أمهات المختطفين تكشف عن تعذيب مروع لسجينات بمركزي صنعاء     وفد إماراتي إلى اسرائيل وتنقل للأفراد بدون فيزا     اليمن تعترض لدى مجلس الأمن حول إرسال إيران سفيرا لها إلى صنعاء     الحوثيون يشيعون قيادات عليا في قواتهم بعد مصرعهم بعدد من الجبهات     مليشيا الحوثي تقوم بدفن عشرات الجثث دون الإفصاح عن هويتها     بنات عدن يخرجن بصحبة أقاربهن بعد تزايد حالات الاختطافات     إذا كانت السعودية الحليف فلا غرابة بوصول السفير الإيراني إلى صنعاء     فضيحة تلاحق وزير التسامح الإماراتي بعد اعتدائه جنسيا على مواطنة بريطانية     تقرير يوثق تجنيد الحوثيين 5600 طفل منذ بداية العام     مأرب تستقبل الأبطال من الأسرى والمختطفين المحررين من سجون الظلام الحوثي     استئناف محاكمة أحد أشهر العلماء والمفكرين في السعودية     الصليب الأحمر يعلن اختتام صفة تبادل الأسرى فماذا قال؟     أسماء الخمسة الصحفيين الذي تم الإفراج عنهم اليوم في صفقة التبادل     بن دغر يؤكد على ضرورة تنفيذ اتفاق الرياض بشقيه العسكري والسياسي حزمة واحدة     اليمنيون يحيون ذكرى الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر في ماليزيا    

الثلاثاء, 01 سبتمبر, 2015 12:44:40 مساءً

ينتشر العلويون في جنوب اليمن وشماله، وقد أصبحوا من المكونات الأساسية في نسيج المجتمع اليمني، إلا أن ما تمر به اليمن من أحداث ومحن قاسية في هذه الأيام، وعلاقة ذلك بالعلويين أو الهاشميين في اليمن، وما قد يترتب على ذلك من صراعات وتشققات في نسيج المجتمع اليمني، يستدعي منا النظر وأخذ العبرة (وخصوصاً العلويين) وذلك من خلال النظر في تاريخ العلويين في اليمن ودورهم وما ترتب على ذلك من نتائج سواء كانت إيجابية أو سلبية.
 
وقد خطر لي هنا أن أقارن بين منهجين أو طريقتين تبناهما العلويون في اليمن من أجل التغيير والإصلاح، أحدهما اعتمد على الدعوة والإرشاد (التغيير السلمي) وثانيهما اعتمد على العنف والسيف في نشر الفكرة التي يتبناها. وهذه الطرائق أو المناهج تمثل تجربة ثرية بالدروس التي يمكن أن نستفيد منها اليوم.
 
لقد اعتمد العلويون الهادوية الزيدية في شمال اليمن وخصوصاً في شمال الشمال على السلطة والسيف في نشر عقائدهم وأفكارهم، وذلك منذ قدوم الإمام الهادي إلى الحق يحي بن الحسين مؤسس المذهب الزيدي في اليمن إلى مدينة صعدة سنة 284هـ.
 
بينما اعتمد بنو عمهم العلويون الشافعية في الجنوب( السادة آل باعلوي) على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة في نشر العقائد والأفكار التي يحملونها، بل جاء في بعض المصادر التاريخية بأن منشئ طريقتهم ومؤسسها محمد بن علي المعروف(بالفقيه المقدم) قد ترك السلاح ووضعه في مرحلة زمنية معينة وتبعه في ذلك العلويون، ونقلهم بذلك إلى الإطار الصوفي السلمي الذي يعطي أولوية للجانب التربوي الروحي ونبذ العنف والتركيز على تربية الأتباع ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة مبتعدة كل البعد عن الأهواء والتعصب المقيت، بينما كانت القبائل مشغولة بحمل السلاح والقتال والتنازع فيما بينها على الحكم والرئاسة والتي كانت سببا في كثير من الفتن والصراعات في تاريخ الشعوب والأمم. وصدق من قال:
لئن صبرت عن فتنة المال أنفس            لما صبرت عن فتنة النهي والأمر
وعند التأمل والنظر في نتائج وثمار كلا المنهجين، سنجد بكل تأكيد إن ما حققه العلويون الحضارم في جنوب اليمن كان له الأثر الكبير سواء في اليمن أو خارجها وبشكل لا يقارن بما أحدثه بنو عمهم من العلويين في شمال اليمن الذين اعتمدوا العنف والغلبة والتركيز على السلطة كوسيلة للقهر والإخضاع بالقوة والذي نجم عنه كثير من الآثار السلبية، كما كان له  بالغ التأثير على وحدة العلويين أنفسهم في شمال اليمن وتماسكهم. وكمدخل لما أرمي إليه سنلقي نظرة سريعة للمقارنة بين نتائج وثمار المنهجين :
 
 
 
أولاً: العلويون الحضارم الشافعية (السادة آل باعلوي):
 
 فآل أبي علوي يعرفون بالعلويين أو الأشراف، نسبة إلى جدهم علوي بن عبيدالله ابن المهاجر أحمد بن عيسى المتوفى سنة 412هـ/1021،الذي هاجر جده- الإمام أحمد المهاجر- من العراق إلى حضرموت سنة 318هـ/930م، وتوفى بها سنة 345هـ/956م،وهم ينتسبون إلى الإمام الحسين بن علي ابن أبي طالب ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم،وزوج ابنته فاطمة الزهراء.
وقد احتل (آل أبي علوي) المرتبة الأولى في السلم الاجتماعي في حضرموت لصحة وثبوت نسبهم، ودورهم الاجتماعي والمالي والإصلاحي بين الناس، واحتلالهم المراكز العلمية والفكرية، ونشر وتعليم الناس مبادئ الإسلام، وإنشاء المساجد والمدارس العلمية، ولما تمتعوا به من صفات أخلاقية، وتبحر في العلوم، وسمو في الأخلاق، جعلهم يحتلون الصدارة في المجتمع.
 
 
ولقد كان للعلويين الحضارم دور كبير في نشر الإسلام والعلم والهدي النبوي في جنوب شرق آسيا ونواحي أفريقيا، وقد ذكرت كتب التاريخ الإسلامي واليمني- وحتى الغربي والاستشراقي- انتشار الإسلام في الهند وجنوب شرق آسيا- والتي تشمل (إندونيسيا) و(بروناي) و(ماليزيا) وسنغافورة وفطاني والفلبين حتى مشارف كوريا واليابان وأرض سيام وكمبوديا على يد السادة الأشراف من بني علوي الحسينيين.
أما نشرهم الإسلام  في نواحي أفريقيا فقد كان للسادة آل با علوي الفضل والشرف في دخول الإسلام ونشره وتوسيع رقعته في نواحي شرق أفريقيا التي شملت كينيا وأوغندا وتنزانيا وجزر القمر ومدغشقر والحبشة والصومال وزائير والكونغو.
 
ويذكر بعض الباحثين أن السادة آل باعلوي الحسينيين قدموا للعالم الاسلامي مثله مساحة وسكاناً بإدخالهم الدين الإسلامي إلى شرق آسيا وشرق أفريقيا.
 
أما عن الدور السياسي والاجتماعي الذي قدمه العلويين الحضارم، فقد كان لهم أكبر الأثر في إصلاح نزاعات المجتمع الحضرمي وفضها، فنظموا الأعراف القبلية وجعلوها مقيدة بقيود الشرع الحنيف كما أنهم قاموا بسحب السلاح من القبائل التي تقوم بترويع الآمنين والأبرياء،كما قام السادة آل الكاف بتعبيد الطريق الذي يصل بين داخل حضرموت(تريم وسيؤون) وساحلها(الشحر والمكلا) وقاموا بتأمين ذلك الطريق من القطاع واللصوص، كما قاموا بإنشاء الكثير من الصروح العلمية في حضرموت وغيرها، وقاموا بإنشاء المكتبات العامة الموقوفة لطلبة العلم والباحثين.
 
كما صك بعض تجارهم العملات النقدية الفضية والنحاسية لرفع الخلاف بين المتبايعين في المجتمع الحضرمي، كما بنى السادة من آل الكاف مستشفى تريم ومستشفى سيؤون لعلاج المرضى والمصابين.
 
وللسادة آل باعلوي كثير من الأعمال النافعة للأمة والمجتمع الماثلة للعيان في القطر اليمني والتي لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يهضم حقها، ولا يتسع المجال لذكر كل أعمالهم هنا.
 
يقول المفكر الإسلامي أبو الحسن الندوي :
 وكذلك الفضل الأكبر في انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا وفي جزائر الهند(إندونيسيا) يرجع إلى السادة الأشراف، يقول المؤلف ل،و،س، فندن بيرخ في كتابه:
( إن التأثير في الإسلام إنما كان من السادة الأشراف، وبهم انتشر الإسلام بين سلاطين الهنود في جاوا وغيرها، وإن كان يوجد غيرهم من عرب حضرموت، ولكن لم يكن لهم ذلك التأثير)، وعلل هذا الأمر الواقعي بأن السبب هو كون هؤلاء من ذرية صاحب الرسالة الذي جاء بالإسلام.
 
وجاء في تاريخ سراواك أن السلطان بركات كان من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد اشتغل السادة الحسينيون أهل حضرموت بالتجارة البحرية ونشروا الإسلام عن طريقها. وجاء في قرار من مجلس المشاورة المنعقد في 8 ذي الحجة 1382هـ (20إبريل 1962م) أن السادة العلويين الحضرميين الشافعيين، هم الذين نشروا الإسلام في إندونيسيا.
 
وكذلك دخل الإسلام إلى جزيرة فلبين في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي على أيدي جماعة من الأشراف العلويين الذين وصلوا إلى تلك البلاد، وقد حملوا راية الدعوة الإسلامية هناك، وساعدوا على تنمية البلاد وتطوير مؤسساتها الاجتماعية والثقافية والسياسية.
وكذلك في جزائر القمر وما والى جزيرة مدغشكر، وموزنبيق وبلاد الملايو وغيرها.
 
 ويمكن هنا أن نستعير كلام المستشرق الروسي والأستاذ المحاضر بجامعة ميتشجن الكسندر كنيش في تلخيص تجربة العلويين الحضارم وأتباعهم، إذ أنه تماماً مطابق للواقع، حيث يقول: ويصح لي أن أجادل بأن المشايخ الصوفيين من ذوي الشعبية الواسعة والشخصيات الكارزمية المؤثرة كالسودي وبامخرمة لم يقوموا بنشر التصوف بين أهل عصرهم فحسب؛ بل إنهم، بمعنى من المعاني، أنشئوا ثقافة ونمط عيش ومنظومة قيم دائمة وقابلة لأن تكون بديلاً عن الروح القبلية القتالية التي كانت سائدة لدى النخبة الحاكمة في بلدهم الذين اتسموا  بالاحتراب المستمر من أجل السلطة وبالسلوك الجشع تجاه رعاياهم المقهورين حتى أصبحو خطراً يهدد المجتمع بتمزيق مؤسساته الاقتصادية ونسيجه الاجتماعي الهش. ومهما يكن من أمر حول التفسير الذي يرجع نشاطاتهم واعتقاداتهم إلى النزعة الهروبية، اتساقاً مع الأطروحة التي تذهب إلى أن للدين وظيفة تعويضية، فإننا لا نستطيع أن ننكر أنهم نجحوا في  خلق ثقافة مضادة لسلوكيات الوحشية والغدر والجشع والتقليد الفكري والسلوكي التي كانت متفشية في عصورهم تلك.
 
ثانياً: العلويون الهادوية في شمال اليمن:
تشكل عودة الإمام يحي بن الحسين الرسي من جبل الرّس بالقرب من المدينة في مطلع 284هـ بناء على طلب وفد  من زعماء ورؤساء القبائل اليمنية، منعطفاً تاريخياً هاماً في تاريخ اليمن، فقد أسس الإمام يحي بن الحسين الذي لقب نفسه (بالهادي إلى الحق) حكم الأئمة الزيدية باليمن الذي استمر لأحد عشر قرناً بين قوة وضعف، فكان يشمل في بعض الفترات حكم اليمن الطبيعية من حدود عمان جنوباَ حتى حدود الحجاز شمالاً، وينكمش أحياناً فيقتصر على صنعاء وشمالها أو على بعض المناطق الشمالية ومركزها صعدة في أحيان أخرى وذلك حتى قيام ثورة 26سبتمبر 1962م
 
وقد أدى مبدأ الخروج عند الزيدية بدون شك إلى قيام كثير من الفتن والاضطرابات منذ دخول المذهب الزيدي إلى اليمن، وهذا ما دفع هانز هلفرتز إلى القول ( إن أهم أسباب اضطرابات اليمن أيام الحكم  العثماني هو تعلّق اليمنيين بفكرة الإمامة، فالمذهب يبيح بطبيعته فرصة التنازع بين أبناء بيت(علي) على الإمامة فيظهر العديد من الأدعياء وتزيد الفوضى والاضطراب طالما كانت السلطة العليا ضعيفة).
 
وكان أول تنافس وصراع في الوسط الزيدي بعد وفاة الناصر أحمد بن الهادي (325هـ) حيث ذكرت المصادر الزيدية ادعاء أولاده الثلاثة الإمامة، وخوض اثنين منهم صراعاً طويلاً استمر إلى وفاتهما. وقد كان للصراع والتنافس على الإمامة لفترة طويلة في المناطق الزيدية تأثيراً بالغاً في البنية التحتية والعمران البشري؛ حيث ترتب على الصراع بين المتعارضين إلحاق الضرر بالبنية التحتية في المجال الحيوي الزيدي، وتخريب مظاهر العمران فيه بدءاً بصعدة، القاعدة الأولى للإمامة الزيدية التي أصبحت ميداناً للصراع في أول حالات التعارض بين أحفاد الهادي، والذي نتج عنه تخريب دربها وما فيها من مزارع وآبار وبيوت وأسواق، وأشارت المصادر إلى أن الخراب في صعدة كان شديداً، إلى درجة أدت إلى خروج معظم أهلها منها، بما في ذلك الأسر العلوية والتجار وغيرهم.
 
وكان من سيرة أئمة الزيدية إخراب الدور والمنازل والمزارع، ويمكن القول إن جميع حالات التعارض والصراع على الإمامة شهدت واحدة أو أكثر من عمليات التدمير(تخريب وهدم وأسر وقتل وسبي ونهب وقلع وحرق) بغض النظر عن حجم ما تحقق منها.
 
 وأما تأثير ذلك الصراع على العلويين أنفسهم في اليمن ومكانتهم فقد كان واضحاً، فلم تكن علاقات البطون العلوية مستقرة أو ودية.  وكان من تيجة الصراع بين أبناء الناصر (الحسن والقاسم) انقسام البيت العلوي وقاعدته الزيدية وخراب صعدة. ودخلت البيوت العلوية في صراعات ومواجهات بعضها مع بعض وغالبا ما نجد بعض أبناء الأسرة في تحالف مع أسرة علوية أخرى ضد أبناء عمومتهم الأقرب إليهم نسبا.
 
وقد أدت هذه الصراعات إلى فقدان تلك الأسر قدراً كبيرا من مصداقيتها؛ وذلك أن الأسر العلوية الهادوية في شمال اليمن قدمت نفسها على أنها المرجعية الدينية الأكثر شرعية، كونها تتصل من جهة النسب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كما أنها تحمل فكرا سياسيا انطلق من حق آل البيت في إمامة الناس، وهو ما من شأنه أن يشيع العدل، ويحقق الاستقرار الذي ينشده الناس، غير أن حالات التعارض بين بطونها، أدت إلى فقدان الأسرة والإمامة الزيدية قدراكبيرا من مصداقيتها وهيبتها، التي بذل الهادي وابناه المرتضى والناصر جهدا كبيرا في بنائها وتعزيزها، إذ تحطم قدر كبير من تلك الهيبة والمصداقية، في اللحظة التي تعارض فيها الأحفاد، واقتتلوا في سبيل السلطة. وأصبحوا أداة في يد الزعماء المحليين المتحاربين، يغذون بهم خلافاتهم، ويوهمونهم بالولاء الزائف. 
 
إن تلك الخلافات والصراعات بين الأئمة والقبائل والقوى التابعة لكل إمام ولفترات زمنية طويلة خلقت مأساة حقيقية لليمن واليمنيين، وعكست آثارها السيئة على المجتمع اليمني في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونستطيع القول بأن المسار العام لتجربة العلويين الهادوية في شمال اليمن  كان سلبياً خصوصاً في ميدان السياسة والحكم، ومع ذلك فقد كان كان هناك مناخاً خصباً تصارعت فيه الأفكار والفرق والمذاهب، فازدهر الفكر والفقه والأدب وكثرت المدارس وانتشرت هجر العلم وفتح باب الاجتهاد، وتعددت المدارس الفقهية والفكرية، وانتجت لنا نماذج متميزة من العلماء، جمعوا بين العلم والعمل، والتقوى والعدل، وخشية الله والحكمة في الامر والنهي.
 
 يلخص لنا الكاتب والمفكر العربي عبدالباري طاهر تجربة الهادوية الزيدية في اليمن بقوله: مبدأ الخروج على الإمام الظالم والذي استشهد في سبيله أفضل دعاة وأئمة الزيدية تحول في تاريخ اليمن الآثم إلى حروب مستدامة وكارثة لا تنتهي؛ فكل طامع وطامح للسلطة والمال والجاه ليس أمامه غير الخروج على الإمام الجائر؛ فيخرج أكثر من إمام في رقعة ضيقة وجائعة كلهم ضد الجور؛ فيكونون أطغى من الطغيان وأقسى من الجور؛لأنهم يدمرون الأمن والاستقرار،خصوصا في المدن والمناطق الزراعية. ولا شرعية غير الحرب، ولا ثمرة غير الفيد وسفك الدماء؛ فكانت الحروب هنا بمثابة " أدوات إنتاج"، وإعادة توزيع الثروة، وتحقيق العدالة بتجويع الجميع شأن اشتراكية رفاقنا في الجبهة القومية في الجنوب عقب الاستقلال والثورة التصحيحية. 
 
تنويه:
وقبل أن نغادر هذا الجزء من المقال لا بد من تنويه مهم في هذا المقام، وهو أننا دائماً ما نقرأ ونسمع من الكتاب والمثقفين في الوسط الزيدي وغيرهم النقد الشديد للغلو في التكفير الذي وقعت فيه الحركة الوهابية لعامة المسلمين وما ترتب على ذلك من قتال للمسلمين ونهبهم، وبالفعل كانت هناك مجازر رهيبة بحق  السكان المسلمين الآمنين في نجد والحجاز والأحساء والذين كانت تنظر إليهم الحركة الوهابية ككفار ومشركين واعتبار ذلك في إطار الغزوات والفتوحات المشروعة، لكنّا في المقابل لم نسمع هؤلاء يتحدثون، عن جهاد وغزوات الهادوية الزيدية في اليمن أو أنهم يغضون الطرف عن ذلك تعصباً منهم للمذهب؛ وإلا فإن سيرالأئمة وتاريخهم يتشابه إلى حد بعيد مع عنف الحركة الوهابية؛ فهو يتحدث عن فتوحات الأئمة وغزواتهم واستباحة القتل ونهب المال  ولكن في بلاد المسلمين المحيطة بصعدة أو صنعاء مثل بلاد همدان وبني الحارث وبني مطر ووقش وغيرها ومأساة المطرفية- وهم من الزيدية- شاهدة على ذلك، وإن توسعت فتوحاتهم فإلى بلاد المشرق وسائر الجهات الجنوبية وديار اليمن الأسفل وتهامة (كفار التأويل أو المشبهة والمجبّرة) كما كانوا يسمونهم!.
 
واليوم يقوم المخلوع صالح والحوثيون بتمزيق اليمن وتدمير نسيج المجتمع اليمني وكأن التاريخ يعيد نفسه؛ فبعد اقتحامهم صنعاء وما حولها، شنوا حرباً شعواء على جنوب اليمن ووسطه وشرقه تحت دعاوى وشعارات زائفة (تكفيريين، دواعش)!.
 والحقيقة أن كل هذا الطغيان والظلم والبغي بكل أصنافه لا علاقة له بخروج الإمام زيد بن علي و دعوته الإصلاحية القائمة على دفع الظالمين، ونصر المستضعفين، ورعاية المال العام، والحق في المعارضة السياسية.
 
وفي الأخير نترك الكلام لأحد أعلام ومفكري الزيدية وهو الأستاذ الأديب الشاعر أحمد بن محمد الشامي-رحمه الله- وهو يقارن بين طريقة العلويين الحضارم وبني عمهم في شمال اليمن، حيث يقول في موسوعته التاريخية ( تاريخ اليمن الفكري في العصر العباسي):
 
(( لقد كان الإمام أحمد بن عيسى المهاجر جد حكيم حين صرف نفسه، ونظر (آل البيت) من ذويه ولأهله عن (السلطة)، وحثهم على أن يكونوا (أئمة محاريب) ودعوة, لا (أئمة قصور) وقوة؛ فاحتفظوا لأنفسهم بالمنابر والعلم والتقوى محافظين على شرف (المودة في القربى)؛ إذ أن الطموح من طبيعة البشر، والتوق إلى الحكم والسلطة أقصى غاية الطامحين من أبناء البشر؛ وقد قال الشاعر:
          نصف أهل الأرض أعداءٌ لمن           ولي السلطة هذا إن عدل
 
وقلة هم أولئك الذين يستطيعون-خُلُقاً أو توفيقاًً- أن يكبحوا جماح رغباتهم ومشاعرهم وأهوائهم من أبناء البشر! وقد أهلّ الله سبحانه أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر الصادق لذلك الموقف الحكيم خَلقاً وخُلُقاً، وطبعاً وسلوكاً؛ وبذلك التأهيل الآلهي والفطري منع أخاه العالم الكبير محمد بن عيسى من الخروج والثورة على خليفة عصره العباسي وأقنعه بالصبر والأناة؛ وهو نفس الموقف الذي حاوله الإمام جعفر الصادق مع ابن عمه (كذا ورد في الأصل! والصواب عمه) الإمام الشهيد (زيد بن علي) ولكنه أخفق ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وتوفّق حفيده ( المهاجر في إقناع أخيه (محمد)؛ ثم أسّس لأولاده وأحفاده في (حضرموت) طريقة الخلود إلى (المحاريب) والدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، وترك السلطة لمن يريدها ويهواها من أولئك الذين تواثبوا على كراسيها في (حضرموت) طيلة أحد عشر قرناً؛ وظل (الأحبّاء) بعيدين عن الصراع عليها؛ لا بينهم وبين أنفسهم كما فعل(السادة) أولاد عمّهم في شمال اليمن، ولا بينهم وبين( الأذواء) والسلاطين!، وآثروا الاحتفاظ بشرف وجلال (المودّة في القربى) وأعظم به شرفاً، وأكرم به من جلال! أليس في هذا درس تاريخي وعبرة لذوي الألباب.


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة