ديمقراطية تونس في خطر     استشهاد ثلاثة مدنيين بقذيفة لمليشيا الحوثي على حي سكني شرق مدينة تعز     ضبط خلايا إرهابية تابعة لمليشيا الحوثي في أربع محافظات     مليشيا الحوثي تستأنف الهجوم على الحدود السعودية     يوم فني في تعز على سفوح قلعتها العريقة     محافظ مأرب يشيد بالوحدات الأمنية ودورها في تعزيز الأمن والاستقرار     مسلح حوثي يقتل والديه وهما صائمين بسبب رفضهم انضمامه لصفوف المليشيا     الفطرية في شخصية العلامة محمد بن اسماعيل العمراني     الموت البطيء في سجون الإمارات بعدن.. صحفي يروي تفاصيل الاعتقال والتعذيب     تفاصيل انهيار جبهة الزاهر بالبيضاء ومن أين جاءت الخيانة؟!     تخرج وحدات أمنية من منتسبي وزارة الداخلية في محافظة أبين     القاضي محمد بن إسماعيل العمراني.. مئة عام من الفقه والتعليم     السلالية.. العنف والتمييز العنصري     الملك سلمان يلتقي سلطان عمان والإعلان عن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين     مسؤول في الجيش: المعركة مستمرة في البيضاء ومأرب والجوف بإشراف وزارة الدفاع    

الجمعة, 04 سبتمبر, 2015 08:22:26 مساءً

يحسب الكثير إن للتطرف والتعصب ديناً واحداً أو جماعة واحدة بعينها، فتجدهم حين يتحدثون عن التعصب والتطرف دائما ما يربطونه مباشرة بتلك الأطراف والجماعات التي لها أساس ومنطلقات دينية فقط، متغاضين عن أسلوب وتفكير بقية الأطراف والجماعات غير الدينية, مهما كان حجم تطرفها ومقداره وبروزه على الواقع.
 
إن التطرف الديني والتطرف اللاديني فيه من نقاط التشابه والاختلاف الكثير، فهما يتشابها في بنية التفكير والاحتكار والتعصب والتقديس وتجنب النقد وغيرها، وبغض النظر عن الأساليب المستخدمة, كنتاج لهذا التطرف, والتي ربما تختلف من الديني عن اللاديني، فإن ما يجمعهما بنية تفكير واحدة وتعصب وإيمان بالحقيقة الواحدة، حتى وإن ادعت تلك اللادينية عقلانيتها وما تطرحه من وسائل ونهج وتفكير.
 
قد يقول قائل، إن التطرف والتعصب الديني هو فقط من يفرز العنف ويبرر استخدم الدين وقتال الآخر وغيرها من الممارسات، وان اللادينيين لم يستخدموا العنف ولا الدين في أعمالهم وسلوكهم، قد يكون ذلك صحيحاً لكن من ملاحظتي للكثير وإن أعلنوا أنهم ليسوا دينيين, قد جعلوا من تصرفاتهم وتفكيرهم ديناً مطلقاً, متشبثين به ومحتكرين له متجاهلين للآخر المختلف، كتكرار لنفس نموذج المتطرف الديني ولا يقل عنه في التعصب والغلو, الذي سيجعله مع الوقت مؤمناً باستخدام العنف والسلاح وتبرير القتل بأساليب شتى، وبدلاً من أن نكتفي بداعش الدينية، سيكون لنا داعش اللادينية بقالب لا ديني يحمل فكراً دينياً مطلقاً.
 
ولذلك ان التطرف والراديكالية ليست حصراً على التيارات الدينية ومنتسبيها، فهناك تيارات ليست دينية، لكن لها وجهاً متعصباً ومتطرفاً تجاه الآخر، ولا تكاد تفرق في تفكيرها عن الأخرى الدينية، كأنها نسق تفكير واحد، ومدرسة واحدة خرج منها كل هذا التطرف المتشابه بإفرازاته المختلفة.
 
ولا اخفيكم ومن واقع عشته وأحتككت به ببعض من يسمون انفسهم بالعقلانيين والمتنورين ويدعون التحرر والنسبية، فقد وجدت العديد من من يؤمن بمثل هذه المصطلحات الحداثية ويرددها باستمرار، وحين تجد فرصة للدخول الى عالمه وتفكيره وتبدأ بقياس ومناقشة منطقية ما يردد ويفكر، ستجده لا يختلف عن ذاك المتطرف دينياً، سوى ان ذاك يستند الى دينه وآبائه ويتعامل معها بتقديس وإطلاق، وهذا الذي يستند الى شيء لا ديني لكنه يعطيه نفس الإطلاق والهالة والتقديس الذي قد تجده لدى ذاك المتدين.
 
فما الذي اختلف بين هذا وذاك، اليس الانزواء والاحتكار وغياب الذاتية والنسبية في ممارسة التفكير والقولبة والتفكيك، اليس هو المنطق ذاته، فلربما يتفهم البعض منطق ذلك المتدين الذي جُبل على دين وطبع وتعليمات وتنشئة اجتماعية معينة، ويرفض النظر لها ونسبيتها، لكنه في المقابل لن يتفهم سلوك ومنطق ذلك العقلاني غير المتدين وتحوله لانتهاج سلوك خصمه ورفضه قولبة وتفكيك افكاره البشرية التي اعتنقها وحولها لحقائق دينية مطلقة.
 
ما أقصده أن أي شيء أو فكره، يمكن أن تتحول بمثل هذا السلوك والتفكير إلى فكرة متطرفة، حتى وإن كانت العقلانية نفسها، فالعقلانية قد تتحول الى تطرف إن تعاملت مع نفسها كمنظومة حقائق مغلقة ومطلقة، وإن كل شيء يمكن إدراكه بمنطقها ومفاهيمها وأدواتها، وهذا ما يجعل من مسألة البيئة ملائمة للتطرف الذي يمكن تبريره من انصاره، بمنطق قد لا يختلف عن أسس تشكيل البيئة الدينية المحضّة التي تنظر لنفسها ايضا كمنظومة حقائق مطلقة لا يستطيع احد مجابهتها والوقوف امام تفسيراتها، وهذان المنطقان إنما يؤسسان لمواقف إقصائية لا تتعامل مع الآخر بتسامح، وتجعل كلاً ينظر للآخر إما بوصفه غير عقلاني وغير علمي أو غير ديني لا يقبله المنطق والنص والتفسير الديني، والإصرار على منظومة من عدة مبادئ علمية أو دينية أو غيرها كمنظومة تصلح لحل جميع المشكلات، ربما يقود إلى خلق مشاكل عديدة ناجمة عن محاولات فرضها وتطبيقها بتلك الوصفة من الرؤية الواحدة.
 
واقعنا مليء ومليء جداً بمثل هذه النماذج، ونظره فاحصه على الواقع ستبين لنا سلوك انصار الأحزاب والجماعات وتعصبها ونظرتها تجاه الآخر، والمشكلة انك تجد كلاً يوصف الآخر بالتطرف ويمارس عليه نقداً لاذعاً لسلوكه هذا او منطقية فكرته تلك، لكنه لا ينظر لنفسه وفكره، ولا يمارس نقداً ذاتياً يشفع له بنقد الآخر والتحدث عنه، بل ينظر لنفسه كذات مقدسة، وكأنه آتى من عالم آخر، وليس بحاجه الى كل هذا الكم من الجماعات والأفكار المتخلفة الرثة التي اكل منها الدهر، وعفا عليها الزمن.
 
التقديس على سبيل المثال هو نفسه عند هذا او ذاك، تقديس الأشخاص والأفكار هو محل اتفاق بين الطرفين، فكما يضع المتطرف الديني تقديساً لشخصيات وافكار اصطنعتها مخيلته وتراثه الديني، ستجد ايضاً نفس الهالة من التقديس لدى الطرف غير المتدين، وسينتقد التقديس الذي تمارسه تلك الجماعة بحق قادتها واعضائها وافكارها، لكنه سرعان ما يتناسى تقديسه هو، وكم هو غارقاً في وحل التقديس والشخصنة والإطلاق، وربما ستجده أكثر من خصمه، وسيستخدم لذلك لغة أدبية عالية وأرقى مما لدى ذاك المتخلف الذي انتقده وتقديسه، وأعتبره متخلفاً وغير حضاري ولا يمت للعصر بصله.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء