلال الانسان، بمساعدة لاعبين سذج، كانوا يرونها وسيلة انتقام لا اكثر، فإذا بها تنتقم منهم اولا، وتستحوذ على كل شيئ، بنفس الوسائل التقليدية الحقيرة التي انتهجها الاسلاف السلاليين.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء